لا نعلم شيئًا كثيرًا عن صلات العرب بالكلدانيين، فلم تصل إلينا كتابات منهم تفصح عن علاقتهم بالعرب. غير أن سكوت هذه الكتابات وعدم وصولها إلينا، لا يمكن أن يكون سببًا يحملنا على التفكير في عدم قيام صلات بين العرب والكلدانيين؛ فقد رأينا فيما مضى أنهم ساعدوا أهل بابل في نزاعهم مع آشور، ثم إن العرب كانوا يجاورون البابليين منذ القديم، وهذه المجاورة القديمة في حد ذاتها واسطة طبيعية لتكوين الاتصال المباشر بين العرب والكلدانيين.
وقد تحدث الأخباريون عن غزو "بخت نصر" "بختنصر" "٦٠٤-٥٦١ ق. م." للعرب في أيام "معد بن عدنان"، ووصوله إلى موضع "ذات عرق"، كما تحدثت عن ذلك في فصل "طبقات العرب"، وقد قلت: إن رواته أخذوا مادته من أهل الكتاب، وأضافوا إليه مادة جديدة أنتجها ابتداعهم له، فصار نسيجًا جديدًا هو المدون في الكتب١، وهو حديث لا قيمة تأريخية له؛ ولذلك لا يمكن الاطمئنان إليه والأخذ به. وقد قص علينا الأخباريون ألوانًا كثيرة من هذا القصص الذي بان لونه وعرف أصله في القرن العشرين.
وأنا لا أريد أن أستبعد احتمال قتال "بخت نصر" مع القبائل العربية، فذلك
_________________
(١) ١ الطبري "١/ ٢٩١"، ابن الأثير، الكامل "١/ ١١٧"، "نبوكذ ناصر"، "أدي شير" "ص١٤٠".
[ ٢ / ٢٥٨ ]
ممكن جدا، ولا سيما أن بابل مجاورة للعرب، وأن توسع هذا الملك ودخوله فلسطين جعل البابليين يتصلون اتصالًا مباشرًا بالأعراب، فلا بد أن يكون "بخت نصر" قد احتك بالعرب واتصل بهم، وقد يكون حاربهم وأوقع خسائر بهم؛ لتحرشهم بجيوشه وبحدود إمبراطوريته التي شملت البادية الواسعة الفاصلة بين العراق وبلاد الشام١. ولكن الذي نتوقف عنده وننظر إليه بحذر، هو هذا الطابع المعروف عن الأخباريين، الذي يروون به كيفية غزو ذلك الملك لـ"معد بن عدنان".
وقد يكون "بخت نصر" قد بلغ موضع "ذات عرق" وقد يكون بلغ موضعًا آخر أبعد منه، إلا أن الذي أراه أن استيلاء البابليين على الأماكن التي احتلوها من جزيرة العرب إن وقع فعلًا، فإنه لم يدم طويلًا؛ فقد كانت فتوحات الفاتحين لجزيرة العرب كالسيول، تأتي جارفة عارمة، تكتسح كل شيء تجده أمامها، ثم لا تلبث أن تزول وتختفي آثارها بعد مدة قصيرة؛ لأسباب منها بُعد طرق المواصلات عن عواصم الغازين الفاتحين وعدم وجود مواد غذائية كافية في البلاد المفتوحة لإعاشة جيش كبير، ليستطيع ضبط القبائل والمحافظة على الأمن، ومهاجمة القبائل للقوافل التي ترد لتموين الحاميات وللحاميات نفسها، وعدم تمكن الفاتح من وضع جيش كبير جاهز في كل لحظة للقتال ليصد غارات القبائل التي تؤلف غالبية سكان جزيرة العرب في ذلك العهد. ثم إن القسم الأكبر من الذين قاتلوا وفتحوا، أناس مرتزقة سِيقوا إلى القتال سَوْقًا، خوفًا أو طمعًا، وقبائل اشترى الفاتحون ساداتها بإطماعهم في مغانم يجنونها أو لدوافع حقد قبليّ، ومن عادة سادات القبائل أنهم مع الفاتح ما دام قويا سخيا يبذل لهم بكل سخاء، فإذا ضعف أو أمسك أو دارت الدنيا عليه، كانوا هم أول من ينقلب عليه؛ ولذلك صارت أمثال هذه الفتوحات غارات انتقامية سريعة، لا يلجأ إليها إلا بعد تفكير وإعداد خطط ووجود ضرورات ملحة تستوجب إرسال مثل هذه الحملات.
ويرى بعض علماء التوراة والبابليات ما جاء في كتاب "دانيال" الذي كتب بعد أيام "بخت نصر" من نبوءة ومن رسالة أرسلها النبي إلى ذلك الملك، ومن
_________________
(١) ١ D.J. Wiseman، Chronicle of Chaldaean Kings، PP. ٣٢، ٤٨، ٧٠، Nebuchadrezzar's Campain in Arabia، ٥٩٩ B. C
[ ٢ / ٢٥٩ ]
فتوحات في بلاد العرب، هو من وضع كاتب تلك الرسالة، وضعه ليثبت نبوءته، وأن ذلك الكاتب أخذ فتوحات "نبونيد" فنسبها إلى "بخت نصر"١. أما أنا، فلا أريد أن أثبت فتوحات "بخت نصر" ولا أريد أن أنفيها في هذا العهد، فوصول "بخت نصر" إلى الحجاز أمر ممكن، وسوف نرى أن "نبونيد" قد وصل إلى مدينة "يثرب"، فليس بمستبعد وصول "بخت نصر" إلى الحجاز، بعد أن استولى جيشه على فلسطين، وصار في إمكانه الزحف نحو الجنوب، ولكن الذي أراه الآن هو التريث، فلعل الزمن يجود علينا بنصوص قد تتحدث عن حروب وفتوح أمر بها هذا الملك في بلاد العرب. وكتاب "دانيال"، وإن كُتب على شكل نبوءة، لا يستبعد أن يكون قد استمد خبر النبوءة من وثيقة أو خبر شائع، فصاغه في شكل نبوءة؛ ليثبت نبوءته لبني إسرائيل.
وقد أخبرتنا الكتابات البابلية أن "بختنصر" "Nebuchadrezzar" أرسل في شهر "كسلو" "Kislev" "Kislew" من السنة السادسة من ملكه المقابلة لسنة "٥٩٩ ق. م." حملة على العرب الساكنين في البادية، نهبت أملاكهم وما عندهم من مواشٍ، وسرقت آلهتهم ثم عادت٢. ولم يذكر النص البابلي اسم البادية التي هاجمها الجيش البابلي ولا اسم القبائل التي هاجمها، ولم يذكر أيضا اسم المواضع التي تحرك منها الجيش لمهاجمة العرب. ويرى الباحثون احتمال مهاجمة البابليين للعرب من "حماة" "Hamath" أو "ربلة" "Riblah"، أو "قادش" "Kadesh"، فتوغل جيش "بختنصر" في البادية، ثم عاد حاملًا معه ما ذكر في النص من أسلاب ومن مواشٍ وآلهة العرب أي: الأصنام.
وكانت غاية البابليين من أسر الأصنام وأخذها، هو إكراه القبائل على الاستسلام والخضوع لهم؛ لما للأغنام من أثر كبير في نفوسها، وقد رأينا أن ملوك الآشوريين مثل: "سرجون" و"سنحريب" و"أسرحدون" كانوا قد أسروا أصنام العرب وأخذوها معهم إلى آشور وكتبوا عليها شهادة الأسر والوقوع في أيدي الآشوريين؛ ليؤثروا بذلك نفسيًّا في نفوس أتباعها وعبَّادها
_________________
(١) ١ S. Smith، Babylonian Historicl Texts، P. ٣٥ ٢ Br. Mus. ٢١٩٤٦، D.J. Wiseman، Chronicles of Chaldaean Kings، London، ١٩٥٦، P. ٣١، ٤٨، ٧١
[ ٢ / ٢٦٠ ]
ويكرهوهم على الخضوع لهم وعلى مساومة الآشوريين لاستردادها في مقابل الاستسلام لهم وتأييد سياستهم وعدم التحرش بهم، ولم يذكر النص البابلي أسماء تلك الآلهة.
