لم تذكر التوراة "العرب" في مواليد بني نوح: سام، وحام، ويافث١، ولكنها ذكرت أسماء قبائل لا شك في أصلها العربي، وفي سكناها في جزيرة العرب. وهذا يؤيد ما ذهبت إليه من أن كلمة "العرب" لم تكن تعني قومية خاصة، ولم تكن تؤدي معنى العلمية، وإنما ترادف "الأعراب" والبدو، أي: سكان البادية؛ ولهذا لم تذكر في جدول الأنساب، وذكرت في مواضع أخرى من التوراة، لها علاقة بالبادية والتبدي والأعرابية، وإلا لم تسكت عن ذكر العرب بين الشعوب المصنفة في الجدول المذكور، وقد كان العرب يجاورون العبرانيين وكانوا على اتصال بهم دائم، فكان ينبغي ذكرهم في ذلك الجدول، لو كانت هذه التسمية تعني العلمية في الأصل، وتعني جميع سكان جزيرة العرب من حضر وبدو. أما وهي لم تكن تعني إلا قسمًا من العرب، وهم الأعراب أي: حالة خاصة من الحالات الاجتماعية؛ فلذلك لم تذكر، ومن ذكر في الجدول كلهم حضر مقيمون يعرفون بأسمائهم، وهم معروفون، أو قبائل أعرابية عرف العبرانيون أسماءها فذكروها، فمن طبع العبرانيين إطلاق لفظة "العرب" على الأعراب الذين لا يعرفون أسماءهم وعلى البدو عامة دون تخصيص.
والبدو هم طبقة عاشت عيشة خاصة، ولم تكن قبيلة واحدة أو قبائل معينة
_________________
(١) ١ التكوين: الإصحاح العاشر، أخبار الأيام الأول، الإصحاح الأول.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
محدودة يمكن حصرها وإرجاعها إلى نسب واحد، على نحو ما نفهم من كنعانيين وفينيقيين، ثم إن الأعراب لم يكونوا ينتسبون إلى جد واحد ولا إلى أب معين؛ لذلك لم تدخلهم التوراة في عداد الشعوب.
وقد ذهبت جماعة من المستشرقين إلى أن العبرانيين هم قوم أصلهم من جزيرة العرب، هاجروا منها وارتحلوا عنها على طريقة الأعراب والقبائل المعروفة نحو الشمال، وجزيرة العرب لذلك هي الوطن الأم الذي ولد فيه العبرانيون. ودليلهم على ذلك هو الشبه الكبير بين حياة العبرانيين وحياة الأعراب، وأن ما ورد في التوراة وفي القصص الإسرائيلي عن حياة العبرانيين ينطبق على طريقة الحياة عند العرب أيضا، ثم إن أصول الديانة العبرانية القديمة وأسسها ترجع إلى أصول عربية قديمة. أضف إلى ذلك أن العرب والإسرائيليين ساميون، وجزيرة العرب هي مهد الجنس السامي، فالعبرانيون على رأيهم هم من جزيرة العرب، وهم جماعة من العرب إذًا إن صحت هذه التسمية، بطرت على أمها وعاقتها وهربت منها إلى الشمال١.
وإذا جارينا التوراة في قولها بالأنساب، نرى أن العرب والعبرانيين هم على رأيها من أصل واحد، هو سام بن نوح، ونرى أيضا أنها تعترف ضمنًا بقدم "اليقطانيين"، أي "القحطانيين على الإسرائيليين. فاليقطانيون هم أبناء يقطان بن عابر بن شالح بن أرفكشاد بن سام٢. وعلى ذلك فهم أقدم عهدًا من بني إسرائيل، وأعرق حضارة ومدنية منهم، ولا سيما إذا ما عرفنا أن كلمة "عبري" على رأي كثير من العلماء تعني التحول والتنقل، أي: البداوة٣، أي: إنهم كانوا بدوا أعرابا يتنقلون في البادية قبل مجيئهم إلى فلسطين واستقرارهم بها وتحضرهم، على حين كان القحطانيون متحضرين مستقرين أصحاب مدن وحضارة. كذلك جعلت التوراة الفرع العربي الآخر الذي وضعته في قائمة أبناء "كورش" أقدم عهدًا من الإسرائيليين٤.
_________________
(١) ١ Montgomery، Arabia Nielaen، Hadbuch der Altarabischen Altertumskunde، I. S. ٢٤١. وسيكون رمزه: Handbuch ٢ التكوين، الإصحاح العاشر، الآية ٢٠ وما بعدها. ٣ إسرائيل ولفنسون، تأريخ اللغات السامية "ص٧٧ فما بعدها". ٤ التكوين، الإصحاح العاشر، الآية ٦ وما بعدها.
[ ٢ / ٢٨١ ]
لقد كان العرب، بدوًا وحضرًا على اتصال بالعبرانيين، فأينما عاش العبرانيون عاشوا مع العرب. ولعل هذا الاتصال هو الذي حمل نسابيهم على عد العرب ذوي قربى لليهود، ومن ذوي رحمهم. وكان العرب حتى في أيام تكوين العبرانيين حكومة في فلسطين يؤثرون تأثيرًا خطيرًا في الوضع السياسي هناك، وقد كانوا يقطنون بكثرة في الأقسام الشرقية والجنوبية من فلسطين وفي طور سيناء وغزة١، بل وكانوا يقطنون في القدس كذلك.
ومن علماء التوراة من يرى أن "أيوب" صاحب السفر المسمى باسمه، أي "سفر أيوب" وهو من أسفار التوراة، هو رجل عربي، إذ كانت كل الدلائل الواردة في سفره تدل على أنه من العرب، فقد كان من أرض "عوص" "Uz". و"عوص" وإن اختلف العلماء في مكانها، فالراجح عندهم أنها في بلاد العرب في "نجد"، أو في بلاد الشام في "حوران"، أو في "اللجاة"، أو على حدود "إدوم" "Idumaea"، أو في العربية الغربية في شمال غربي "المدينة". ويرى بعضهم أنه كان يسكن في شرق فلسطين أو في جنوب شرقيها، أي في جزيرة العرب، أو في بادية الشام٢.
وسبب هذا الخلاف، هو أن التوراة لم تحدد مكان أرض "عوص"، فبينما نرى أن سفر "أيوب" يتحدث عن هجوم "أهل سبأ" على ملك "أيوب" واستياق بقر كانت له تحرث الأرض وأُتُن ترعى٣، مما يشعر أن أرض "أيوب" التي هي "عوص" كانت على مقربة من السبئيين. نرى هذا السفر يذكر بعد آية واحدة هجوم ثلاث فرق من الكلدانيين على إبل "أيوب"، مما يجعلنا نتصور أن أرض "عوص" كانت على مقربة من الكلدانيين، أي: في البادية القريبة من الفرات٤. والرأي عندي أن "أيوب" كان رجلًا غنيًّا يملك إبلًا وبقرًا وأتنًا أملاكًا، وربما كان سيد قبيلة، وله رعاة يتنقلون بماشيته في بادية الشام ما بين العراق وفلسطين وأعالي الحجاز، فأغار "أهل سبأ" على بقر له كانت تحرث أرضه، وعلى أتن كانت ترعى في أرضه، وأخذوها من رعاته وحراسه.
_________________
(١) ١ Enc. Bibi. I، P. ٢٧٢. ff ٢ قاموس الكتاب المقدس "١/ ١٨٨"، "٢/ ١٢٦". Hastings، P. ٤٦٩، ٩٥٦ ٣ أيوب، السفر الأول، الآية ١٤ فما بعدها. ٤ أيوب، السفر الأول، الآية ١٧، Hastings، P. ٤٦٩، ٩٥٦
[ ٢ / ٢٨٢ ]
وهؤلاء السبئيون هم من السبئيين النازحين إلى الشمال والساكنين في أعالي الحجاز وفي الأردن، فالغارة كانت في هذه المنطقة. أما غارة الكلدانيين فكانت في العراق على مقربة من أرض الكلدان؛ وذلك لأن رعاة إبله كانوا قد تنقلوا إلى هناك على عادة الأعراب حتى اليوم في التنقل بإبلهم من مكان إلى مكان طلبًا للماء والكلأ، فاستولى الكلدانيون عليها وأخذوها، ولا علاقة لهاتين الغارتين بموطن أيوب.
وقد ذكر في سفر "أيوب" أنه "كانت قِنْيَته سبعة آلاف من الغنم وثلاثة آلاف من الإبل وخمسمائة فدان بقر وخمسمائة أتان، وله عبيد كثيرون جدًّا. وكان ذلك الرجل أعظم أبناء المشرق جميعًا"١. وتدل هذه الأرقام والأوصاف المذكورة لثروته أنه كان من أعاظم الأغنياء في أيامه، وأنه كان من "أبناء الشرق"، هي ترجمة لجملة "بني قيديم" "Bene Kedem" العبرانية، وليس في التوراة تحديد لمكان "بني قيديم" "بني قديم"، ولا تعريف لهم، ولكن التسمية العبرانية هذه تشير إلى أن المراد منها من كان يقيم في شرق العبرانيين ولا سيما في البادية الواقعة شرق فلسطين٢، فهم إذًا في نظر العبرانيين، الساكنون في شرقهم. ولما كان أيوب من "بني قيديم" ومن أرض "عوص"، فيجب أن تكون أرض "عوص" في البادية في شرق فلسطين، أي: في منازل "بني قديم" الممتدة إلى العراق٣، وهي مواطن الأعراب. وقد عرف واشتهر بعض "بني قيديم" بالحكمة عند العبرانيين٤.
