ليس في جزيرة العرب أنهار كبيرة بالمعنى المعروف من لفظة نهر مثل نهر دجلة أو الفرات أو النيل؛ بل فيها أنهار صغيرة أو جعافر. وهي لذلك تعد في جملة الأرضين التي تقل فيها الأنهار والبحيرات، وفي جملة البلاد التي يتغلب
[ ١ / ١٥٧ ]
عليها الجفاف. ويقل فيها سقوط الأمطار، ولذلك أصبحت أكثر بقاعها صحراوية قليلة السكان؛ غير أنها كثيرة الأودية، تطغى عليها السيول عند سقوط الأمطار، فتصير وكأنها طاغية مزبدة. وهي في الغالب طويلة، تسير في اتجاه ميل الأرض. أما الأودية التي تصب في البحر الأحمر أو في البحر العربي، فإنها قصيرة بعض الشيء، وذات مجرى أعمق، وانحدار أشد، والمياه تسيل فيها بسرعة فتجرف ما يعترضها من عوائق، وتنحدر هذه السيول إلى البحر فتضيع فيه، ومن الممكن الاستفادة منها في الأغراض الزراعية والصناعية. وقد تكون السيول خطرًا يهدد القوافل والمدن والأملاك، ويأتي على الناس بأفدح الخسائر١.
وفي كتب المؤلفين الإسلاميين إشارات إلى سيول عارمة جارفة، أضرت بالمدن والقرى والمزارع وبالقوافل والناس؛ إذ كانت قوية مكنتها من جرف الأبنية والناس، ومن إغراقهم حتى ذكر أن خراب عاصمة اليمامة القديمة كان بفعل السيل، وأن كثيرًا من المزارع والأموال هلكت وتلفت بفعل لعب السيول بها لعبًا لم تتحمله؛ فهلكت من هذا المزاح الثقيل٢.
وليس في استطاعة أحد التحدث عن ملاحة بالمعنى المفهوم من الملاحة في نهيرات حزيرة العرب، وذلك لأن هذه النهيرات إما قصيرة سريعة الجريان منحدرة انحدارًا شديدًا، وإما ضحلة تجف مياها في بعض المواسم فلا تصلح في كلتا الحالتين للملاحة. وهي أيضًا شحيحة بالثروة الحيوانية، وليس فيها إلا مقادير قليلة من الأسماك.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن كثيرًا من أودية جزيرة العرب كانت أنهارًا في يوم من الأيام. واستدلوا على ذلك بوجود ترسبات في هذه الأودية، هي من نوع الترسبات التي تكون في العادة في قيعان الأنهار، ومن عثور السياح على عاديات وآثار سكن على حافات الأودية. ومن نصّ بعض الكتبة "الكلاسيكيين" على وجود أنهار في جزيرة العرب؛ فقد ذكر "هيرودوتس" نهرًا سماه "كورس" زعم أنه نهر كبير عظيم، يصب في "البحر الأريتوي"، ويقصد به البحر الأحمر، وزعم أن العرب يذكرون أن ملكهم كان قد علم ثلاثة أنابيب صنعها
_________________
(١) ١ فتوح البلدان للبلاذري، الفصل الذي عقده لأخبار السيول، الطبري والأزرقي في أخبار السيول. ٢ NAVAL. PP،. ٢٤.
[ ١ / ١٥٨ ]
من جلود الثيران وغيرها من الحيوانات، امتدت من هذا النهر إلى البادية مسيرة اثني عشر يومًا، حملت الماء من النهر إلى مواضع منقورة، نقرت لخزن المياه الآتية من ذلك النهر فيها١.
وهناك موضع على مقربة من ساحل البحر الأحمر اسمه "قرح"٢ على مسافة ٤٣ كيلومترًا من "الحجر" في مكان يمر به خط الحديد الحجازي في منطقة صحراوية، وكان في الأزمنة السابقة من المحلات المزروعة، وبه بساتين عدة تعرف بـ "بساتين قرح"، وعلى مقربة منها "سقيا يزيد" أو "قصر عنتر" "إسطبل عنتر"، كما تعرف به في الزمن الحاضر على بعد ٩٨ كيلومترًا من المدينة. وإلى شماله "وادي الحمض" الذي يرى بعض العلماء أنه المكان الذي أراده "هيرودوتس"٣.