وكانت غاية "بختنصر" من إرسال حملته هذه على العرب، هو حماية حدود "حماة" وبقية مشارف فلسطين وبلاد الشام من الأعراب وإخضاعهم لحكمه، ثم تأديب بعض القبائل التي تحرشت به على ما يظهر حين دخوله بلاد الشام وفي جملة ذلك فلسطين. واستنادًا إلى ما جاء في "سفر إرميا" نستطيع أن نقول: إن "قيدار" كانوا على رأس القبائل العربية البارزة التي غزاها جيش "بختنصر" وكذلك "بنو المشرق" "أبناء المشرق" و"ممالك حاصور". ونظرًا لوجود تشابه كبير بين الرواية البابلية عن حملة "بختنصر" على العرب وبين ما جاء في "سفر إرميا"١، أرى أن مدون السفر قد أخذ خبره هذا الذي صيَّره نبوءة من موارد بابلية ثم كيَّفه على النحو المذكور.
ولدينا خبر رواه لنا "إكسينوفون" "Xenophon"، يفيد أن "بختنصر" لما حمل على مصر أخضع "ملك العربية". وقد قصد بذلك حملته على مصر سنة "٥٦٧" قبل الميلاد٢.
والخبر التأريخي الثاني الذي وصل إلينا عن صلات البابليين المتأخرين بالعرب، هو ما ورد عن الملك "نبونيد" "Nabonid" "Nabonidus" "٥٥٥-٥٣٨ ق. م." "٥٥٦-٥٣٩ ق. م." من اتخاذه "تيماء" مقرًّا له. ففي السنة الثالثة من حكمه جرد حملة على "أدومو" "Adumu" "Adummu" أي "دومة" "دومة الجندل"، وسار منها إلى "تيماء" سالكًا طريقًا لم تعرف في الزمن الغابر على رأس جيشه، جيش أرض "أكد" "أكاد". فلما وصل إليها، أعمل فيها السيف، وقتل أميرها وأهلها، والظاهر أن ذلك بسبب مقاومتهم له وعنادهم في الدفاع عن مدينتهم، ثم طاب له أن يستقر بها، فابتنى بها قصرًا ضخمًا له جعلوه كالقصر الذي في بابل، وحلت "تيماء" محل
_________________
(١) ١ الإصحاح ٤٩، الآية ٢٧ وما بعدها. ٢ enophon، Cyropaedeia، I، ٥، ٢، Naval، P. ٢١٦
[ ٢ / ٢٦١ ]
بابل، أي صارت عاصمة لملك البابليين١.
ويرى العلماء أن حملة "نبونيد" على "دومة الجندل" "أدومو" "Adummu" و"تيماء" "Tema" كانت في سنة "٥٥٢ ق. م."٢. وقد جاء إليهما سالكًا الطريق البرية المؤدية من بلاد الشام إلى شرقي الأردن، الطريق التي يسلكها حجاج بلاد الشام في الإسلام إلى مكة، وبعد أن قضى على حكام المدينتين استقر في "تيماء" ومعه حرسه البابليون. ويظهر من إشارته في نصه المدون عن أخبار فتوحاته أنه سلك في وصوله إلى "تيماء" سبيلًا لم يسلكها الأقدمون من قبل، ومن إشارته إلى قتله "ملك تيماء" وسكان المدينة أن المدينة في أيامه كانت مستقلة، يحكمها ملك من أهلها، وأن البابليين لم يكونوا قد حكموها قبله٣.
وقد أقام "نبونيد" سنين في عاصمته الجديدة، أما ابنه "بلشاصر" "بلشصر" "بلشسر" "Belsharrusur" "Belsazar"، فكان بـ"بابل" مع الجنود البابليين. ويظهر أنه أقام بهذه المدينة حتى السنة الحادية عشرة من حكمه، وربما أقام بها أكثر من ذلك قليلًا، حتى اضطر إلى تركها والعودة إلى بابل، بظهور الفرس الذين هددوا البابليين، ووسعوا ملكهم، وصاروا على مقربة من بابل. فقد تغلب "كيرش" "كورش"٤ "cyrus" على العربية وأدخلها في جملة أملاكه، وعين عليها مقيمًا سياسيًّا فارسيًّا "ستراب" "satrap"، ويظهر أن حملته هذه على العربية كانت حوالي سنة "٥٤٠-٥٣٩ ق. م."، وأن "نبونيد" كان قد ترك "تيماء" وجاء إلى بابل قبل تغلب "كيرش" على العربية٥.
وقد يتساءل المرء عن الأسباب التي حملت "نبونيد" على ترك بابل والالتجاء هذه السنين إلى "تيماء": أهي شئون سياسية خطيرة حملته على السكنى في هذه
_________________
(١) ١ Musil، Negd، P. ٢٢٥ Meissner، Koenige، S. ٢٠٨، Sidney Smith، Babylonian، P. ٨٨، Dougherty، Nabonides، and Belshazzar، New Haben، ١٩٢٩، PP، Reall. I، ٥te، Lieferung، S. ٣٨٣ ٢ S. Smith، P. ٥٣ ٣ راجع السطر ٢٤ من النص S. Smith، P. ٨٨ ٤ "كيرش"، الطبري "٢/ ٥"، "١/ ٦٥٣، ٦٩١، ٧٨١"، "طبعة ليدن"، "كورش" تأريخ مختصر الدول لابن العبري، "ص٨١" "بيروت ١٨٩٠". ٥ S. Smith، Baby. Hist، P. ٨٢، ١٠٢، The Cambridge Ancient History. IV، P. ١٩٤
[ ٢ / ٢٦٢ ]
المدينة البعيدة عن عاصمته القديمة، أم هي عوامل عسكرية، أو اقتصادية، أو بواعث شخصية لا تتعلق بهذه ولا بتلك؟ أما إجابات المؤرخين، فهي مختلفة ومتنوعة. منهم من رأى أن لتيماء أهمية كبيرة من الناحية الاقتصادية لوقوعها في ملتقى طرق تجارية عالمية بالنسبة إلى ذلك العهد، والاستيلاء عليها والبقاء فيها معناه كسب عظيم، وربح كبير بالنسبة إلى عالم السياسة في ذلك اليوم. ومنهم من رأى أن ذلك كان لأثر مزاج الملك وطبيعته ورغبته في التخلص من أمراض بابل؛ بسكناه في محل جاف مرتفع زهاء "٣٤٠٠" قدم عن سطح البحر.
وتيماء مركز مهم، ذكر كما رأينا في نصوص الآشوريين، وهو من الأماكن القديمة المذكورة في التوراة، وهو فيها كناية عن أحد أبناء إسماعيل، مما يدل على أنه كان من المواطن الإسماعيلية، ويقع على مسافة "٢٠٠" ميل إلى الجنوب الشرقي من رأس خليج العقبة، وبمثل هذه المسافة إلى الشمال من المدينة، وعلى بعد "٦٥" ميلًا من شمالي العلا. وبها عين غزيرة المياه، هي التي بعثت الحياة في هذا المكان، وتعد أشهر عين ماء في جزيرة العرب١، تستعمل للسقي، ولإرواء المزارع التي تنبت مختلف الفواكه والتمور والحبوب. وهواؤها صحي جيد، ولا تزال مأهولة، فهي في الزمن الحاضر كناية عن قرية يزيد عدد سكانها على الألفين، يسكنون في بيوت من طين وفي أكواخ٢.