ويستدل من يقول بعروبة "أيوب" بالأثر العربي البارز على "سفر أيوب". ومن قدماء من قال بوجود أثر للعروبة في سفره، العالم اليهودي "ابن عزرا" "ابن عزرة" "Ibn Ezra" "Ben ezra" من رجال القرن الثاني عشر. وقد تبعه في ذلك جماعة من الباحثين الذين وجدوا في الكلمات والتعابير والأسماء الواردة في ذلك السفر ما يشير إلى وجود أثر عربي عليه، حتى ذهب بعضهم إلى أن
_________________
(١) ١ أيوب، السفر الأول، الإصحاح الأول، الآية ٣. ٢ Montgomery، P. ٤١، ٤٦، ٤٩، ٧١، ١٦٩ ٣ قاموس الكتاب المقدس "١/ ٦١٧ فما بعدها"، ٤ Hastings، P. ٢٠٠
[ ٢ / ٢٨٣ ]
دار من دور صنعاء، ويرى عليها الأثر المعماري اليماني القديم
[ ٢ / ٢٨٤ ]
ذلك السفر هو ترجمة لأصل عربي مفقود١.
وفي أثناء حديث التوراة عن أيام "داود" وملكه، أشارت إلى رجل كان من شجعانه وأبطاله الذين تباهى بهم وافتخر، دعته "أبيل"٢ العربي "Abiel". وكان من أهل "بيت عرابة" "بيت عربة" "Beth-Arabah" في تيه "يهودا"٣.
ويدل لقبه هذا والموضع المذكور أنه كان من العرب، وأشارت إلى رجل آخر، ذكرت أنه كان على جمال "داود"، دعته بـ"أوبيل الإسماعيلي"٤ "Obil"، فهو من العرب الإسماعيليين. ولا يستبعد أن يكون هذا الرجل من وجوه الأعراب؛ ولذلك أوكل إليه أمر إبله، وهي حرفة من صميم عمل أبناء البادية.
وقد أشير في سفر "يوئيل" إلى السبئيين، فورد فيه: "هأنذا أنهضتهم من الموضع الذي بعتموهم إليه، وأرد عملكم على رءوسكم، وأبيع بنيكم وبناتكم بيد بني يهوذا ليبيعوهم للسبئيين لأمة بعيدة؛ لأن الرب قد تكلم"٥. وقد ورد هذا التهديد؛ لأن الصوريين والصيدونيين وجميع دائرة فلسطين كانوا قد استولوا على فضة الهيكل في "أورشليم" وذهبه ونفائسه، وباعوا "بني يهوذا" و"بني أورشليم" لبني "ياوان"٦ أي: اليونان٧. فورد هذا التهديد على لسان "يهوه" إله إسرائيل متوعدًا أولئك الذين نهبوا الهيكل وأسروا "بني يهوذا" و"بني أورشليم"، أي سكان القدس، وباعوهم لليونان، بمصير سيئ، وبانتقام الرب منهم، وبقرب ورود يوم، يبيع فيه "أبناء يهوذا"، أي: العبرانيين أبناء المذكورين إلى السبئيين.
وتدل جملة "للسبئيين، لأمة بعيدة" على أن السبئيين المذكورين كانوا يسكنون في منازل بعيدة عن العبرانيين، ويظهر أنها قصدت السبئيين أهل اليمن، فهم بعيدون عن فلسطين. وكان تجار سبأ يأتون أسواق اليهود لشراء ما فيها من بضاعة بشرية لاستخدامهم في سبأ٨.
_________________
(١) ١ Montgomery P. ١٧٢، Foster، in Ameri. Journ. Of sem. Languages، October، ١٩٣٢. PP. ٣١، Margoliouth، the relations، P. ٣٠ ٢ أخبار الأيام الأول، الإصحاح ١١، الآية ٣٢. ٣ Hastings، P. ٣. ٤ أخبار الأيام الأول، الإصحاح ٢٧، الآية ٣٠. ٥ يوئيل، الإصحاح الثالث، الآية ٧ فما بعدها. ٦ يوئيل، الإصحاح الثالث، الآية ٥ وما بعدها. ٧ Margoliouth، the relations، P. ١٨١ ٨ Hartmann، Arabische Frage، S. ٤٢١
[ ٢ / ٢٨٥ ]
سوق الحطب بصنعاء، وترى بيوت السكن وقد حافظت على طراز البناء القديم
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وفي التوراة خبر زيارة ملكة "سبأ" لسليمان، وقصة هذه الزيارة، وأن دونت فيما بعد، كتبها كتبة التوراة بعد عدة قرون، إلا أنها تستند إلى قصص قديم كان متداولًا ولا شك بين العبرانيين، فدونه هؤلاء الكتاب.
وقد رأى بعض نَقَدَة التوراة أن هذه القصة قد كتبها أولئك الكتبة لإثبات عظمة سليمان، وسعة دولته، وشهرة حكمته، غير أن هذا لم يبت به حتى الآن. ورأى آخرون أن هذه الملكة لم تكن ملكة "سبأ" في اليمن؛ لعدم ورود أسماء ملكات في النصوص العربية الجنوبية، بل كانت ملكة تحكم في العربية الشمالية، تحكم جماعة من السبئيين الذين كانوا قد نزحوا إلى هذه المناطق منذ عهد بعيد، وكوَّنوا مستوطنات سبئية في الأردن وفي أعالي الحجاز١.
وتعلل التوراة سبب زيارة ملكة سبأ لسليمان بقولها: "وسمعت ملكة سبأ بخبر سليمان لمجد الرب، فأتت لتمتحنه بمسائل، فأتت إلى أورشليم بموكب عظيم جدًّا، بجمال حاملة أطيابًا وذهبًا كثيرًا جدًّا وحجارة كريمة، وأتت إلى سليمان وكلمته بكل ما كان بقلبها"٢. فلما سألته ورأت "البيت الذي بناه وطعام مائدته ومجلس عبيده وموقف خدامه وملابسهم وسقاءه ومحرقاته التي كان يصعدها في بيت الرب، لم يبق فيها روح بعد، فقالت للملك: صحيحًا كان الخبر الذي سمعته في أرضي عن أمورك وعن حكمتك، ولم أصدق الأخبار حتى جئت وأبصرت عيناي؟ "٣. وأعطت "سليمان" "مائة وعشرين وزنة ذهب وأطيابا كثيرة جدا وحجارة كريمة لم يأت بعد مثل ذلك الطيب في الكثرة الذي أعطته ملكة سبأ للملك سليمان"٤.
وجاء في سفر "الملوك الأول" حكاية عن الذهب الذي وصل إلى سليمان: "وكان وزن الذهب الذي أتى سليمان في سنة واحدة ستمائة وستًّا وستين وزنة ذهب، ما عدا الذي ورد من عند التجار وتجارة التجار وجميع ملوك العرب وولاة الأرض"٥. ولا تعني جملة "وجميع ملوك العرب" و"كل ملكي
_________________
(١) ١ Hastings، P. ٨٤٣ ٢ الملوك الأول، الإصحاح العاشر، الآية ١ فما بعدها، وتقابل: سفر أخبار الأيام الثاني، الفصل التاسع، الآية ١ فما بعدها من الترجمة الكاثوليكية. ٣ الملوك الأول، الإصحاح العاشر، الآية ٤ فما بعدها. ٤ الملوك الأول، الإصحاح العاشر، الآية ١٠. ٥ الملوك الأول، الإصحاح العاشر، الآية ١٠، ١٤ فما بعدها، أخبار الأيام الثاني، الإصحاح التاسع، الآية ١٣ فما بعدها.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
ها عرب" في رأيي ونظري ملوك جزيرة العرب، كما يفهم ذلك من ظاهر النص، وإنما تعني رؤساء أعرابًا كانوا يقيمون على مقربة من فلسطين، وفي فلسطين نفسها، دفعوا إليه هدايا وضرائب؛ لأنهم كانوا يتاجرون مع العبرانيين، فقدموا إليه هدايا على قاعدة ذلك اليوم. وقد رأينا أن الآشوريين كتبوا مثل ذلك عن العرب وعن غيرهم في نصوصهم، إذ لا يعقل خضوع كل ملوك جزيرة العرب لسليمان، فلم يكن ملكه قد جاوز حدود العقبة كما نجد في التوراة، وقد ذكرنا أن لفظة "ها عرب"، أي "العرب" إنما كانت تعني الأعراب والبدو في العبرانية؛ ولذلك فجملة "وكل ملوك العرب" تعني "وكل رؤساء الأعراب"، وهم كثيرون. فقد كانوا قبائل وعشائر، ولكل قبيلة وعشيرة سيد ورئيس. وقد كان منهم عدد كبير في فلسطين وفي طور سيناء.
ووجه "سليمان" أنظاره نحو البحر؛ ليتجر مع البلاد الواقعة على البحار، وليستورد منها ما يحتاج العبرانيون إليه، فأنشأ أسطولا تجاريا في "عصيون جابر" "Ezion Geber" على خليج العقبة بجانب "أيلة" "أيلوت" "Eloth" "أيلات" "Elath"، من أرض "أدوم"١، وقد عرف خليج العقبة بـ"بحر سوف"، "يم، سوف" "Yam-Soph" في العبرانية. ولما كان العبرانيون لا يعرفون البحر، استعان سليمان بـ"حيرام" ملك "صور" في تسيير الأسطول وتدريب العبرانيين على ركوب البحر. فأمده بخبراء من صور، تولوا قيادة السفن، يخدمهم رجال سليمان، فمخروا البحر حتى وصلوا إلى "أوفير"، وأخذوا من هناك ذهبًا، زنته أربعمائة وعشرون وزنة، أتوا بها إلى سليمان٢.