وذكر "بطلميوس" نهرًا عظيمًا سماه "لار" lar، زعم أنه ينبع من منطقة "نجران"، أي من الجانب الشرقي من السلسلة الجبلية، ثم يسير نحو الجهة الشمالية الشرقية مخترقًا بلاد العرب حيث يصب في الخليج العربي٤. ولا يعرف من أمر هذا النهر شيء في الزمن الحاضر. ولعله كان واديًا من الأودية التي كانت تسيل فيها المياه في بعض المواسم، أو كان بقايا نهر، أثرت في مياهه عوامل الجفاف. ويرى "موريتس" أن هذا النهر الذي أشار إليه "بطلميوس"، هو وادي الدواسر، الذي يمس حافة الربع الخالي عند نقطة تبعد زهاء خمسين ميلًا من جنوب السليل، وتمده بعض الأودية المتجهة من سلاسل جبال اليمن بمياه السيول٥، وتغيض مياهه في الرمال في مواضع عديدة، فتكون بعض الواحات التي يستقى منها، ويزرع عليها. ويلاحظ وجود مياه غزيرة في واديه، في مواضع لا تبعد كثيرًا عن القشرة. وهذا مما
_________________
(١) ١ Herodotus، vol. ١، P. ٢١٤، Bertram Thomas، The Arabs، P. ٣٥٠ ٢ البكري ٧٨٧، المقدسي ٨٣، ٩٨، ١١٢، "قرح" بالضم ثم السكون، البلدان "٧/ ٤٨" وكانت من أسواق العرب في الجاهلية، وزعم بعضهم أن بها كان هلاك عاد قوم هود، مما يدل على أنها من المواضع القديمة في بلاد العرب. ٣ "إصطبل عنتر"، وهبه ص٢٠، والظاهر أنها كانت تعرف بـ "سقيا"، وهي من المواضع الجاهلية القديمة، البلدان "٥/ ٩٤". ٤ mortiz، s، ٢١. ٥ وهبه ٥٤، الألوسي، تأريخ نجد "ص٢٩".
[ ١ / ١٥٩ ]
يحمل على الاعتقاد بوجود مجاري أرضية تحت سطح الوادي، وأنه كان في يوم ما نهرًا من الأنهار؛ غير أننا لا نستطيع أن نتكهّن في أمر هذا الوادي أكان نهرًا جاريًا في زمن بطلميوس كما أشار إلى ذلك، أو كان واديًا رطب القيعان لم تكن عوامل الجفاف قد أثرت فيه أثرها في الزمن الحاضر. لذلك كانت تمكث فيه السيول والأمطار المتساقطة على السفوح الشرقية لجبال اليمن مدة أطول مما هي عليه الآن١. والرأي عندي أن هذه الأنهار وأمثالها التي يشير إليها المؤلفون اليونان والرومان، لم تكن في الواقع وبالنسبة إلى ذلك الزمن إلّا سيولًا عارمة جارفة سمعوا بأخبارها من تجارهم ومن بعض رجالهم الذين كُتب لهم الذهاب إلى بلاد العرب أو اتصلوا بالعرب، فظنوا أنها أنهار عظيمة على نحو ما ذكروه. فلا يعقل وجود الأنهار الكبيرة في ذلك الزمن؛ إذ كان الجفاف قد أثر تأثيره في إقليم جزيرة العرب قبل ذلك بأمد طويل، فلا مجال لبقاء أنهار على النحو الذي يذكره أولئك الكتّاب.
وينطبق هذا الاحتمال على الأودية الأخرى، وهي كما قلت كثيرة، ومنها وادي الرمة ووادي الحمض، ويعد هذان الواديان من الأودية الجافة، إلا في مواسم الأمطار الشديدة حيث تصب السيول فيهما، غير أن لها مجاري أرضية، تشير إلى تلك الحقيقة، ويمكن الحصول على المياه فيهما بحفر الآبار على أعماق ليست بعيدة عن السطح. وقد تظهر على سطح الأرض في بعض المحال، وربما كانا قبل آلاف السنين أنهارًا تجري فيها المياه، فتروي ما عليها من أرضين٢.