وعلى مقربة من "تيماء" خربة فيها أحجار ضخمة مربعة، وبقايا عمران قديم، يظن بعض العلماء أنها موضع معبد عتيق. ويرى بعض من زارها أنها كانت مدينة لا تقل ضخامةً عن "الحجر" وعن المدن الأخرى التي ترى آثارها في العربية النبطية حتى الآن. ولم تفحص هذه الخربة التي يسميها الناس "توما" "Tuma" فحصا علميا٣. وقد يعثر فيها على كتابات آشورية وبابلية ويونانية وإرمية وعربية ترينا أثر الاتصال الثقافي الذي كان في هذه المواضع التي تعد ملتقى القوافل والتجار والثقافات.
_________________
(١) ١ Hastings، P. ٨٩٧، Doughty، Arabia Deserta، I، Chapt. ١٠، ١٩، Jaussen، and Sabignac، Archeologique en Arabie، II، Part، I، chapt، ٤، Musil، Oriental Explorations، V، P. ٢٢٤، Montgomery، P. ٦٦ ٢ وهبة، جزيرة العرب "ص٧٥ فما بعدها". ٣ S. Smith، Baby. Hist. Text. P. ٨٠
[ ٢ / ٢٦٣ ]
وقد عثر في هذه الخربة على حجر مكتوب بلغة بني إرم، يرجع تأريخه إلى القرن الخامس قبل الميلاد، ورد فيه أن أحد الكهان استورد صنمًا جديدًا إلى تيماء، وبنى له معبدًا، وعين له كهانًا توارثوا خدمة "صلم هجم"، و"صلم" بمعنى صنم. وقد مثل صنم "هجم" في زي آشوري، وظهر في أسفل الرسم رسم الكاهن الذي شيد ذلك النصب، وقد نشرت ترجمة الكتابة الإرمية. ويرى "سدني سمث" أن تأريخها يرجع إلى أيام "نبونيد"، فلعله صنع في ذلك الزمن بتأثير البابليين١.
ولطول إقامة "نيونيد" في "تيماء" لا يستبعد أن يجيء يوم قد يعثر فيه على كتابات أو آثار أخرى ترجع إلى هذا الملك. فلا يعقل أن تذهب ذكريات أيامه كلها من هذه المدينة، وينطمس أثر قصره عنها، ذلك القصر الذي بالغ الملك في وصفه وأراد أن يجعله في مستوى قصور بابل. وقد يعثر فيها على مراسلاته مع مدينته بابل ومع الحكومات الأجنبية التي كانت في أيامه ومع الأعراب. وإذا حدث ذلك، فقد نجد شيئًا جديدًا لا نعرفه عن أيام تيماء في عهد نبونيد.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن "تيماء" التي استقر بها "نبونيد" هي تيماء أخرى تقع في العروض على ساحل الخليج، وحجتهم في ذلك أن المسافة بين تيماء الحجاز وبابل كبيرة واسعة، تجعل من الصعب تصور إقامة "نبونيد" في هذا المكان. أما العروض فإنه على اتصال ببابل، ولا يفصل بينهما حاجز أو فاصل أو عائق؛ ولهذا ذهبوا إلى احتمال وقوع "تيماء" في العروض٢، كما ذهب بعض آخر إلى احتمال كون "تيماء" "تيمان" المذكورة في التوراة٣. وهي أرض "أبناء الشرق"٤، وملتقى طرق القوافل القادمة من بلاد الشام ومصر والعراق والجنوب٥، غير أن الباحثين في هذا اليوم متأكدون من أن "تيماء"
_________________
(١) ١ Smith، Baby. Hist. Texts. P. ٧٩، Corpus Insctiptionum Semitlcarum، Pars، Secouda، Plate، LX، Tome I، P. ١٠٧، Montgomery P. ٦٧، Hogarth، Penetration of Arabia P. ٢٨٠، Cooke، North Semitic Insrciptions، P. ١٩٥ ٢ Negd، P. ٢٢٦ ٣ إرميا، الإصحاح التاسع والأربعون، الآية ٧، عوبديا، الآية ٩، وعاموس، الإصحاح الأول، الآية ٢، حبقوق، الإصحاح الثالث، الآية ٣. ٤ قاموس الكتاب المقدس "١/ ٢٩٦ فما بعدها". ٥ Negd، P. ٢٢٥
[ ٢ / ٢٦٤ ]
"نبونيد" هي "تيماء" الحجاز، في المملكة العربية السعودية.
فقد عثر في "حرَّان" على كتابة مهمة جدًّا في بحثنا هذا، دَوَّنها الملك "نبونيد"، عثر عليها في سنة "١٩٥٦م"، وكانت مدفونة في خرائب جامع حران الكبير، وترجمت إلى الإنجليزية، وإذا بها تتحدث عن تأريخ أعمال ذلك الملك. ومما جاء فيها: أنه لما ترك "بابل" وجاء إلى "تيماء"، أخضع أهلها، ثم ذهب إلى "ددانو" "ديدان" و"بداكو" و"خبرا" و"إيديخو" حتى بلغ "أتريبو"١. ثم تحدث بعد ذلك عن عقده صلحًا مع "مصر" و"ميديا" "ما، دا، ا، ا" "مادا ا" "Ma-da-a-a" "Medes" ومع "العرب" "مات ا، را، بي، أو"٢ "Mat A-ra-bi-u". وقد ختم العمود الذي جاء فيه هذا الخبر بأسطر تهشمت جمل منها؛ يفهم من مآلها أن العرب المذكورين أرسلوا إليه رسلا، عرضوا عليه عقد صلح معه، واستسلامهم له، فوافق على ذلك بعد أن كبَّدهم جيشه خسائر فادحة، وأسر منهم ونهب، ولم تذكر تلك الأسطر المواضع التي حارب فيها جيش "نبونيد" أولئك الأعراب٣. وقد يفهم من هذه السطور الأخيرة أيضا أن بعض هؤلاء العرب هاجموا البابليين، ونهبوا المناطق الخاضعة لهم بالرغم من عقدهم الصلح معه، وموافقتهم على أن يسالموه، وهذا ما دعاه إلى إرسال حملات تأديبية عليهم، أنزلت بهم خسائر فادحة٤.
ولم يكن نص "نبونيد" معروفًا بين العلماء يوم اختلفوا في تعيين موضع "تيماء"، أما اليوم وقد نشر النص وترجم ترجمة دقيقة صحيحة، وعرفنا منه "فدك" و"خيبر" "ويثرب"، وهي مواضع معروفة مشهورة حتى اليوم وتذكر مع "خيبر"، فقد أجمع العلماء على أن "تيماء "نبونيد" هي "تيماء" الحجاز من دون أي شك، وأن موضع إقامة ملك بابل وقصره
_________________
(١) ١ راجع السطرين ٢٤، ٢٥ من النص الموسوم: Nabonidus H٢، A and B، In Anatolian Studies، By C. J. add، The Harran Inscriptions of Nabonidus، VIII، ١٩٥٨، PP. ٣٥ ٢ السطر ٤٢ وما بعده من النص المذكور. ٣ راجع الأسطر من ٤٣ حتى ٤٨ من النص. ٤ Anatolian Studies، VIII، ١٩٥٨، P. ٧٦، A. R. Burn، Persia and The Greeks، P. ٣٨
[ ٢ / ٢٦٥ ]
كان في هذا المكان من الحجاز.