ويظن أن "عصيون كيبر" "عصيون جيبر" "عصيون جابر" "Ezion Geber" كانت عند "عين الغديان" في قعر وادي العربة، على رأي بعض الباحثين٣، أو "تل الخليفة" على رأي بعض آخر٤. وقد عرفت بـ"Berenice" فيما بعد٥، وتقع إلى الغرب من العقبة. وقد قامت بعثة أمريكية بحفريات علمية
_________________
(١) ١ الملوك الأول، الإصحاح التاسع، الآية ٢٦. ٢ الملوك الأول، الإصحاح التاسع، الآية ٢٦ فما بعدها. ٣ قاموس الكتاب المقدس "٢/ ١٠٦". ٤ N. Glueck، in BOASOOR. Nos. ٧١، ٧٢، October، and December، ١٩٣٨، No ٧٦، October، ١٩٣٨، No. ٨٠، Ocbober، ١٩٤٠، J. Hornell، in Antiquity، vol XXXI، June ١٩٤٧، PP. ٦٦، W. F. Albright، the Archaeology of Palestine، ١٩٦٣، P. ٤٤، ١٢٧، ١٢٨. ٥ Hastings، P. ٢٥٣
[ ٢ / ٢٨٨ ]
بين ١٩٣٨ و١٩٤٠ في هذا الموضع، وظفرت -فيما عثرت عليه من الآثار- بأدوات مصنوعة من النحاس ومن الحديد. والظاهر أن سكان هذا الموضع كانوا يحصلون على النحاس من مناجمه الغنية في "طور سيناء".
وفي جملة ما عثر عليه من آثار في "تل الخليفة" جرتان، عليهما كتابات بأحرف المسند، وقد قدر أن تأريخ صنعهما لا يقل عن القرن الثامن قبل الميلاد. وتدل أحرف المسند هذه على أن صانعيها كانوا يكتبون بهذا القلم، وقد رأى بعض الباحثين أنها من صنع أهل مدين، وإذا صح هذا الرأي فإنه يكون دليلًا على أن المدينيين كانوا يكتبون به. ويرى "ريكمنس" "G. Ryckmans" أن لهذه الكشوف صلة بالمعينيين الذين كانوا في العلا وتبوك١.
وترى طائفة من علماء التوراة أن "أوفير" التي اشتهرت بوفرة ذهبها، والتي أرسل "سليمان" إليها سفنًا مع سفن "حيرام" في طلب الذهب وخشب الصندل والحجارة الكريمة٢، هي أرض في بلاد العرب. ونظرًا إلى ورود اسمها بين "شبا" و"حويلة" في الإصحاح العاشر من التكوين٣، ذهب بعض العلماء إلى وقوعها في الأقسام الشرقية أو في الأقسام الجنوبية من جزيرة العرب٤. ورأى "كلاسر" أنها المنطقة الواقعة على ساحل خليج عمان والخليج العربي٥.
وذهب نفر آخر من علماء التوراة إلى وقوع "أوفير" في إفريقيا أو في الهند٦، ولكن الرأي الغالب أنها في العربية على ما ذكرت؛ وذلك لما ورد في التوراة من أن "أوفير" ابن من أبناء "يقطان"، وقد ذكر بين "شبا"
_________________
(١) ١ G. ryckmans، on Some Problems of south Arabian Epigraphy، in Bullehtin of the school of oriental and African Studies، University of London، London، ١٩٥٢، Rep. Epig. ٤٩١٨ bis، The Illustrated London News، vol. ١٩٥، No. ٥٢٣٣، ١٩٣٩، P. ٢٤٧، G. Ryckmans، Revue Biblique ١٩٣٩، P. ٢٤٧-٢٤٩، N. Glueck، the Excabations of solomo's Seaport: Ezion-Geber، in Smithsonian Institution Annual Report for ١٩٤١، P. ٤٧٩ ٢ الملوك الأول، الإصحاح التاسع، الآية ٢٧ وما بعدها، الإصحاح العاشر، الآية ١١، أخبار الأيام الثاني، الإصحاح التاسع، الآية ١٠ ٣ التكوين، الإصحاح العاشر، الآية ٢٩ ٤ قاموس الكتاب المقدس "١/ ١٧٨" N. Glueck، in B Enc. Bibil. P. ٣٥١٤، Simon Dubnow، Die Aiteste Geschicthe des Judischen Volkes، Judischer Veriag، Berlin ١٩٢٥، Bd. I، S. ١٢٣ ٥ Skizze، II، S. ٣٥٣ ٦ Hastings، p. ٦٦٩
[ ٢ / ٢٨٩ ]
و"حويلة"، ونظرًا إلى أن مواطن اليقطانيين هي ما بين "ميشا وأنت آتٍ نحو سفار جبل المشرق"١. و"ميشا" وإن تباينت آراء العلماء في تعيين مكانه فمنهم من ذهب أنه "ميسيني" "ميسان" "Mesene" على رأس الخليج، "خليج البصرة"، أو "ماش" "ماشو" "Mashu" الأرض المذكورة في الكتابات الآشورية، والتي تعني بادية الشام، أو أنه موضع "موزح" أو "موسح" في نجد، أو اسم قبيلة من قبائل نجد٢. إلا أنك ترى من كل آرائهم أنه اسم مكان في بلاد العرب، أو اسم قبيلة عربية، وأن "سفار" وهي الحد الآخر من حدود منازل اليقطانيين هي "ظفار" "Zefar"، عاصمة مملكة حضرموت القديمة على رأي علماء التوراة٣. ولما كانت أسماء أبناء يقطان المذكورين، والذين قد تحققنا من هويتهم كناية عن أسماء مواضع في جزيرة العرب، وجب أن تكون "أوفير" في جزيرة العرب كذلك.
ومن الباحثين من يرى أن "أوفير" هي "عسير"، ورأى آخرون أنها أرض "مدين" وقد رجح أكثرهم كونها على سواحل جزيرة العرب الغربية أو الجنوبية؛ لأن الأماكن هي أقرب إلى الوصف الوارد في التوراة من الأماكن الأخرى٤.
وقد ذكر الهمداني في "معادن اليمامة" موضعًا سماه "الحفير"، قال: "ومعدن الحفير بناحية عماية، وهو معدن ذهب غزير"٥. وصلة وجود الذهب فيه بغزارة، تنطبق على هذا الموضع أحسن انطباق، إلا أن هذا الموضع بعيد عن البحر، ولكن من يدري؟ فلعل كتاب التوراة لم يكونوا يعرفون مكان "أوفير"، وإنما سمعوا بذهبه، الذي يتاجر به العرب الجنوبيون من الموانئ الساحلية، فأرسل سليمان سفنه إلى مواضع بيعه في سواحل جزيرة العرب لشرائه، ومن هنا ظن كتاب "العهد القديم" أن "أوفير" على ساحل البحر، و"الحفير"
_________________
(١) ١ التكوين، الإصحاح العاشر، الآية ٢٦ فما بعدها ٢ قاموس الكتاب المقدس "٢/ ٣٩٩" Hastings، p. ٦٠٦ ٣ قاموس الكتاب المقدس "١/ ٥٥٨" Hastings، P. ٨٣٦ ٤ Sprenger، Die Alte Geography Arabiens، S. ٥٣. ff. Moritz، Arabien، S. ٧، Burton، The Gold Mines of Midian، Skizze II S. ٣٤٧، Montgomery، Arabia، P. ٣٨ ٥ صفة "ص ١٥٣، سطر ٢٤"
[ ٢ / ٢٩٠ ]
-كما ترى- اسم قريب جدًّا من "أوفير".
وقد ضرب المثل بكثرة تبر "أوفير"، وبحسن سبائك ذهبها، فورد في سفر "أيوب" على لسان "اليفاز التيماني" مخاطبًا "أيوب"، داعيًا إياه إلى توجيه وجهه لله: "فإنك إن تبت إلى القدير، يعاد عمرانك وتنفي الإثم عن أخبيتك، فتجعل التبر مكان التراب وسبائك أوفير مكان حصى الأودية"١.
وأنشأ سليمان خطًّا بحريًّا آخر ينتهي بأرض اشتهرت بالذهب كذلك، سميت في التوراة "ترشيش". وقد استعان سليمان بمدربين وملاحين من "صور"، أمده بهم "حيرام" ملك "صور". وكان الأسطول مختلطا إسرائيليا وحيراميا، يذهب مرة في كل ثلاث سنوات. وأما البضاعة التي يعود بها من "ترشيش" فهي ذهب وفضة وعاج وقردة وطواويس٢. ولم يتفق العلماء حتى الآن على تعيين موضع "ترشيش"، فرأى بعضهم أنه مكان في إفريقيا، ورأى بعض آخر أنه في مكان ما من سواحل آسيا الجنوبية، ورأى آخرون أنه في إسبانيا٣. وكانت سفن صور تتاجر مع ترشيش وتربح من هذه التجارة ربحًا فاحشًا، كما جاء ذلك في التوراة.
