ويقال لها في اليونانية١ "arabia eremos". أما حدودها؛ فلم يعينها الكتّاب اليونان واللاتين تعيينًا دقيقًا. ويفهم من مؤلفاتهم أنهم يقصدون بها البادية الواسعة الفاصلة بين العراق والشام، أي البادية المعروفة عندنا ب"بادية الشام". ويكون نهر الفرات الحدود الشرقية لها إلى ملتقى الحدود بالعربية السعيدة. وأما الحدود الشمالية، فغير ثابتة، بل كانت تتبدل بحسب الأوضاع السياسية. وأما الحدود الغربية، فكانت تتبدل وتتغير كذلك، ويمكن أن يقال بصورة عامة إن حدودها هي المناطق الصحراوية التي تصاقب الأرضين الزراعية لبلاد الشام. فما كان بعيدًا عن إمكانيات الرومان واليونان ومتناول جيوشهم، عد من العربية الصحراوية٢.
_________________
(١) ١ Musil، Deserta، P.، ٤٩٧، ٥١١، Hitti، ٤٤. ٢ Forster Vol.، ٢، p.، ١١٠ ff.
[ ١ / ١٦٤ ]
ويفهم من العربية الصحراوية أحيانًا "بادية السماوة"١، وقد يجعلون حدودها على مقربة من بحيرة النجف، أي في حدود الحيرة القديمة؛ حيث تبدأ "بطائح كلدية" التي كانت تشغل إذ ذاك مساحة واسعة من جنوب العراق. وعرفت عند بطلميوس باسم "amardocaea" وهي تمتد حتى تتصل ببطائح "maisanios kolpos" أو "خليج مسنيوس" "خيلج ميسان"، الذي يكون امتداد الخليج العربي "persikos kopos". وكل ما وقع جنوب ذلك الخط الوهمي، عدّ في العربية السعيدة٢.
وقد فهم "ديودورس" من "العربية الصحراوية" المناطق الصحراوية التي تسكنها القبائل المتبدية، وتقع في شمالها وفي شمالها الشرقي في نظره أرض مملكة "تدمر". وأما حدّها الشمالي الغربي والغربي حتى ملتقاها بالعربية الحجرية، فتدخل في جملة بلاد الشام. وأما حدودها الشرقية، فتضرب في البادية إلى الفرات. فأراد بها البادية إذن. وقد جعل من سكانها الإرميين والنبط٣.
وتقابل العربية الصحراوية، ما يقال له "أربي" عند الأشوريين، و"ماتو أربي" عند البابليين، و"أرباية" عند السريان والفرس.
كانت البادية، بادية الشام، أو "العربية الصحراوية"، مأهولة بالقبائل العربية، سكنتها قبل الميلاد بمئات السنين. وليست لدينا مع الأسف، نصوص كتابية قديمة أقدم من النصوص الأشورية التي كانت أول نصوص أشارت إلى العرب في هذه المنطقة، وذكرت أنه كانت لديهم حكومات يحكمها ملوك. وأقدم هذه النصوص هو النص الذي يعود تأريخه إلى سنة ٨٥٤ ق. م٤. وقد ورد فيه اسم العرب في جملة من كان يعارض السياسة الآشورية، ولما كان هذا النص يشير إلى وجود مشيخة أو مملكة عربية، يحكمها ملك فلا يعقل أن يكون العرب قد نزلوا في هذا العهد في هذه البادية، بل تشير كل الدلائل إلى أن وجودهم فيها كان قبل هذا العهد بأمد، وربما كان قبل الألف الثاني قبل الميلاد. وقد كانت هذه القبائل تهاجم أرض ما بين النهرين وبلاد الشام، وتكون مصدر
_________________
(١) ١ Musil، Deserta، P.، ٢٣٥. ٢ Musil، Deserta، P.، ٥٠٠، ٥٠٣، Stephan of Byzantium، Ethnica، P.، ٢٣٧، (Ed. Melneke) . ٣ Musil، Deserta، P.، ٤٩٩، Diodorus، Bibl. Hist.، ١١، ٥٤. ٤ DD Luckenbill، Ancient Records of Assyria and Bobyonia، Vol.، ١، ٦١١.
[ ١ / ١٦٥ ]
رعب للحكومات المسيطرة على الهلال الخصيب، وكانت تنتقل في هذه البادية الواسعة، لا تعترف بفواصل ولا بحدود، فتقيم حيث الكلأ والماء والمحل الذي يلائم طبعها١.
أما الروايات العربية، وهي لا تستند إلى وثائق أو نصوص جاهلية، فقد رجحت وجود العرب في هذه الأرضين إلى ما بعد الميلاد في الغالب، ولم يتجاوز بعض من تجاوز الميلاد أيام "بخت نصر" وهو بالطبع حديث مغلوط فيه.
_________________
(١) ١ forster، Vol.، lf p.، ٣٤٧
[ ١ / ١٦٦ ]