ولما كان استيلاء "بنونيد" على "تيماء" في حدود سنة "٥٥١-٥٥٢ ق. م." وجب أن يكون زحفه على الأماكن المذكورة بعد ذلك. والظاهر أن الذي حمله على التوغل في الجنوب، رغبته في السيطرة على أخطر طريق برية للتجارة، تربط بلاد الشام بالعربية الجنوبية، وهي طريق قديمة مسلوكة، تسلكها القوافل التجارية المحملة بأنفس التجارات المطلوبة في ذلك العهد، ثم السيطرة على البحر الأحمر، وذلك بالاستيلاء على الحجاز وعسير واليمن وربما على العربية الجنوبية كلها؛ ولو تم له ذلك، لكان ملكه قد بلغ المحيط الهندي. ومن يدري، فلعل اختياره "تيماء" مقرا له، وتجوله في الأرضين الواقعة بينها وبين "يثرب" كان لهذا السبب، أي: لتنفيذ تلك الفكرة الخطيرة، فكرة السيطرة على جزيرة العرب وبلوغ المياه الدافئة للوصول إلى إفريقية والهند والعربية الجنوبية، إلا أن فكرته هذه لم تتحقق كما يتبين من النص، فكان أقصى ما وصل إليه "يثرب"، ثم توقف عند ذلك المكان.
ويرى بعض الباحثين الذين درسوا كتابة "حران" هذه أن الصلح الذي أشار إليه الملك يجب أن يكون قد عقد في حوالي سنة "٥٤٨ ق. م." في مدينة "تيماء" عاصمة الملك الجديدة، وأن الصلح الذي عقد مع الأعراب قد وقع في "تيماء" أيضا، وأن الهجمات التي هاجم بها بعض الأعراب البابليين وقعت إبان وجوده في هذه العاصمة وقبل رحيله عنها إلى "بابل"، ولكن من هم العرب الذين عقدوا الصلح مع "نبونيد"؟ ومن هم العرب الذين هاجموا جيشه والأرضون التي خضعت له؟ إن النص لم يشر إليهم، ولم يتحدث عنهم، وهم بالطبع قبائل عديدة، قد يكون منها قبائل سالمت البابليين وحالفتهم، ومنها قبائل عارضتهم وكرهتهم. ثم إن بين القبائل منافسةً وأحقادًا وحسدًا، فإذا حالفت قبائل حكومة ما، حسدتها القبائل المنافسة، فهاجمتها وهاجمت الحكومة التي عقدت معها الحلف؛ لإثبات نفسها، ولإظهار وجودها، ولأخذ الزعامة منها، وهذا داء القبائل منذ كان النظام القبلي.
والذي أراه أن الحجاز لم يكن آنذاك تحت حكومة واحدة يرأسها ملك واحد، وإنما كان على نحو ما كان عليه عند ظهور الإسلام، حكومات قرى ومدن وقبائل. ويؤيد ذلك ما جاء في النص البابلي عن "تيماء" أن "نبونيد"، "قتل
[ ٢ / ٢٦٦ ]
بالسلاح ملك تيماء" "ملكو"١. ومعنى هذا أنها كانت في حكم حاكم يلقب نفسه بألقاب الملوك. ولا أستبعد أن يكون حال "ديدان" و"خيبر" و"فدك" و"يديع" و"يثرب" مثل حال هذه المدينة، أي: عليها حكام يلقبون أنفسهم بألقاب الملوك، ولا أستبعد أيضًا أن يكون حالها أو حال بعضها على نحو حال هذه المدن يوم ظهور الإسلام، أي: تحت حكم سادات المدينة والأشراف يشتركون معًا في الحكم، ويتشاورون فيما بينهم عندما يحدث حادث ما في مدينتهم أو قريتهم في أمور السلم، وفي أمور الحرب.
ووضع سياسي على هذا النحو لا يمكن أن يقاوم جيشًا لجبًا قويًّا عارمًا كجيش بابل المدرب على القتال، والذي يعيش على الحروب؛ ولذلك انهار بسرعة وسلم أمره إلى البابليين. ومن هنا نشتم من نص "نبونيد" رائحة الاستخفاف بأسلحة "العرب"، أي: الأعراب سَكَنَة هذه المواضع، وبأسلحة تلك المدن التي استسلمت له. وكل ما فعله الأعراب أنهم تراجعوا إلى البوادي، وصاروا يشنون منها غارات على البابليين؛ ليأخذوا منهم ما يجدونه أمامهم، فإذا تعقبهم البابليون عادوا إلى معاقلهم وحصونهم: الصحراء.
وقد عثر على كتابة ثمودية وردت فيها جملة: "رمح ملك بابل"، وعلى كتابة ثمودية أخرى جاء فيها: "حرب دون" "حرب ديدان"٢. وقد فسر العلماء الجملتين المذكورتين بأنهما إشارة إلى الحرب التي نشبت بين البابليين وأهل ديدان في أيام "نبونيد"، وأن أهل تلك المناطق صاروا يؤرخون بها لأهميتها عندهم كحادث تأريخي٣. فالكتابتان إذًا تحددان وقت تلك الحرب، وتعينان مبدأ تقويم يؤرخ بموجبه عند أهل ثمود، غير أننا لم نتمكن من الوقوف على ذلك المبدأ من الكتابتين المذكورتين؛ لقصرهما ولعدم وجود مفتاح معهما يفتح لنا الباب لنصل منه إلى الموضع الذي حفظ فيه سر ذلك التأريخ.
أما موضع "Da-da-nu" "دادانو"، فإنه "ديدان"، وهو موضع معروف مشهور، ورد ذكره في "العهد القديم"، وفي عدد من الكتابات٤،
_________________
(١) ١ atolian Studies، Vol. VIII، ١٩٥٨، P. ٨٤ ٢ Van den Branden، Textes ThamoudSens de Philby، Vol. II، PP. ٥٤ ٣ atolian Studies، ١٩٥٨، VII، PP. ٧٨ ٤ W. Caskel، Lihyan und Uhyanisch، ١٩٥٤، W. F. Albright، Dedan، in GescMchte wnd Atles Testament، ١٩٥٣، A. Van den Branden، La Chronologie de Dedan et de Lihyan In Blbliotheca Orientalis، XIV، ١٩٥٧، ١٣
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وتحدثت عنه في مواضع من هذا الكتاب، فكان إذن في جملة الأرضين التي خضعت لحكم "نبونيد".
وأما "Pa-dak-ku" "بداكو"، فهو موضع "فدك"، ولم يكن مشهورًا في الأخبار القديمة، وإنما اشتهر في أيام الرسول، إلا أن عدم اشتهاره لا يمكن أن يكون دليلًا على عدم وجوده في أيام "نبونيد"١. وربما لا يستبعد أن يعثر في خرائبه على آثار من عهد "نبونيد" وقبل عهده؛ إذ كان معروفًا قبل أيامه، بدليل ذكره في جملة المواضع التي استولى عليها هذا الملك.
وأما "Hi-ib-ra-a" "خي، اب، را، ا" "خيبرا" فهو موضع "خيبر"، وهو موضع معروف وقد كان من مواطن يهود في أيام النبي. وهو موضع "خيبر" الذي أرخ بحرب وقعت فيه في حوالي سنة "٥٦٨م" "بعد مفسد خيبر بعام"٢.
وموضع "Ia-di-hu-u" "Iadihu"، وهو موضع "يديع"، ويقع بين "فدك" و"خيبر"، وقد ذكره "ياقوت الحموي" والهمداني٣.
وأما "Iatribu" "إيتريبو"، فهو موضع "يثرب" أي المدينة. وقد ذكر في جغرافية "بطلميوس"، فيكون نص "حران" إذًا أقدم نص ذكر اسم هذا المكان.
و"يثرب" إذن آخر موضع استولى عليه البابليون في الحجاز وألحقوه بمملكتهم مملكة بابل؛ لسكوت النص عن ذكر مواضع أخرى تقع في جنوبها، ولو كانوا قد تجاوزوها لذكروا اسم الأماكن التي استولوا عليها من دون شك.