وعلى أثر وفاة "سليمان" في حوالي سنة "٩٣٧ ق. م." انشطرت حكومته شطرين: إسرائيل "Israel" و"يهوذا" "Judah". وقد أثر هذا الانقسام على أعمال العبرانيين التجارية البحرية؛ لذلك لا نسمع لها ذكرًا في التوراة إلى أيام "يهوشافاط" "Jehoshaphat" ابن الملك "آسا" "Asa"، الذي حكم فيما بين "٨٧٦" و"٨٥١" ق. م. تقريبًا٤، فتحدثنا التوراة أنه اتفق مع "أخزبا" ملك "إسرائيل" على بناء أسطول جديد في "عصيون جابر" ليسير إلى "ترشيش"، غير أن مأربهما لم يتحقق؛ إذ تكسرت السفن ولم تستطع السير إلى "ترشيش"٥. ويظهر أنه أراد إحياء فكرة "سليمان" القديمة في الاتصال بالبحر الأحمر والمحيط الهندي وبإفريقيا وبسواحل جزيرة العرب الجنوبية وبسواحل آسيا، إلا أنه لم ينجح٦. والظاهر أن العبرانيين لم يكونوا قد أتقنوا
_________________
(١) ١ أيوب، السفر الثاني والعشرون، الآية ٢٣ فما بعدها. ٢ الملوك الأول، الإصحاح العاشر، الآية ٢٢ فما بعدها. ٣ قاموس الكتاب المقدس "١/ ٢٨٤ وما بعدها" Hastings، P. ٨٩٥ ٤ Hastings، P. ٤٠٠ ٥ أخبار الأيام الثاني، الإصحاح العشرون، الآية ٣٥ فما بعدها. ٦ Dubnow، I، S. ١٦٥
[ ٢ / ٢٩١ ]
بناء السفن والسير بها في البحار، فأخفقوا، وأن نجاح "سليمان" في الوصول إلى "أوفير" و"ترشيش" مَردّه إلى خبرة ومهارة البحارة الصوريين الفينيقيين.
ويظهر من سفر "الملوك الأول" أن "يهوشافاط" قام بنفسه منفردًا ببناء السفن لإرسالها إلى "ترشيش"، غير أنها تكسرت في "عصيون جابر" فعرض "أخزبا بن آخاب" ملك إسرائيل عليه أن يبنيا أسطولًا مشتركًا، يشترك فيه ملاحون من إسرائيل وملاحون من يهوذا، إلا أنه رفض ذلك١. ولم نعد نسمع بمحاولات أخرى للعبرانيين ترمي إلى إعادة فكرة "سليمان" في بناء سفن بحرية للاتجار بها مع البلاد الواقعة على البحر بمسافات بعيدة عن إسرائيل.
نعم، لقد كون "المكابيون" أسطولًا تجاريًّا لهم جعلوا مقره في "يافا"٢ "Jappa"، ولكنهم لم يتمكنوا من بناء أسطول لهم يخترق مياه البحر الأحمر؛ ليزاحم العرب أو غيرهم فيه، فلم يكن الإسرائيليون من عشاق البحر على شاكلة الفينيقيين أو العرب الجنوبيين أو سكان العروض. ولولا المساعدة الثمينة التي قدمها ملك صور لسليمان، لما استطاع العبرانيون أن يصلوا إلى "ترشيش" أو "أوفير".
وقد انصرف "يهوشافاط" على ما يظهر إلى إقرار الأمن في حدود مملكته، وتحسين علاقاته مع "أخاب" ملك إسرائيل ومع جيران "يهوذا"، حتى تمكن من عقد محالفات معهم، أدت إلى الاستقرار والهدوء، فلم يحاربوا "يهوشافاط"٣؛ وهذا مما حمل علماء يهود على التجول في مدن "يهوذا" لتعليم الناس أحكام دينهم. وحمل إليه "الفلسطينيون" هدايا وجِزًى دفعوها فضة، كما جاء في التوراة٤، ودفع إليه "العرب" كما تقول التوراة أيضًا "٧٧٠٠" كبش و"٧٧٠٠" تيس٥. ويظهر أن "العرب" المذكورين، هم من الأعراب النازلين في "يهوذا" ومن الأعراب الذين يفدون عليها للاتجار، وإلا
_________________
(١) ١ الملوك الأول، الإصحاح الثاني والعشرون، الآية ٣٨ فما بعدها. Montgomery، Arabia، P. ١٧٩ ٢ Hastings، P. ٨٤٩ ٣ أخبار الأيام الثاني، الإصحاح الثامن عشر، الآية الأولى فما بعدها. ٤ أخبار الأيام الثاني، الإصحاح السابع عشر، الآية ١١. ٥ أخبار الأيام الثاني، الإصحاح السابع عشر، الآية ١١.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
فلِمَ يدفع الأعراب الساكنون في خارج "يهوذا" جزى أو هدايا لملكها، وليس له سلطان عليهم؟ وقد ترجمت لفظة "عربايم" العبرانية بلفظة "عربان" في ترجمة "جمعية التوراة الأمريكية" للتوراة إلى العربية، أما "الترجمة الكاثوليكية" فقد ترجمتها بلفظة "العرب". أما المراد من النص العبراني، فهو "الأعراب"؛ لأن لفظة "عرب" لم تكن تعني يومئذ إلا هذا المعنى.
وتولى "يهورام" "Jehoram" "٨٥١-٨٤٣ ق. م." الحكم على مملكة "يهوذا" بعد "يهوشافاط"١. وتذكر التوراة أنه قتل جميع إخوته وبعض رؤساء إسرائيل بالسيف٢، وأنه أغضب إله "إسرائيل" بأفعاله المنكرة؛ لذلك "أهاج الرب على يهورام روح الفلسطينيين والعرب الذين بجانب الكوشيين، فصعدوا إلى يهوذا وافتتحوها وسبوا كل الأموال الموجودة في بيت الملك مع بنيه ونسائه أيضًا. ولم يبق له ابن إلا يهوحاز أصغر منه"٣. وتذكر بعد ذلك أن الله ابتلاه بمرض في أمعائه وبأمراض رديئة "فذهب غير مأسوف عليه، ودفنوه في مدينة داود، ولكن ليس في قبور الملوك"٤.
ويظهر أن هجوم العرب على "أورشليم" كان هجومًا شديدًا عنيفًا كاسحًا، بدليل ما جاء في الآية التي أشرت إليها في التوراة، وفي الآية الأولى من "الإصحاح التالي" للإصحاح المذكور: "وملك سكان أورشليم أخزبا ابنه الأصغر عوضًا عنه؛ لأن جميع الأولين قتلهم الغزاة الذين جاءوا مع العرب إلى المحلة"٥. وفي هذا الهجوم الماحق دلالة على ضعف مملكة "يهوذا" وتضعضع الأمن فيها، وعلى التناحر الشديد الذي كان بين السكان حتى إننا لنجد الشعب فرقًا غير متفقة، وأكثرها تخاصم الحكام.
ويرى "مرغيلوث" "Margoliouth" أن المراد بالعرب الذين بجوار الكوشيين، العرب الجنوبيون، أي: سكان اليمن؛ وذلك لأنهم في جوار "الكوشيين" أي:
_________________
(١) ١ "ملك ٨ سنين من سنة ٨٩٢-٨٨٥ ق. م"، قاموس الكتاب المقدس "٢/ ٥٣٤". Hastings، P. ٤٠٠ ٢ أخبار الأيام الثاني، الإصحاح الحادي والعشرون، الآية ٤ فما بعدها. ٣ أخبار الأيام الثاني، الإصحاح الحادي والعشرون، الآية ١٦ فما بعدها. ٤ أخبار الأيام الثاني، الإصحاح الحادي والعشرون، الآية ١٩ فما بعدها. ٥ أخبار الأيام الثاني، الإصحاح الثاني والعشرون، الآية ١.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
الحاميين، السودان، وهم سكان إفريقيا، لا يفصلهم عنهم إلا مضيق "باب المندب". ويرى أيضا أن ذلك الهجوم كان بحرًا، مستدلًّا على رأيه هذا بأن العرب المذكورين سرعان ما تراجعوا إلى منازلهم بغنائمهم وبما حصلوا عليه من أموال، دون أن يكلفوا أنفسهم البقاء في "أورشليم" والاستيلاء على "يهوذا"، وبمساعدة الفلسطينيين للعرب في هجومهم على يهوذا، وقد كان الفلسطينيون يسكنون سواحل فلسطين١.
أما "موسل" فيرى أن "العرب الذين بجانب الكوشيين" هم العرب النازلون في الأقسام الغربية من "طور سيناء" وعلى حدود مصر، وفي الأقسام الجنوبية من "طور سيناء" وعلى مقربة من "أيلة". وقد كانت "طور سيناء" موطنا قديما للعرب، وقد أشير في الكتابات المسمارية إلى ملوك عرب حكموا هذه الأرضين٢.
ويحدثنا الإصحاح السادس والعشرون من "أخبار الأيام الثاني" أن "عزيا" "Uzziah" ملك "يهوذا" "٧٧٩-٧٤٠ ق. م."٣، كان مستقيمًا في أول أمره مطيعًا لأوامر الكهان؛ لذلك وفقه الله، فخرج وحارب الفلسطينيين وهدم سورجت وسور أشدود، وبنى مدنًا في أرض أشدود والفلسطينيين وساعده الله على الفلسطينيين وعلى العرب الساكنين في جوربعل والمعونيين٤. ويفهم من هذه الآيات أن الفلسطينيين والعرب كانوا جبهة واحدة متحدة ضد مملكة "يهوذا"، وقد كبدوها خسائر فادحة كما رأينا. فلما تولى هذا الملك، أراد رمي صفوف أهل مملكة "يهوذا" ووقاية مملكته، وقد نال تأييد شعبه له، فحارب الفلسطينيين وتغلب عليهم، وحارب العرب الساكنين في "جوربعل" والمعونيين، وهدم أسوار المدن التي عرفت بعدائها لـ"يهوذا"، وبنى مدنًا جديدة في "أشدود" وفي الأرضين الساحلية المعروفة بفلسطين.