يتكون "وادي الرمة" عند "حرة خيبر" أو "حرة فدك"٣ من التقاء بضعة أودية ممتدة من الشمال على ارتفاع ستة آلاف قدم، ثم تتجه بعد ذلك نحو الشرق ثم تأخذ اتجاهًا جنوبيًّا شرقيًّا حيث تتصل بـ "الجرير" أو "الجريب" كما كان يعرف سابقًا٤، وهو من أوسع فروع وادي الرمة. ويتجه هذا الوادي
_________________
(١) ١Moritz. S. ٢١ ٢ Motitz، S. ٢١، Phllby، in the Geogr. Journ، cxiii، "١٩٤٩" ٨٦. ٣ ويقال له "بطن الرمة" بضم الراء وتشديد الميم، وقد يقال بالتخفيف، البلدان "٢/ ٢١٩"، "ومنها وادي القصيم، المسمى وادي الرمة" تأريخ نجد، للألوسي "ص٢٩". ٤ "الجريب" بالفتح ثم الكسر، البلدان "٣/ ٩١"، mortiz، s، ٢٣.
[ ١ / ١٦٠ ]
نحو الشرق حيث يصل إلى "بريدة"، ثم ينعطف نحو الشمال الشرقي فالشرق إلى "القصيم" حيث يسمى بعد ذلك "الباطن" "البطن" ثم يتفرع إلى فرعين يخترقان منطقة صحراوية، ويسير أحدهما في "النفود" حيث يتصل بالدهناء إلى أن يبلغ موضعًا قرب البصرة١. ويبلغ طول هذا الوادي زهاء ٩٥٠ كيلومترًا أو أكثر٢.
وأما مبدأ وادي الحمض أو وادي إضم كما كان يسمى قديمًا، فمن جنوب حرّة خيبر، ثم يتجه نحو الجنوب الغربي إلى أن يصل إلى يثرب حيث تتصل به أودية فرعية أخرى، منها "وادي العقيق"، ويتصل به كذلك "وداي القرى"، ويستمد مياهه من السيول التي تنحدر إليه من الجبال من العيون التي عند خيبر حيث يصب في البحر الأحمر في جنوب قرية الوجه. وعند هذا المصب بقايا قرية يونانية قديمة، وبقايا معبد يعرف عند الأهلين "كصر كريم"٣،
وهو من مخلفات المستعمرات اليونانية القديمة التي كان الملاحون والتجار اليونانيون قد أقاموها عند ساحل البحر الأحمر لحماية سفنهم من القرصان. وللاتجار مع الأعراب، ولتموين رجال القوافل البحرية بما يحتاجون إليه من ماء وزاد. ويعتقد "موريتس" أن هذا الموضع هو محل مدينة "لويكه كومة" "leuke kome" المشهورة التي وصل إليها "أوليوس كالوس" لما همَّ بفتح اليمن٤، على حين يرى آخرون أن هذه المدينة هي في المحل المعروفة باسم "الحوراء". ويبلغ طول وادي الحمض زهاء ٩٠٠ كيلومتر٥.