وقد استطعنا بفضل هذا النص التأريخي الخطير من العثور على خبر "يثرب" في وثيقة تعود إلى ما قبل الميلاد بكثير، فعلمنا منه أنها كانت مدينة عامرة قديمة، وأنها كانت أقدم بكثير مما تصوره أهل الأخبار عن نشوئها، ثم استطعنا
_________________
(١) ١ Anatolian Studies، ١٩٥٨، P.، ٨١ ٢ E. Combe، J. Savaget et G. Wiet، Repertoire Chronologique D'epigraphie Arabe، I، P. ٣، No. ٣ ٣ البلدان "٤/ ١٠١٣" Anatolian Studies، ١٩٥٨، Vol.، VHI، P. ٨٣، F. Wuestenfeld، Das Gebiet von Medina، S. ١٦١، Arablen، S. ٢٢
[ ٢ / ٢٦٨ ]
أن نفهم أن العراقيين كانوا قد استولوا على منطقة مهمة من الحجاز في ذلك العهد، وأن بعد المسافات بين الحجاز والعربية الجنوبية لم يحل بين الآشوريين والبابليين من التوغل مسافات شاسعة في جزيرة العرب من طرفيها ومن اجتياز نجد أيضا، كما رأينا من وصولهم إلى جنوب البحرين على الخليج، وإلى سبأ وإلى يثرب في هذا العهد.
وقد تنقل "نبونيد" مدة عشر سنوات في هذه المنطقة التي فتحها من الحجاز، في أرض يبلغ طولها حوالي "٢٥٠" ميلًا من "تيماء" إلى "يثرب" وحوالي "١٠٠" ميلٍ عرضًا، يراجع أهلها وينزل بين قبائلها، ويختلط بها، ثم يعود إلى عاصمته تيماء، حيث يسير منها أمور الدولة. ويظهر أنه تطبع من خلال إقامته هذه المدة بين العرب ببعض طباعهم، واقتبس بعض مصطلحاتهم حيث وردت في النص١.
ويرى بعض من عالج هذا النص ودرسه أن الملك البابلي نقل معه خلقًا من العراق، وأسكنهم في هذه الأماكن الحجازية في المواضع المذكورة، وكان يأتي إليهم من تيماء؛ ليتفقد أحوالهم، وليرى بنفسه سبل الدفاع عنهم وحمايتهم من غارات الأعداء. ويرون أيضا أن في جملة ما جاء بهم إلى هذه الأماكن اليهود: يهود من بابل، ويهود من فلسطين، كما رأوا أن اليهود كانوا قد سكنوا هذه المواضع من قبل، وربما كان ذلك منذ جاء اليهود إلى فلسطين، فأقاموا بها إلى أيام النبي٢.
ويظهر أن الملك "نبونيد" كان قد وضع خطة للهيمنة على الأرضين ولإلحاقها نهائيا ببابل، وذلك بإسكان أتباعه بها وإجبارهم على الإقامة فيها. وقد نفذ خطته هذه فعلًا، ووزع من كان قد جاء بهم معه على هذه المواضع، بأن انتزع الأملاك من أصحابها العرب وأعطاها للمستوطنين الجدد، وحماهم بجيش وضعه في كل مكان؛ لصد غارات الأعراب عليهم. ولتقوية معنوياتهم ولتثبيت قلوبهم في البقاء في هذه الأرضين الجديدة، صار يتفقد شئونهم بين الحين والحين ويزورهم، ولكن الخطة لم تنجح؛ لأن الظروف السياسية والعسكرية أكرهته
_________________
(١) ١ Anatollan Studies، vol. VIII، ١٩٥٨، P. ٨٤ ٢ Anatolian Studies، ١٩٥٨، vol. VIII، PP. ٨٦، Le Museon، ١٩٦١، ١-٢، P. ١٤٦
[ ٢ / ٢٦٩ ]
على العودة إلى بابل، فمات مشروعه مع عودته، فلم تُلحَق تلك الأرضون ببابل، غير أن أكثر المستوطنين الجدد بقوا في هذه الأماكن، وفي جملتهم اليهود الذين ازداد عددهم بمرور الأيام وكونوا مستعمرات يهودية وصلت "يثرب" في الجنوب.
لقد ترك فتح "نبونيد" لهذه الأرضين من الحجاز وبقاء بعض من نقلهم إلى هذه المواضع فيها للاستيطان بها أثرًا كبيرًا من الناحية الثقافية والاقتصادية والحضارية، وهي نواحٍ لم تدرس حتى الآن، ولم يهتم بها أحد. ولكن وجود ألفاظ عراقية قديمة في لغة أهل "يثرب" والمناطق الأخرى التي تقع إلى الشمال منها، وخاصة في الزراعة، يدل دلالة واضحة على أثر العراق في أهل هذه المواضع، فقد يكون قسم منه من بقايا أثر أولئك العراقيين الذين نقلوا إلى هذه الأماكن، وقد يكون قسم منه من مؤثرات أخرى وقعت قبل هذا الحادث، قد يكون في أيام "بخت نصر" أو قبله، وقد يكون بعضه من مؤثرات حوادث وقعت بعد ذلك.
وفي نسخة "قمران" الحاوية لبعض الإصحاحات من العهد القديم، وقد عثر عليها في نفس الوقت الذي عثر فيه على نص "حران" -أخبار قد تساعدنا في توضيح أسباب سوق "نبونيد" لليهود وأخذهم معه، وإرسائهم بهذه الأرضين الجديدة من أعالي الحجاز، إرساءً أقرهم فيها وأبقاهم حتى جاء الإسلام فأبعدهم عن الحجاز١.
إننا لا نملك نصوصًا بابلية عن مدى بلوغ سلطان البابليين السياسي في جزيرة العرب وعن صلاتهم بالقبائل العربية؛ لذلك انحصر علمنا بعلاقة بابل بالعرب في الأمور التي ذكرتها. وقد عثر على نص في مدينة "عانة" يثبت وجود صلات تجارية بين بابل والبلاد العربية، كما يشير إلى أثر بابل في الحياة العربية٢.
أما علاقات البابليين بأهل الخليج، فلا نعرف من أمرها شيئًا، فلم يرد في النصوص البابلية التي تتحدث عن هذه الحقبة شيءٌ ما عن الفتوحات البابلية في هذه الأرضين. وقد يعثر على شيء من الكتابات في المستقبل، تتحدث عن نوع
_________________
(١) ١ Anatolian Studies، vol. VIII، ١٩٥٨، P. ٨٧ ٢ A. J. Jaussen-R. Sabignac، Mission، No ١٣٨، A. T. Olmstead History of the Persian Empire، P. ٢٩٤
[ ٢ / ٢٧٠ ]
الصلات التي كانت بين حكومة "بابل" وأهل الخليج في هذا العهد.
وكل ما نعرفه عن علاقة البابليين بالخليج، أن البابليين كانوا قد ضموا جزيرة "دلمون" أي: البحرين إلى أملاكهم، وعينوا عليها حاكمًا بابليًّا، وذلك بعد سنة "٦٠٠ ق. م." بقليل١.
ومعارفنا بصلات العرب بالأخمينيين "Achaemenian" وبالبارثيين "الفرث" "Parthians" قليلة جدًّا. ويرى بعض المؤرخين أن العرب كانوا في أيام "الأخمينيين" قد تقدموا في زحفهم نحو الشمال، فدخلت قبائل منهم إلى العراق، ووسعت مساحة الأرضين التي كان العرب قد استوطنوها سابقًا، كما تقدموا في هذا العهد نحو الغرب، فتوسعوا في بلاد الشام وفي طور سيناء إلى شواطئ نهر النيل، حيث كانوا قد استوطنوها، وقد قاموا بخدمات كبيرة نحو ملوك الفرس في زحفهم على مصر٢.
ولم يلاقِ العرب أية مقاومة كانت في أثناء حركاتهم وتنقلاتهم ودخولهم الأرضين التي كان الأخمينيون قد استولوا عليها، ولكن وجدوا أنفسهم في حرية تامة، لهم الحق في الذهاب إلى أي مكان شاءوا، وهذا مما مكنهم من الدخول إلى أرضين جديدة وإلى توسيع هجرتهم في الأرضين التي كان الأخمينيون قد بسطوا سلطانهم عليها٣.