_________________
(١) ١ Margoliouth، The Relations، P. ٥٢ ٢ Hegaz، P. ٢٧٤ ٣ Hastings، P. ٤٠٧، ٩٥٧، Enc. Bibli. P. ٥٢٤٠، Hegaz، P. ٢٤٤ ويدعى أيضا "عزريا" وهو ابن "أمصيا"، "٨٠٨-٧٥٦ ق. م."، "٧٨٢-٧٣٧ ق. م."، قاموس الكتاب المقدس "٢/ ١٠٠". ٤ أخبار الأيام الثاني، الإصحاح السادس والعشرون، الآية ٦ وما بعدها.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
ومدينة "جث" هي مدينة قديمة في تخوم "دان"، وبها وُلِدَ "جليات" "كلياث" "Goliath" جبار الفلسطينيين كما أنها إحدى مدنهم الخمس١. وكانت في أيام داود في يد الفلسطينيين، وكان عليها ملك اسمه "أخيش"٢ "Achish"، ولم يعرف مكانها بالضبط. وأما "يبنة"، وتعرف أيضا بـ"يبنئيل"، فإنها من مدن الفلسطينيين كذلك، وهي "بينة" في الزمان الحاضر، وتقع على بعد "١٢" ميلًا جنوب "يافا" و"٣" أميال شرقي البحر٣، أو "يمنة" على مسافة "٧" أميال جنوبي "طبرية"٤.
ولم يتمكن علماء التوراة من تثبيت موضع "جوربعل"، وتعني لفظة "جور" "مسكن"، فيكون تفسير "جوربعل" "مسكن بعل"٥. ويظهر من ذكر الفلسطينيين والعرب الساكنين بهذا المكان والمعونيين بعضهم مع بعض أن أرضيهم كانت قريبة بعضها من بعض، وأنهم كانوا يدًا واحدة على "يهوذا". ويرى "موسل" أن الزاوية الشمالية الغربية من أرض "حسمى" هي "جوربعل"، وتقع في رأيه على مقربة من جبل "إرم" الذي يعرف اليوم باسم "رم"، وهو "Aramaua" في "جغرافية بطلميوس"، ويكون حدًّا من الحدود الشمالية للحجاز٦. وذهب بعض الباحثين إلى أن "جوربعل" تعني "صخرة بعل"، في بعض النصوص الإغريقية، ولهذا فسروها بـ"بطرا"؛ ولذلك قالوا: إن العرب المذكورين كانوا العرب الساكنين عند "بطرا"٧ "patra".
وأما "المعونيون" فإن آراء علماء التوراة متباينة كذلك في تعيين هويتهم٨، وقد ذهب بعضهم إلى أنهم جماعة من "المعينيين"، الذين كانوا قد استقروا
_________________
(١) ١ يشوع: الإصحاح الحادي عشر، الآية ٢٢، الإصحاح الثالث عشر، الآية ٣، صموئيل الأول، الإصحاح السادس، الآية١٧، الإصحاح السابع عشر، الآية ٤، قاموس الكتاب المقدس "١/ ٣١٤ وما بعدها". ٢ صموئيل الأول، الإصحاح الحادي والعشرون، الآية ١٠ وما بعدها، الإصحاح السابع والعشرون، الآية ١ وما بعدها. ٣ قاموس الكتاب المقدس "٢/ ٤٩٤". ٤ Enc. Bibli. P. ٢٣٠٣، Hastings، P. ٤١٩ ٥ قاموس الكتاب المقدس "١/ ٣٤٤". Enc. Bibi. P. ١٩٢٠، Hastings، P. ٣٢٢ ٦ Hegaz، P. ٢٧٤ ٧ Montgomery، Arabia، P. ٣٠ ٨ قاموس الكتاب المقدس "٢/ ٣٦٢".
[ ٢ / ٢٩٥ ]
في "ديدان"، وكونوا مملكة معينية شمالية١. وذهب بعض آخر إلى أنهم سكان "معين مصران"٢.
وقد استعاد "عزيا" "أيلة" "إيلات" "Eloth" "Elath"، وبنى ميناءها، وتقع في أرض "آدوم"، وهي فرضتها الشهيرة، ويقع على مقربة منها ميناء "عصيون جابر" الذي تحدثت عنه، وقد بقيت في ملك "يهوذا" إلى أن استولى عليها ملك "أرام"٣. وقد حاول "عزيا" ومن جاء بعده جعل "إيلات" "أيلة" ميناء "يهوذا" الجنوبي؛ وذلك للاستفادة منه في الاتجار مع إفريقيا والبلاد العربية وسواحل آسيا الجنوبية، تطبيقًا لخطة "سليمان"، إلا أن هذا الأمر لم يتحقق؛ إذ لم تكن مملكة "يهوذا" قوية متمكنة في هذه المناطق الجنوبية، التي كانت هدفا للغارات والحروب.
ويظهر أن ميناء "عصيون جابر" كان قد خرب أو امتلأ بالرمال، فلم يصلح للاستعمال، فرأى "عزيا" استبدال ميناء "أيلة" به، وقد يكون ماء هذا الميناء أعمق وأصلح للملاحة وللمواصلات من ذلك الميناء؛ لذلك وقع اختيار ملك "يهوذا" عليه٤.
وفي أخبار حملة "سنحاريب" التاسعة ما يفيد أن "حزقيا" ملك "يهوذا" استخدم الـ"الأريبي"، أي: الأعراب، فيمن استخدمهم للدفاع عن القدس "أورشليم"، حينما حاصرها ملك آشور٥. ولم يكن هؤلاء العرب، إلا أعرابًا من سكان "يهوذا"، ومن سكان الأرضين الأخرى في فلسطين.
وعلى عاتق هؤلاء الأعراب وقعت مسئولية الدفاع عن القدس، حيث قاموا بدور كبير في الدفاع عنها وفي مقاومة الآشوريين٦.
ولما سمح الفرس ليهود بابل الذين كانوا في الأسر بالعودة إلى بلادهم، توسل
_________________
(١) ١ Margoliouth، P. ٥١ ٢ Winckler، AOF. ٢٩، ٣٣٧، Enc. Bibli. P. ٣٠٦٥ ٣ أخبار الأيام الثاني، الإصحاح السادس والعشرون، الآية ٢، الملوك الثاني، الإصحاح الرابع عشر، الآية ٢٢. قاموس الكتاب المقدس "١/ ١٨٤". Hastings، P. ٢١١ ٤ Montgomery، Arabia، P. ١٧٩ ٥ Luckenbill، II، ٢٤٠، Reall. I، S. ١٢٥ ٦ A.R. Burn، Persia and the Greeds، P. ٢١
[ ٢ / ٢٩٦ ]
"نحميا" إلى "أرتحشتا" ملك الفرس، بالسماح له بالعودة إلى القدس، وكان "نحميا" نديمًا للملك، يسقيه الخمر ويؤانسه، فسمح له. ولما وصل إليها، وجد المدينة خربة، وقد تهدمت أسوارها واقتلعت أبوابها، فجمع سكانها وأمرهم بإعادة بناء الأسوار، وإصلاح الثغر والثلم التي فيها، وعمل أبواب جديدة، ولكنه لقي معارضة شديدة من "سنبلط الحوروني" و"طوبيا العبد العموني" و"جشم العربي"، إذ عارضوا في إعادة بناء الأسوار والأبواب، وهددوه بالزحف على المدينة. ونجد في "سفر نحميا" وصفًا لموقفهم من "نحميا"، فيه استهزاء وسخرية به وازدراء بأمر سكان "أورشليم" وبالسور الذي أخذ في بنائه، وبين المستهزئين أناس من العبرانيين: "ولما سمع سنبلط أننا آخذون في بناء السور، غضب واغتاظ كثيرًا، وهزأ باليهود، وتكلم أمام إخوته وجيش السامرة، وقال: ماذا يعمل اليهود الضعفاء؟ هل يتركونهم؟ هل يذبحون؟ هل يكملون في يوم؟ هل يحيون الحجارة من كوم التراب وهي محرقة؟ وكان طوبيا العموني بجانبه، فقال: إن ما يبنونه إذا صعد ثعلب، فإنه يهدم حجارة حائطهم"١. وقد تأثر "نحميا" من هذا الازدراء الشائن كثيرًا، فتراه يوجه وجهه لربه ويخاطبه قائلًا: "اسمع يا إلهنا؛ لأننا قد صرنا احتقارًا، ورد تعييرهم على رءوسهم، واجعلهم نهبًا في أرضي السبي"٢.
وصمم "نحميا" كما يقول على الاستمرار في البناء حتى إكماله: "فلما سمع سنبلط وطوبيا والعرب والعمونيون والأشدوديون أن أسوار أورشليم قد رممت، والثغر ابتدأت تسد، غضبوا جدا، وتآمروا معًا أن يأتوا ويحاربوا أورشليم ويعملوا بها ضررًا"٣. ولكنهم كما يفهم من "نحميا" لم ينفذوا تهديدهم بالهجوم على القدس، بل بقوا يتكلمون ويهددون، يرسلون الرسل إلى "نحميا" للاجتماع به، ويذكر "نحميا" أنهم لم يكونوا يريدون من هذا الاجتماع إلا الفتك به، فرفض؛ وعندئذٍ تراسل "سنبلط" و"طوبيا" مع أحد رؤساء "أورشليم" وهو "شمعيا بن دلايا"؛ ليدخل "نحميا" الهيكل، ثم يعلن للناس أنه دخل
_________________
(١) ١ نحميا، الإصحاح الرابع، الآية ١ فما بعدها. ٢ نحميا، الإصحاح الرابع، الآية ٤. ٣ نحميا، الإصحاح الرابع، الآية ٧ فما بعدها.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
الهيكل خائفًا هاربًا، فتسقط منزلته من أعين الناس. وقد أحس "تحميا" بالمؤامرة، فرفض الدخول كما يقول١.