_________________
(١) ١ "البطن" "بطن الرمة"، البلدان "٢/ ٢١٩"، صفة ١٤٤ ٢ وهبه ص٢، "القصيم"، بالفتح ثم الكسر على "فعيل" قال الأصمعي: "وأسافل الرمة تنتهي إلى القصيم"، البلدان "٧/ ١١٦"، "بطن" الحماسة "فرايتاك" ٦٠٨، صفة ١٤٤، الدينوري: الأخبار، ١٦٠، ٢٥٨، ويرى "موريتس" احتمال كون نهر "بيشون pischon" الذي هو أحد أنهار الجنة الأربعة في التوراة هو وادي الرمة، Mortiz، s، ٢٣. handbook of arabia، vol، ١، p، ١٠ ٣ "أضم" بالكسر ثم الفتح وميم، قال ابن السكيت: أضم وأد يشق الحجاز حتى يفرغ في البحر، البلدان "١/ ٢٨١"، وادي "الحمض"، البلدان "٣/ ٣٤٢". ٤ mortiz، s، ٢٤، pauly-wissowa، leuke koms. ٥ "الحوراء" بالفتح والمد، كانت بها أثار خرائب قديمة حتى أيام ياقوت الحموي وكانت قد هجرت في أيامه، وكانت ميناء المصريين إلى المدينة، البلدان "٣/ ٣٥٩" Mortiz، s، ٢١
[ ١ / ١٦١ ]
وهناك "وادي حنيفة"، وهو الأودية المهمة كذلك، يبتدئ من غرب "جبل طويق" ثم يتجه نحو الشرق نحو الخليج العربي. وهو مهم، ويمكن الحصول على المياه فيه بطريقة حفر الآبار؛ لأن الماء غير بعيد عن قاعه. وأما عند هُطول الأمطار، فإن المياه تجري إليه من السفوح فتسيل فيه١.
ولقلة المياه في بلاد العرب، انحصرت الزراعة فيها في الأماكن التي حبتها الطبيعة بمواسم تتساقط فيها الأمطار مثل العربية الجنوبية، وفي الأماكن التي ظهرت فيها عيون وينابيع، مثل وادي القرى في الحجاز، والأحساء على الخليج العربي. وفي الأودية والأماكان التي تكثر فيها المياه الجوفية؛ حيث استنبطت المياه منها بحفر الآبار. والزراعة في هذه الأماكن -باستثناء العربية الجنوبية- هي زراعة محدودة، حدودها ضيقة، وآفاقها غير بعيدة، وناتجها قليل لا يكفي لإعاشة كل السكان.
وقد لزمت سكان الأرضين التي تغيث السماء أرضهم، بإنزال الغيث عليها، الاستفادة من الأمطار المنهمرة، بحصرها وتوجيهها إلى مخازن تخزنها لوقت الحاجة، وذلك بإنشاء السدود وإقامة خزانات ذوات أبواب تفتح وتغلق لتوجيه المياه الوجهة التي يريدها الإنسان. وقد أقيمت هذه السدود في مواضع متناثرة من جزيرة العرب، خاصة في الأماكن التي يركبها المطر مثل العربية الجنوبية والعربية الغربية. وتشاهد اليوم آثار سدود جاهلية استعملها الجاهليون للاستفادة من مياه الأمطار.
ولما كانت الأمطار رحمة ونعمة كبرى، إذا انحبست نفقت إبل العرب ومواشيهم، صار انحباسها نقمة وهلاكًا، وعدّوا انحباسها عنهم غضبًا من الآلهة ينزل بهم، ولهذا كان الجاهليون يتضرعون على آلهتهم ويتقربون إليها، أن تنزل عليهم الغيث، ولهم في ذلك صلوات وأدعية للاستسقاء سيأتي الحديث عنها في باب الدين عند الجاهلين.
وعلى خلاف العيون الحارة التي هي من آثار التفاعلات البركانية والتفاعلات الباطنية الكيمياوية، فإن في بلاد العرب عيون وينابيع وواحات، صارت موطنًا للزراع والزرع. وبعض هذه العيون، تتدفق من الجبال والهضاب وبعد مجرى قصير تعود فندخل باطن الأرض كما هو الحال في أرض "مَدْيَن". وهنالك
_________________
(١) ١ حافظ وهبه، جزيرة العرب "ص٤٦". Handbook of arabia، vol، ١، p، ١٠
[ ١ / ١٦٢ ]
عيون تتوقف حياتها على المطر. وقد استفاد الجاهليون من بعض العيون والينابيع فربطوها بكهاريز وبقنوات تجري فيها المياه تحت سطح الأرض إلى بيوتهم ومزارعهم دون أن تتعرض للتبخر الزائد؛ فتفقد كميات كبيرة من المياه تذهب هباء. وقد عثر على شبكات منها في عُمان وفي وادي فاطمة بالحجاز وفي اليمن١
_________________
(١) ١ Naval، PP.، ٣٣.
[ ١ / ١٦٣ ]