لقد ذكر "أكسنوفون" "Xenophon" العرب في جملة أتباع الملك "كيرش" "Cyrus" "Kyros" الثاني "٥٥٧-٥٢٩ ق. م." "٥٥٩-٥٢٩ ق. م."، وذكر أن هذا الملك عين واليًا عنه على "العربية" "Arabiai" "Arabioi" ويظهر من ورود لفظة "Arabiai" بعد "Kappadokia" أن المراد بها "الجزيرة"، أي "Mesopotamia"، أو جزء منها. ويظهر من موضع آخر أن "العربية" هي المنطقة الواقعة في شرق "Araxes" أي: "الخابور"٤.
وقد ورد في أخبار حملة "كيرش" على "بابل" أن جماعة من العرب
_________________
(١) ١ Beigrave، P. ٥٦ ٢ Die Araber، I، S. ١٦٤ ٣ Die Araber، I، S. ١٧١ ٤ ZDMG. ٩٤، NF. ١٩، "١٩٤٠"، ٢٠٢. f. Die Araber، I، s. ١٦٥، Xenophon، Anab. I، ٥.I
[ ٢ / ٢٧١ ]
كانت تحارب معه١، وكانت تلك الجماعة من الأعراب الراكبين للجمال، وذلك في سنة "٥٣٩" قبل الميلاد٢.
ويتبين من مراجعة الموارد اليونانية التي تعرضت لتأريخ وجغرافية العراق، أن اليونان أخذوا يطلقون لفظة "Arabioi" من هذا الوقت فما بعده بمعنى "العرب" و"عرب"، أي: علم لقوم وشعب على نحو ما كانوا يطلقون من أسماء على الشعوب الأخرى. وقد ذكروهم في جملة شعوب الجزيرة، أي "Mesopotamia". وقد أخذوا ذلك من "الأيونيين" "Ionien". وعلى هذا فسيكون مراد "أكسينوفون" وغيره من العربية الأرض التي غلب عليها العرب. ومعنى هذا توسع العرب في زحفهم وتقدمهم نحو الشمال وتغلبهم على أرضين جديدة كان سكانها من بني إرم وغيرهم، وتعرب كثير من بني إرم وتكوين طبقة عربية مستعربة٣.
ولما قام "قمببز" الثاني "قمباسوس" "Cambyses" بغزو مصر سنة "٥٢٥ ق. م." وطلب معونة العرب، أمدوه بالجمال وبالماء، وساعدوه مساعدة كبيرة لولاها لما تمكن من الوصول إلى مصر. ويزعم "هيرودوتس" أن "فانس" "Phanes"، الذي خان سيده فرعون مصر، فهرب منه وذهب خلسة إلى "قمبيز" وحثه على فتح مصر، أشار على الملك بأن يستعين بالعرب ليساعدوه في اجتياز الصحراء، وكان الملك يفكر في الصعوبات التي ستعترض جيوشه في قطع تلك الفيافي والقفار، ومن أهمها قلة الماء. فلما اقتنع الملك بصواب رأي "فانس" وصدقه، أرسل رسولًا إلى ملك العرب ليتفاوض معه في هذا الأمر، فوافق العرب على تقديم المساعدات فهيئوا قِرَبًا كثيرة ملئوها بالماء، وحملوها على ظهور جمالهم حيث قدموها إلى الفرس٤.
ولم يشر "هيرودوتس" إلى اسم الملك العربي الذي وافق على تموين الجيش الفارسي بما يحتاج إليه في حملته على مصر بالماء، ولم يشر أيضا إلى الأرض التي
_________________
(١) ١ Die Araber، I، S. ١٧١، Xenophon، Cyrup. ٧، ٥، ١٤ ٢ Xenophon، Kyrupadie، Vii، ٤، ١٦، ٥، ١٣، Grohraann، Arabien S. ١٧١ ٣ Die Araber، I، S. ١٦٥ ٤ G. Rawlinson، The History of Herodotus، I، P. ٢١١، ٢١٣، The Cambridge Ancient History، IV، P. ٢٠، Herodotus ٣، ٤، ٧، Die Araber، I، S. ١٦٧
[ ٢ / ٢٧٢ ]
كان يحكمها. وقد يكون هذا الملك أحد ملوك النبط الذين كانوا يحكمون في أعالي الحجاز وفي الأقسام الجنوبية من الأردن وطور سيناء، وقد يكون أحد كبار سادات القبائل العربية الكبيرة في طور سيناء، حيث كان له سلطان واسع كبير على الأعراب الساكنين في هذه الأرضين.
وأشار "هيرودوتس" في معرض كلامه على تزويد العرب قمبيز بالماء، إلى وجود نهر عظيم في بلاد العرب، دعاه: "كوريس" "قوريس" "Corys"، زعم أنه يصب في "البحر الأريتري" "البحر الأرتيري" "Erythraean Sea" أي البحر الأحمر، قائلًا: إن هناك من يزعم أن ملك العرب عمل أنبوبًا من جلود الثيران والحيوانات الأخرى لنقل المياه من النهر إلى صهاريج، أمر بحفرها وعملها في الصحراء لخزن الماء فيها، وإن هناك ثلاثة خطوط من هذه الأنابيب تنقل الماء إلى مسافة اثني عشر يومًا من النهر إلى موضع هذه الصهاريج١.
ولا يعقل أن يكون في بلاد العرب نهر على الوصف الذي ذكره "هيرودوتس" في ذلك العهد، كما أن الأنابيب المذكورة الممتدة إلى تلك المسافات المذكورة، هي من مخيلات القصاص الذين أخذ منهم ذلك المؤرخ خبره. والظاهر أن الذين حدثوه عن ذلك النهر، كانوا قد سمعوا أو شاهدوا السيول التي تصب في البحر الأحمر في مواسم الأمطار الشديدة، فتصوروها أنهارًا عظيمة تجري طول السنة. أما الصهاريج، فإنها معروفة في بلاد العرب، ولا سيما شمال العربية الغربية، تأتي إليها مياه الأمطار فتملؤها، وتغطي فتحاتها، فلا يعرف مواضعها إلا أصحابها، فإذا داهمهم عدو، سدُّوا منافذها، فلا يصل إلى مائها أحد. والظاهر أن الذين أمدوا الفرس بالماء كانوا يأخذونه من الصهاريج المنتشرة في مختلف الأماكن، ومن هنا ظهرت أسطورة نقل المياه إليها من ذلك النهر، في ثلاثة خطوط من الأنابيب المصنوعة من الجلود.
وذكر "هيرودوتس" في أثناء الكلام على "دارا" "داريوش" "داريوس"٢ "Darius"، أن جميع سكان آسيا الذين أذلهم "كيرش" "كورش" ثم
_________________
(١) ١ Herodotus، Bk. III، ٩، vol. I، P. ٢١٣ ٢ فهرست تاريخ الطبري، عمل "دي غويه"، "ص١٧٥"، حمزة "ص٢٠"، داريوس، ابن الطبري "ص٨٣"، "داريوش"، الأخبار الطوال "ص٣١"، "طبعة فلاديمير جرجاس"، "ليدن ١٨٨٨م".
[ ٢ / ٢٧٣ ]
"قمبيز" بعده قد اعترفوا بسلطانه، إلا العرب؛ فهؤلاء لم يخضعوا كالرقيق ألبتة لسلطان الفرس، وإنما كانوا قد تحالفوا معهم، وأصبحوا حلفاء وأصدقاء لهم منذ مهدوا الطريق لقمبيز للوصول إلى مصر. ولو كانت علاقاتهم غير ودية معهم؛ لما تمكن الفرس من القيام بذلك الغزو. وأثنى هذا المؤرخ على إباء العرب، وعلى شهامتهم، وعلى محافظتهم على الوعد والعهود١.