وكان "جشم" العربي من أشد المعارضين لبناء السور، ولتحصين القدس؛ وذلك لأنه كان يرى في هذا العمل إعادة لدولة "يهوذا" ولتنصيب "نحميا" ملكًا على "أورشليم". وقد صرح برأيه هذا إلى "نحميا" في رسالة وجهها إليه نقل "نحميا" منها هذه الكلمات: "وجشم يقول: إنك أنت واليهود تفكرون أن تتمردوا؛ لذلك أنت تبني السور لتكون لهم ملكًا بحسب هذه الأمور. وقد أقمت أيضا أنبياء لينادوا بك في أورشليم قائلين: في يهوذا ملك"٢.
وما كان "جشم" ليعارض بناء أسوار القدس ووضع الأبواب لها، وإعادة حكومة "يهوذا" التي قضى عليها البابليون إلى الوجود، لو لم يكن صاحب سلطان وحكم في أرضين تجاور القدس؛ ولهذا رأى في إعادة الملكية إلى القدس عاصمة مملكة "يهوذا" المنقرضة، تهديدًا له ولمن تحالف معهم على مقاومة هذا المشروع٣.
و"جشم" "Geschem" اسم من الأسماء العربية المعروفة، وفي القبائل العربية قبيلة يقال لها "جشم"، وهي من قبائل "بني سعد"، وهو أيضا "جشم" من أسماء الرجال٤، ويرد بصورة: "جشمو" في الكتابات النبطية٥، ولم يشر "نحميا" إلى موطنه ومكانه؛ ولذلك لا ندري أين كان. وقد ذهب بعض الباحثين في التوراة إلى أنه كان من أهل "السامرة" "Samaria"، وذهب بعض آخر إلى أنه كان من أهل المناطق الجنوبية من "يهوذا" وأنه كان رئيس قبيلة فيها٦.
وذهب بعض الباحثين إلى أن "جشم بن شهرو" "جشم بن شهر"، هو "جشم" المذكور في التوراة، وهو أحد ملوك قبيلة "قيدار" "قدار" "قدور". وهو الذي عارض "نحميا" في سنة "٤٤٤" قبل الميلاد في إعادة
_________________
(١) ١ نحميا، الإصحاح السادس، الآية ٢ فما بعدها. ٢ نحميا، الإصحاح السادس، الآية ٦ فما بعدها. ٣ "جشم" Enc. Bibli. I، P. ٢٧٣. ff. "Gushamu" "Geshem" ٤ الاشتقاق "١/ ١٥٤"، "٢/ ١٧٧، ٢٠٣، ٢٤٢". ٥ Margoliouth، P. ٤٨، Montgomery، Arabia، P. ٢٩ ٦ Hastitns، P. ٢٩١، Enc Bibli. P. ١٧١٠، Hastings، A Dictionary of the Bible، I، P. ١٦٢.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
بناء سور "أورشليم". وقد كانت "قيدار" مملكة تسيطر على أرض تمتد من "دلتا" النيل إلى حدود مملكة "يهوذا" فجنوب "ديدان" بحوالي "٢١" كيلومترًا نحو الجنوب في الحجاز، أما في الغرب فتصل حدودها بالبادية١. فملك "قيدار" وهو "جشم بن شهر"، كان إذن هو المعارض لبناء السور، وفي معارضته هذه دلالة -ولا شك- على مقاومته لمحاولة إعادة دولة إسرائيل من بعد السبي.
ويظن أن الإناء الذي عثر عليه بمصر في موضع يقع على مسافة اثني عشر ميلًا إلى غرب الإسماعيلية، وقد دُوِّن عليه اسم شخص يدعى "قينو بن جشم ملك قيدار"، هو ابن "جشم" المعاصر "لنحميا". وعلى ذلك يكون أحد ملوك "قيدار"٢.
وقد كانت "طور سيناء" منذ القديم أرضًا يسكنها العرب، حتى في أيام داود وسليمان. ونجد أن رسالة "القديس بولس" إلى أهل غلاطية تجعل جبل سيناء في ديار العرب، وتذكر أن "طور سيناء" موطن أبناء هاجر، أي: العرب٣، كما نجد أن النقب ووادي عربة كانا من مواطن الأعراب٤. وقد كان أعراب "جشم" وغيره ينتقلون وينزلون في هذه المواطن وعلى مقربة من القدس.
وفي هذا العهد وصل الاتجار بين فلسطين وبين العربية الجنوبية ذروته، فعثر على مواد كثيرة في مواضع متعددة من فلسطين استوردت من العربية الجنوبية. كما عثر في حضرموت على آثار تدل على أنها استوردت من فلسطين وبلاد الشام، وقد كانت حاصلات العربية الجنوبية هي من أهم السلع المطلوبة في فلسطين، ترسل إليها عن طريق البر على ظهور الجمال.
ومنذ عهد "نحميا" أي: أواسط القرن الخامس قبل الميلاد، أخذ العبرانيون
_________________
(١) ١ Grohmann، Arabien، S. ٢٣، F. V. Winnett، Notes on th Lihyanite and Thamudic Inscriptios، in Museon، ٥١، "١٩٣٨" ٣٠٧، ٣٠٩، W.F Albright New Light on Early Recensions of the Hebrew Bible، In BASOR. Num. ١٤٠، ١٩٥٥، ٣١، W. F. Albright، The Archaeology of Palestine، P. ١٤٥ ٢ William Culican، the Medes And Persians، London، ١٩٦٥، P. ١٥١ ٣ الإصحاح الرابع، الآية ٢٤ فما بعدها. ٤ W.F. Albright، the Archaeology. P. ١٤٥
[ ٢ / ٢٩٩ ]
ينظرون نظرة عداء إلى العرب، ويعدونهم في الجماعات المعادية لهم١. وذلك مما يدل على اتخاذهم موقفًا موحدًا ضد العبرانيين وعلى توغلهم في فلسطين في المناطق التي حكمتها حكومتا "إسرائيل" و"يهوذا"؛ ولهذا اشتدت مقاومة العرب للعبرانيين واتحدوا مع الشعوب الأخرى في مقاومتهم، وفي منعهم من إعادة تكوين حكومة يهودية في هذه البلاد.
ولما تولى "يهوذا المكابي" مؤسس أسرة "المكَّابيين" "Maccabees" "١٦٦-١٦١ ق. م." الحكم، حارب أعداء العبرانيين٢، وكان من بينهم "تيموتاس" "Timotheus" رئيس "العمونيين"٣، الذي استأجر جيشًا من العرب ومن الغرباء ليحارب به "يهوذا"، غير أنه أُصيب كما يقول "سفر المكابيين" بخسائر في كل المعارك التي خاضها مع "يهوذا"، ولم يتمكن من الانتصار عليه٤.
وقد تحدث سفر المكابيين الثاني عن "تيموتاس" هذا، فقال: "ثم ساروا "أي اليهود" من هناك تسع غلوات زاحفينَ على تيموتاس، فتصدى لهم قوم من العرب يبلغون خمسة آلاف، ومعهم خمسمائة فارس، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وكان الفوز لأصحاب يهوذا بنصرة الله، فانكسر عرب البادية، وسألوا يهوذا أن يعاقدهم على أن يؤدوا إليهم مواشي، ويمدوهم بمنافع أخرى"٥. ولعل هؤلاء العرب، هم العرب المذكورون، الذين ذكر السفر الأول من المكابيين أن "تيموتاس" كان قد استأجرهم لمقاتلة اليهود. وقد كانوا من أعراب البادية، كما نرى ذلك في هذا النص.
وورد في "سفر المكابيين الأول" اسم سيد قبيلة عربية هو "زبديئيل" "زبدايل" "زبديل"، وكان يقطن في "ديار العرب"، كما جاء ذلك في السفر المذكور؛ ذكر السفر اسم هذا الرئيس وهو يتكلم على فرار "إسكندر بالس"
_________________
(١) ١ Margoliouth، P. ٤٨، Hastings، P. ٤٠٦، Enc. Bibli. I، P. ٢٧٣ ٢ Hastings، A Dictionary. I، P. ٩٣٦ ٣ A Dictionary، I، P. ٩٣٧ ٤ المكابيون الأول، الإصحاح الخامس، الآية ٦ فما بعدها، ٣٤ فما بعدها، المكابيون الثاني، الإصحاح الثامن، الآية ٣٠، الإصحاح التاسع، الآية ٣، الإصحاح العاشر، الآية ٢٤ فما بعدها. ٥ المكابيون الثاني عشر، الآية ١٠ فما بعدها.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
"Alexander Balas" إلى "ديار العرب"، وكان قد مُنِيَ بهزيمة أوقعه بها "بطلميوس" "بطلماوس" "Ptolemy"، عمه أي: والد زوجته، وكان قد تخاصم معه. فلما وصل "إسكندر بالس" إلى "ديار العرب"، قبض عليه "زبديئيل"، وقطع رأسه، وأرسله إلى "بطلماوس"١.
ولم يتحدث السفر المذكور عن منزل "زبديئيل"، ولم يحدد مكان "ديار العرب"، وعندي أن المراد بـ"ديار العرب" بادية الشام، والأرضون التي دعاها الأشوريون بـ"أريبي" "Aribi"، وهي موطن آمن لمن يصل إليه، إذ يصعب للجيوش النظامية أن تقاتل فيها. وقد كان "زبديئيل" من رؤساء البادية في هذا الزمن، وهو حوالي منتصف القرن الثاني قبل الميلاد٢. وكان الحاكم على اليهود هو "يوناتان" من المكابيين.