وذكر "هيرودوتس" أن الأرضين بين "Phoenicia"، أي "فينيقية" ومدينة "Cadytis"، كانت تابعة للسريان الفلسطينيين "Palaestine Syrian"، أما الأرضون بين مدينة "Cadytis" وموضع "Jenysus" "Ienysos"، فقد كانت تابعة للملوك العرب٢، ويريد بهم عددًا من سادات القبائل ولا شك. ويرى "جيمس رنل" "James Rennell" أن مدينة "Cadytis" هي القدس٣، ويرى آخرون أنها "غزة"٤. وأما "Jenysus" فهي "خان يونس" في جنوب غربي "غزة" على رأي "جيمس رنل"٥.
يتبين من قول "هيرودوتس" هذا أن العرب كانوا في أيام "قمبيز" أي: قبل الميلاد بعدة قرون، في هذه المنطقة من فلسطين، وأنهم كانوا قد انتشروا في "طور سيناء"، ونزلوا المناطق الشرقية من مصر حتى ضفة نهر النيل؛ ولهذا السبب أطلق عليها اسم "العربية" دلالةً على توغل العرب فيها٦.
لقد كانت "غزة" مدينة عربية يحكمها ملوك عرب، وقد كانت في حكم ملك عربي في أيام "هيرودوتس"، وكانت كل الأرضين الواقعة بين "غزة "وبين "Rhinokolura" تحت حكم العرب أيضا وذلك منذ أيام الفلسطينيين٧. وقد كان يحكم "غزة" في أيام "هيرود الكبير" ملك من أهل غزة٨، وقد كانت "غزة" قبيل الإسلام وعند ظهوره فُرْضَة العرب، يقصدها أهل
_________________
(١) ١ Herodotus، I، P. ٢٥٤، ٣، ٥ ٢ Herodotus، I، P. ٢١٢، Bk. HI، IV ٣ The Geographical System of Herodotus، London، ١٨٠٠، P. ٢٤٥، ٦٨٣. ٤ Herodotus، I، P. ٢١٢ ٥ Rennel، P. ٢٥٩ ٦ Die Araber، I، S. ١٦٧ ٧ Grohmann، Arabien، S. ٢٣ ٨ Flaviua Josephus، Antiquitates، XV، ٧، ٩
[ ٢ / ٢٧٤ ]
العربية الغربية للبيع والشراء، ولا أستبعد أن تكون "غزة" فرضة عرب العربية الغربية في هذا الوقت أيضا. وقد كان تجار العربية الشرقية يقصدونها أيضا على الرغم من بعد المسافة واتساع الشقة، فقد كان أهل "الجرعاء" "جرها" "Gerrha" يقصدونها، حاملين معهم تجارة الهند وما وراء الهند، فتأخذهم إبلهم عن طريق الواحات والآبار إلى "دومة الجندل" ومنها إلى جنوب فلسطين فغزة، حيث يبيعون ما عندهم ويشترون ما يحتاجون إليه من حاصلات البحر المتوسط، ثم يعودون بأموالهم الجديدة إلى بلادهم لبيعها هناك، أو لشحنها إلى ما وراء الخليج من أرضين.
وفطن "دارا" لخطورة المشروع القديم، مشروع ربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر عن طريق نهر "النيل" فاحتفره١. وقد وضع أساس هذا المشروع "رامسيس الثاني"، غير أنه امتلأ بعد ذلك بالرمال مرارًا، فاحتفره من جاء من بعده من الملوك٢. وذكر "هيرودوتس" أن الفرعون "نخو" "Necos" كان قد أرسل بعثة دخلت الخليج العربي، أي: البحر الأحمر في اصطلاح اليونان عن طريق القناة التي حفرت بين النيل وهذا البحر، وكانت هذه البعثة من الفينيقيين للبحث عن أعمدة "هرقل"٣ "Hercules".
ويرى بعض الباحثين احتمال كون الملك الذي حكم "غزة" في هذا العهد، ملكًا من ملوك اللحيانيين٤.
واهتم "دارا" بأمر التجارة البحرية، فأمر "Skylax" من اليونانيين بالذهاب إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي لكشف تلك المناطق وتكوين صلات تجارية معها، فوصل هذا المكتشف اليوناني -على رواية هيرودوتس- إلى الهند. وهو بذلك أول يوناني يبلغنا خبره حتى الآن، يدخل البحر الأحمر، ويطوف حول جزيرة العرب للوصول إلى الهند٥. ويفتخر "دارا" في كتابته التي أشار فيها إلى مشروع القناة، بأنه استطاع أن يسير السفن عبرها من مصر إلى أرض فارس٦، وقد كانت هذه الخطوة من أعظم الخطوات في تأريخ العالم، ولا شك.
_________________
(١) ١ Herodotus، I، P. ٣٠٢، Bk. IV، ٣٩ ٢ Herodotus، I، P. ٣٠٢، Note. I ٣ Herodotus، I، P. ٣٠٢ ٤ Arabien S. ٢٣ ٥ Montgomery، Arabia، P. ٦٩ ٦ Montg-omery، Arabia، P. ٦٩، Breasted، History of Egypt، PP. ٢٧٦، ٥٣٤، R.W. Rogers، A History of Ancient Persia، PP. ١١٩
[ ٢ / ٢٧٥ ]
وقد أثرت تأثيرًا خطيرًا في التجارة العربية في البحار، إذ فتحت البحر الأحمر والبحر العربي والمحيط الهندي لمنافسين أقوياء، صار بإمكانهم شراء تجارة أفريقية والهند وسواحل جزيرة العرب بأسعار رخيصة؛ لبيعها في الأماكن التي تريدها والتي كانت تشتريها بأثمان عالية، وبذلك أخذت من التجار العرب جزءًا كبيرًا من أرباحهم، وألحقت بتجارتهم مع البحر المتوسط ضررًا لا يستهان به.
ولما تحدث "دارا" عن الأرضين التي خضعت لحكمه، أدخل "عرباية" "أرباية"١ "Arabaya" في جملة تلك البلاد، وقد دعاها بـ"ماتو أريبي" "Matu A-ra-bi" في النص البابلي٢. ولم يقصد "دارا بـ"عرباية" كل البلاد العربية، أي جزيرة العرب وبادية الشام، وإنما أراد بها بادية الشام، كما تحدثت عن ذلك في شرح المراد من "ماتو أريبي" في الكتابات المسمارية. وقد كانت هذه البادية مثل جزيرة العرب موطنًا للأعراب منذ وجد العرب.
وقد ذكر "هيرودوتس" أن بلاد العرب كانت تقدم جزية سنوية من الطيب إلى "دارا"٣، إلا أنه لم يحدد مكان البلاد العربية، ولم يشر إلى العرب الذين دفعوا هذه الجزية. ولما كانت هذه الجزية طيبًا، فإنها تحملنا على التفكير في أن العرب الذين دفعوها كانوا من رجال القوافل المتاجرة التي تأتي بتجارة العربية الجنوبية لبيعها في بلاد الشام ومصر، وكان الطيب والبخور من أهم المواد الرائجة في أسواق تلك البلاد. وهذه الجزية لم تكن بالمعنى السياسي المفهوم الذي يدل على خضوع العرب للفرس، وإنما كانت جعالة سنوية تدفع للسلطات الحاكمة على تلك الأسواق مقابل السماح لها بالاتجار، أو أن "هيرودوتس" عنى ببلاد العرب الأرضين التي كان يسكنها العرب ودخلت تحت حكم الفرس، وعنى بالعرب الذين دفعوها بعض القبائل العربية التي كانت تقيم في مصر أو طور سيناء
_________________
(١) ١ The Sculpuures and Inscription of Darius the Great، London، ١٩٠٧، Col. ١، ١٥، P. XIIII، ٤ ٢ "ماتواربي" في النص البابلي، Col. I، ٥، Sculptures، P. XIVIII، The Babylonion Bersion، ٥، ١٦١ ٣ Inscripton of darius on the Rock at behiston، Translated، by Sir H. Rawlinson، London، ١٨٧٣، P. III، Herodotus، ٣، ٩١، ٩٧
[ ٢ / ٢٧٦ ]
أو بادية الشام.