ويذكر "سفر المكابيين" أيضا أن "تريفون" "Tryphon"، وهو أحد قواد "إسكندر بالس" ومن جماعته، ذهب إلى رجل عربي اسمه "إيملكوئيل"، وكان يربي "أنطيوخس بن الإسكندر"، فألح عليه أن يسلمه إليه ليملكه مكان أبيه، ومكث عنده أيامًا. وقد تمكن عربي مع حقد العبرانيين المتزايد على العرب من حكم اليهود ومن تأسيس أسرة حاكمة حكمتهم. ذلك الرجل هو "أنتيباتر" "Antipater" الأدومي، نسبةً إلى "أدوم" "Edom" "Idumea" "Idumaea"، وهم سكان جبل سعير، الذين دعاهم "أويسبيوس" "Eusebius" باسم "Gabelene" أو "Gabalene" أي: الجبليين٣.
فقد تمكن هذا الرجل الذي لم يكن من أسرة ملكية ولا من أسرة معروفة بفضل شخصيته وبقوته من فرض نفسه حاكمًا على "أدوم" "Idumaea"، ثم تمكن من جعل نفسه حاكمًا "Procurator" على اليهودية "Iudaea" "Judaea"، وذلك في حوالي السنة "٣٣" قبل الميلاد. وفي خبر أن "يوليوس قيصر" "Julius Caesar"، اعترف به "Procurator" على اليهودية في حوالي السنة "٤٧" قبل الميلاد٤.
_________________
(١) ١ المكابيون الأول، الإصحاح الحادي عشر، الآية ١٥ وما بعدها. ٢ Hastings، P. ٢٠ ٣ Hastings، P. ٣٤٥ ٤ Smfth، A Diotionary of the bibl، I، P. ٧٩٠. F. Josephus، Anti. Xiv، ٧، ٣
[ ٢ / ٣٠١ ]
ولما وقعت الحرب بين "يوناتان" المكابي "١٦١-١٤٣ ق. م." و"ديمترتوس الثاني"، ضرب "يوناتان" العرب المسمين بالزبديين "Zabadaeans" وأخذ منهم غنائم كثيرة١، حدث ذلك في سنة "١٤٤ ق. م.". ويرى بعض علماء التوراة أن هذه القبيلة العربية قبيلة "زبد" "زبيد" كانت تنزل في موضع في شمال غربي "دمشق"، ويرى بعض آخر احتمال أن ذلك المكان هو "الزبداني"، الذي يبعد عشرين ميلًا من الشأم على طريق دمشق بعلبك٢. وأرى أن من المحتمل أن يكون هؤلاء "الزبديون" هم سكان "زبد"، وهو خرب في الزمن الحاضر، يقع بين قنسرين ونهر الفرات، وقد اشتهر عند المستشرقين بالكتابة التي عثر عليها في هذا الموضع، وقد كتبت باليونانية والسريانية والعربية، ويرجع تأريخها إلى سنة "٥١١م". وقد أدخلهم "يوسفوس" في عداد النبط٣.
و"أرتاس زعيم العرب" الذي طرد "ياسون" من بلاده، حينما التجأ إليه فارًّا من الملك "أنطيوخس"، هو "الحارث" أو "حارثة" وهو من ملوك النبط، ولا شك. وقد ذكر اسمه في سفر المكابيين الثاني٤.
وفي أيام "سترابون" كان العرب في جملة سكان مدن فلسطين، مثل القدس و"يافا" و"الجليل"٥. وذكر "سترابون" أن "الأدوميين" "Idumaens" كانوا يقطنون الأقسام الغربية من "اليهودية" "Iudaea"، وهم على حد قوله من "النبط". ولما كان "سترابون" قد نقل كلامه من موارد أخرى قديمة، فما ذكره يفيد أن العرب كانوا يقيمون في فلسطين قرونًا عديدة قبل الميلاد.
وقد ذكر العرب في جملة الشعوب الساكنة في "أورشليم" يوم مرور الخمسين يومًا على المسيح. ويظهر من أعمال الرسل أن أهل القدس كانوا خليطًا في تلك الأيام من معظم شعوب العالم المعروفة يومئذٍ٦.
_________________
(١) ١ سفر الكابيين الأول، الإصحاح الثاني عشر، الآية ٣١ فما بعدها. ٢ Hastings، P. ٩٨٢، Beeton، Dictionary of Religion Philosophy and law، P. ١٨٠٩ ٣ Anti. XIII، ٥، ١٠، Beeton، Dictionary، P. ١٨٠٩ ٤ المكابيون الثاني، الإصحاح الخامس، الآية ٥ فما بعدها. Dubnow، II، S. ٤٨ ٥ قاموس الكتاب المقدس "١/ ٣٣١". ٦ أعمال الرسل، الإصحاح الثاني، الآية ٩ وما بعدها.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
وقد أطلق العبرانيون اسم "طيعة" و"طيابة" على العرب، محاكاةً لبني إرم، فتجد اللفظة في "التلمود" وفي كتابات العبرانيين المدونة في القرون الأولى للميلاد. وقد أخذ الاسم "طيعة" و"طيابة" من "طيء" اسم القبيلة المعروفة، على نحو ما ذكرت في الفصل الأول.
وقد ذكرت في "المدراش" قبيلة عربية عرفت بـ"سوجي"، لعله "سواجر"، أو ما شابه ذلك من أسماء١.
وفي التوراة مصطلحات يرى العلماء أنها كناية عن العرب؛ ففيها مصطلح "بني قديم" "Bene Kedem"، ومعناه "أبناء الشرق"، ويقصد به الساكنون شرق العبرانيين، أي: سكان بادية الشأم، وهو في معنى "شركوني" "شرقوني"، أي: الساكنين في المشرق. وهم كما نعلم قبائل عديدة من العرب سكنت هذه البادية قبل الميلاد بمدة لا يعلمها إلا الله، وقد يكون من بين هؤلاء أقوام من الآراميين٢.
وقد وصفت التوراة بعض عادات العرب ورسومهم، كما تعرفت لتجارتهم. ولما كانت "فلسطين" امتدادًا طبيعيًّا لجزيرة العرب، وجزءًا منها، وكانت على طريق مصر وبلاد الشأم وعلى ساحل البحر المتوسط، صارت سوقًا مهمة للتجار العرب وللأعراب، يأتونها لبيع ما عندهم من سلع، وأهمها: أنواع الطيب والذهب والحجارة الكريمة والأغنام والأعتدة وحاصلات بلاد العرب الأخرى٣، كما كانوا يشترون من أسواقها ما فيها مما يحتاجون إليه من حاصلات حوض البحر المتوسط وبلاد الشأم وفي جملة ذلك الرقيق.
وورد في "التلمود" اسم صنم عربي "نشرا"٤، ويقصد به "نسر" ولا شك، وهو من أصنام العرب المعروفة. وقد ذكر "ابن الكلبي" أن حمير تعبدت لنسر٥، كما أنه ذكر في "التلمود" أيضا "حج الأعراب"، وذكر أن مواسم حجهم كانت تتغير بتغير فصول السنة٦. وقد تعرض للأحكام الشرعية
_________________
(١) ١ إيخارباثي "٣/ ٧". ٢ Hastings، P. ٢٠. the Bible Dictionary، I، P. ١٧٧. ٣ حزقيال، الإصحاح السابع والعشرون، الآية ٢١ وما بعدها. ٤ عبودة زارة ١١ ب. ٥ الأصنام "ص١١، ٥٧". ٦ عبودة زارة ١١ ب.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
الخاصة بدخول البيوت، فذكر أنها لا تنطبق على خيام العرب؛ لأنها متنقلة، فلا تستقر في مكان واحد١، كما ذكر أن من عادة نساء العرب التحجب عند خروجهن إلى المحال العامة٢، ولعله يقصد بذلك نساء المدن. وذكر أن من عادة الرجال وضع اللثام على وجوههم في أثناء السفر لوقايتهم من الرمال٣، وأشار إلى أن للعرب مقدرة فائقة في معرفة مواضع المياه في الصحراء بمجرد شم الرمال٤. وورد في "المشنة" "المشنا" أن أغلب طعام العرب من اللحوم٥.
وقد ورد في "السنهدرين" أن أحد اليهود قصَّ على الحبر "حية" "R. Hiyya"، أنه رأى مسافرًا عربيًّا أخذ سيفًا بيده فقطع به جملًا قطعًا، ثم أخذ "جرسًا" فدق به، فنهض الجمل حالًا، وكأنه لم يقطع إربًا، فقال له الحبر: إن ما حدث هو نوع من الخداع٦.
ونجد في "السنهدرين" كلاما لـ"ربه بن برحنه" "Rabbah B. Bar Hana" يروي فيه أنه كان مسافرا، وفي أثناء سفره التقى به عربي، فقال له: تعال معي وسأريك الموضع الذي انشقت به الأرض وابتلعت جماعة "القورحيين" "قورح" "Korah". فذهب معه إليه، ورأى به دخانا، ثم أخذ العربي قطعة من صوف وبَلَّها بالماء، ثم وضعها على رمح له، ثم أدخلها الموضع فاستشاطت بالنار. ثم قال للعربي: أصغِ إلى المكان، لعلك تسمع شيئًا فيه. فسمع أصواتا تقول: "موسى وتوراته على الحق، أما القورحيون فهم كذابون" ثم قال له: في كل ثلاثين يومًا يتحول هؤلاء في جهنم "Gehenna"، تحول اللحم في القدر، وهم يقولون: "موسى وتوراته على حق، أما هم، فهم كذابون"٧.
ونجد قصة هذا الحبر في "باب بثرا" "Baba Bathra"، حيث يقول:
_________________
(١) ١ هلوت ٢٨: ١٠. ٢ شبت ٦: ٦. ٣ موعيد قطان ٢٤، ومشنة كليم ٢٩: ١. ٤ بابا بترا ٧٣ ب. ٥ مناحوت ٣٦ ب. ٦ Sanhedrin، ٦٧b، the Babylonian Talmud، Seder Nezikin، III، P. ٤٦٠، Translated by، Rabbi I، Epstein. ٧ Sanhedrin ١١٠a، ١١٠b، the Babylonian Talmud، Seder Nozikin، III، P. ٧٥٧. قاموس الكتاب المقدس "٢/ ٢٢٦" "قورح".