ويلاحظ أن "هيرودوتس" كان قد ذكر، كما بينت قبل قليل، أن العرب لم يخضعوا للفرس في أيام كورش ولا في أيام قمبيز، وإنما كانوا حلفاء الفرس. فيظهر من كلام "هيرودوتس" الأخير أن العرب الذين خضعوا للفرس ولدارا، هم من أعراب بادية الشام، ومن كانت منازلهم وديارهم في فلسطين وفي طور سيناء١.
ويرى بعض المؤرخين أن "العربية" التي خضعت لحكم "دارا" لم تكن جزيرة العرب، وإنما منطقة الجزيرة الواقعة بين "بابل" وآشور٢، مثل منطقة "سنجار" "Singara" و"الحضر"، وكان العرب قد توغلوا فيها٣.
وقد ورد في خبر للمؤرخ "أكسينوفون" "Xenophon" وفي كتابة لـ" كيرش الثاني" "Kyros II" "Kyrush II"، ما يفيد أن العرب كانوا قد خضعوا لحكم الأخمينيين. فورد في كتابة "كيرش" مثلًا: "ملوك الأرضين الغربية الذين يقطنون في الخيام"، وذلك في جملة من اعتراف بسلطان الملك عليهم. غير أن هذه الإشارات لا تفيد أن العرب كانوا قد خضعوا لهم مدة طويلة، كما أنها لا تدل على خضوع حقيقي لهم، ولا سيما وقد ذكرنا أن "هيرودوتس" قد صرح أن العرب لم يخضعوا لحكم الفرس٤.
وأشار "هيرودوتس" إلى وجود فرقة عسكرية من العرب في الجيوش الفارسية التي كانت بمصر، كان على رأسها قائد فارسي دعاه "أرسامس" "Arsames"، وقال: إنه أحد أولاد "دارا"٥. ويظهر أن هؤلاء الجنود هم من عرب مصر، أي: من العرب القاطنين هناك، ولعلهم من سكان الأرضين المحصورة بين النيل والبحر الأحمر٦. وقد كان العرب ينزلون هذه المنطقة والمنطقة شرقي النيل وجنوب البحر المتوسط والمتصلة بطور سيناء منذ القديم. فالعرب كانوا من قدماء سكان مصر، لا كما يتصور بعضهم من أنهم دخلوا مصر في
_________________
(١) ١ Die Araber I، S. ١٦٧. ff ٢ Mesopotamien، In: RE. ١٥، (١٩٣١)، ١١٣١، F. H. Weiasbaeh، Die Keilschriften der Achaimeniden "١٩١١"، S. ٨٢. f. R.G. Kent، Old Persian، "١٩٥٣"، ١٣٦ ٣ Die Araber، I، S. ١٦٥ ٤ Die Araber، I، S. ١٧١ ٥ The Cambridge Ancient History، Vol. IV، P، ١٩٠ ٦ Herodotus، II، P. ١٤٨، Note. I
[ ٢ / ٢٧٧ ]
الفتح، وأنهم لذلك غرباء لا صلة هناك بينهم وبين المصريين قبل الإسلام. والمعروف أن "الهكسوس" الذين حكموا مصر كانوا من العرب في رأي كثير من العلماء، بل في نظر قدماء المصريين، كما حكى ذلك الراهب المصري المؤرخ "مانيتو" "Manetho" في كتابه المؤلف باليونانية في القرن الثالث قبل الميلاد١.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن "هيرودوتس" قصد بـ"العرب" النبط٢، غير أن بعضًا آخر يخالف هذا الرأي ويعترض عليه، فيرى أن النبط لم يظهروا ظهورًا بينًا إلا في أواخر أيام الأخمينيين، وكان ظهورهم في "بطرا" "Petra" وما حولها. أما مملكتهم فلم تقم إلا في القرن الثاني قبل الميلاد؛ ولهذا فإن العرب الذين قصدهم المؤرخ اليوناني هم عرب آخرون، وإن الأرض التي أرادها ذلك المؤرخ هي: طور سيناء حتى شواطئ نهر النيل٣.
وظهر من الإشارات الواردة في التوراة، أن عرب الضواحي كانوا يقيمون في مستوطنات، عرفت بـ"حاصير" "حازير" "حاصور" "حصور" "Haser" في العبرانية، ومعناها: "محاط". وقد كانوا أشباه بدو في الواقع، أناخوا في هذه المواضع واستقروا بها وامتهنوا الرعي٤.
وكان الجنود العرب يلبسون كما يقول "هيرودوتس" نوعًا من الثياب يسمى "زيرا" "Zeira"، وهي ثياب طويلة تشد عليها الحُزُم، ويحمل مرتدوها على أكتافهم اليمنى قِسِيًّا طوالًا. أما في حاله عدم استعمالها، فيعلقونها على طهورهم٥. والظاهر أن هذه الكلمة هي تحريف "السِّيرا"، و"السِّيرا": "ضرب من البرود، وقيل: ثوب مسير، فيه خطوط تعمل من القز كالسيور. وقيل: برود يخالطها حرير. وقيل: هي ثياب اليمن"٦. ويلاحظ أن الثياب المخططة كانت ولا تزال شائعة بين شعوب الشرق الأدنى، فلا تستبعد أن تكون كلمة "Zeira" تصحيفًا أو تحريفًا للسيراء، وهي أقرب إليها من لفظة "إزار" أو مئزر على ما أرى.
_________________
(١) ١ W. G. Waddell، Manetho، P. ٨٥، "the loeb Classical Library"، London، ١٩٤٨ ٢ Olmstead، History of the Persian Empire، ١٩٤٨، P. ٨٨ ٣ Die Araber، I، ١٧٠، ٢٨٤، ٢٩٠ ٤ Die Araber، I، S. ١٧٠ ٥ Herodotus، II، P. ١٤٧ ٦ اللسان "٦/ ٥٧"، ديوان قيس بن الخطيم "ص٦".
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وقد ألف الفرس -بالإضافة إلى الجنود العرب المشاة- كتائب عربية من الهجانة، تقاتل على الإبل، يلبسون ملابس المشاة، ويحملون أسلحتهم. يقول "هيرودوتس": إنهم كانوا يوضعون في مؤخرة الفرسان؛ تجنبًا لانزعاج الخيل إذا ما سارت مع الإبل١.
وقد استعملت دول أخرى كتائب عربية من الهجانة في جملة القوات المحاربة؛ للعمل في البوادي خاصة، حيث يصعب على المشاة والفرسان اجتيازها وتعقب الأعراب. ولا تزال كتائب الهجانة محافظة على حياتها بين القوات المحاربة، ولحماية الحدود الصحراوية حتى الآن.
وقد ألف العرب فرقة محاربة من الرماة بالسهام ومن المقاتلين، اشتركت في جيش "أحشويرش" "Xerxes" "٤٨٥-٤٦٥ ق. م."٢.
وقد أدخل الملك "أحشويرش" "العربية" "Arabia" في جملة البلاد التي كانت قد خضعت لحكمه، وذلك في نص من أيامه عثر عليه. وقد ذكر "العربية" بعد موضع "Maka" وقبل موضع "Gandara"٣.
_________________
(١) ١ Herodotus، II، P. ١٥٢ ٢ Die Araber، I، S. ١٧١ ٣ Pritchard، P. ٣١٦
[ ٢ / ٢٧٩ ]