[ ٢ / ٣٠٤ ]
لقد كنا في سفر في صحراء، فالتقى بنا تاجر عربي، وكان ممن يستطيع التنبؤ بمواضع المياه وبالأبعاد وبالطرق من شم التربة، فأردنا الاستفسار منه عن أقرب مكان إلينا فيه ماء. فقال لنا: أعطوني رملًا فأُعْطِيَ، فشمه ثم قال: أقرب مكان إليكم فيه ماء هو على بعد ثمانية فراسخ "Parasangs" ثم سرنا وأردنا الاستفسار ثانية منه، فقدمنا له رملًا، شمه ثم قال لنا: الماء على بعد ثلاثة فراسخ من هذا المكان. ثم حاول هذا الحبر اختباره لمعرفة مدى صدقه من كذبه، فأبدل الرمل، فلما قدم إليه رملا آخر؛ لم يستطع أن يقول شيئًا١.
ويقص علينا قصة أخرى يزعم أنها وقعت له مع هذا التاجر العربي، حيث يقول: إنه قال له: تعال معي أُرِك "أموات التيه"، أي: الإسرائيليين الذين ماتوا في التيه في طريقهم إلى أرض الميعاد. فذهب الحبر معه، ورأى الأموات وكأنهم في حالة فرح وسرور، وقد رقدوا على أظهرهم، ثم يقول: وقد رفع أحد هؤلاء الأموات ركبته، ومر التاجر العربي من تحت تلك الركبة، وقد كان حاملًا رمحه راكبًا بعيره، ومع ذلك فإن رمحه لم يمس رجل الميت. ثم يقول: وقد ذهبت إلى أحد الأموات الراقدين فقطعت جزءًا من ذيل ردائه الأزرق العميق، وعندما حاولت الرجوع، لم أتمكن من الحركة وبقيت ثابتًا في مكاني، فقال له العربي: إذا أخذت شيئًا من هؤلاء فأرجعه إلى محله، وإلا فإنك ستبقى ملتصقًا في مكانك؛ لأن من يتطاول على حرمة الراقدين فيأخذ شيئا منهم، يجمد في مكانه، ولا يستطيع التحرك. فذهبت وأرجعت القطعة وتمكنت عندئذٍ من السير٢.
ثم يذكر أن هذا التاجر العربي أخذه إلى جبل الطور "جبل سيناء" "Mount of Sinai" فأراه إياه، ثم أخذه إلى الموضع الذي انشق بالقورحيين؛ جماعة "قورح"، فأراه شقين في الأرض، ووجد الدخان لا يزال يخرج منهما، ثم يذكر أنه أخذ قطعة الصوف وأدخلها هو بنفسه ثم أخرجها، وإذا بها وقد علقت بها النار، ثم يقص باقي القصة على نحو ما جاء في "السنهدرين"٣.
ونجد في "مينحوت" "Menahoth" فتوى تتعلق في نجاسة أو طهارة قرب
_________________
(١) ١ Baba Bathra، ٧٣b، The Babylonian Talmud، Seder Nezikin، II Baba Bathra، P. ٢٩٢. ٢ Baba Bathra، ٧٤، The Babylonian Talmud، Seder Nezikin، II، P. ٢٩٢ ٣ Baba Bathra، ٧٤a، Seder Nezikin، II، P. ٢٩٣-٢٩٤
[ ٢ / ٣٠٥ ]
الماء. وقد ورد في هذه الفتوى، أن القرب التي تشد وتعقد بعقدة تكون طاهرة، إلا إذا عقدت بعقدة عربية؛ فإنها تكون نجسة ولا يحل الشرب منها١. ونجد هذا البحث مرة أخرى في مكان آخر من "المشنة" في كتاب الـ"قليم" "kelim"، أي: "كتاب الأواني والأوعية" من "كتاب الطهارة"، حيث عرضت آراء الأخبار في قرب الماء وفي كيفية عقد عقدتها لمدة طويلة أو لمدة قصيرة، ومن حيث شدة العقدة أو رخاوتها، وتأثير ذلك في طهارة الماء. فأشير إلى قرب ماء العرب وموقفهم من الشرب منها أو من الاستفادة من مائها، وهل يعد ماؤها طاهرًا أم نجسًا في الشريعة اليهودية؟ وقد جاءت آراء الأخبار متباينة في ذلك٢. ويظهر أن اتصال العرب باليهود اتصالا وثيقا بالعراق، وسكن اليهود بين العرب في بلاد العرب، أثار أمام اليهود هذه المشكلة الفقهية، فهم مضطرون دائمًا إلى الاتصال بالعرب وإلى شرب الماء منهم، فظهرت من ثَمَّ عندهم هذه المشكلة، وكان على الأحبار بيان رأيهم في طهارة ماء القرب، وقرب العرب منها بوجه خاص؛ لما في ذلك من علاقة بقضية الطهارة والنجاسة ومكانتها في فقه يهود.
وفي موضع آخر من كتاب "الأواني والأوعية" "kelim"، بحث عن جواز أو عدم جواز ارتداء بعض الأردية وموقف الشريعة من أكسية الرأس وأغطية الوجه والجسم، فبحث في جملة ما بحث عنه، عن القناع الذي يصنعه العرب على أوجههم وعن تلثمهم به، فهل يجوز لليهودي شرعًا أن يفعل فعل العرب أم لا؟ ٣.
وقد استثنت "المشنه" في كتاب "أو حولت" أي "الخيام"، عشرة مواضع من تطبيق أحكام الشرع عليها، بخصوص طهارتها أو نجاستها لكون ساكنيها من الوثنيين. وقد ذكرت مضارب خيام العرب على رأس هذه المواضع العشرة التي لا تخضع لحكم الشريعة في موضوع حكم طهارتها أو نجاستها؛ وذلك لأن مضارب البدو غير مستقرة، إذ إن الأعراب يتنقلون من مكان إلى آخر؛ لذلك لا يمكن تطبيق الأحكام الشرعية التي تطبق على العقار الدائم عليها في
_________________
(١) ١ Menahoth، ٣٧b، P. ٢٣١، Translated by Eli Cashdan ٢ The Mishmahs، Kelim، P. ١٢٤ ٣ The Mishna Kelim؟ P. ١٣٨
[ ٢ / ٣٠٦ ]
موضوع نجاسة الأثاث والأواني وكل شيء يكون تحت الخيمة التي يموت فيها إنسان؛ ولأن أصحابها غير يهود١.
وقد أشير في "مينحوت" "Menahoth" إلى موضوع تقديم طعام مطبوخ في موقد عربي، هل يقبل أو يرفض؟ فأشار بعض فقهاء الشريعة اليهودية إلى عدم جواز الأكل من ذلك الطبيخ٢.
ونجد في "بابا بثرا" "Baba Bathra"، أن الحبر "ماير" "R. Meir" يستثني النبط والعرب والسلمونيين "Salmoeans" من الوعد الذي أعطاه الله لموسى حين أراه الأرض الموعودة٣. ويظهر أن "السلمونيين" هم قبيلة من القبائل العربية الشمالية٤، لعل لاسمهم علاقة بـ"سلمان".
وقد ورد ذكر العرب في كتاب الحيض "نده" "Niddah" من كتاب "الطهارة" في الفقه اليهودي، وذلك في موضوع العبدة وهل يجوز الاتصال بها، أم لا يجوز على اعتبار أنها خصصت لأداء أعمال لا للاتصال الجنسي؟ وقد أجاز الحبر "شيشت" "R. Shesheth" إيداع العبدة أي: المملوكة إلى العرب، على أن يقال لهم: احترسوا من الاتصال بالإسرائيليات٥.
وفي التلمود والمشنه والكمارة مسائل فقهية أخرى عديدة يخرجنا ذكرها هنا من حدود هذا الموضوع، تتعلق بموضوع صلات العرب واليهود، في مثل موقف الشريعة اليهودية من ذبائح العرب، وهي التي يذبحها اليهود للعرب في مقابل إعطائهم اللحم ليقدم العرب دمها وشحمها للأصنام٦.
وموقف الشريعة من المرأة التي يأسرها الأعراب ثم تعاد بعد ذلك إلى أهلها بعد فك أسرها، هل يجوز للحبر أو لغيره التزوج منها أم لا؟ أو موقف الشريعة من المملوكة اليهودية التي تكون في أيدي العرب، من حيث احتمال دخول العرب بها٧، أو موقف الشريعة من الحبوب أو المواد الأخرى التي تقع بين روث
_________________
(١) ١ The Mishnahs، Oholoth، P. ٢٢٨ ٢ Menagoth، ٦٣، Menahoth، P. ٣٧٢ ٣ Baba Bathra، ٥٦a ٤ The Babylonian Talmud، Seder Nezlkin، P. ٢٢٧ ٥ Niddah ٤٧a The Babylonian Talmud، Seder Tohoroth، P. ٣٢٨ ٦ The Babylonian Talmud، Seder Kodashim، II، Hullin، P. ٢١٤، Hullin، ٣٩b ٧ The Babyionian Talmud، Seder Nashim، II، P. ١٩٩، Kethuboth، ٣٦b
[ ٢ / ٣٠٧ ]
ماشية العرب١، أو دخول إبل العرب في "كثوبة" "Kethubah" يهودي٢، أو موقف اليهودي من المرأة٣، أو موضوع نظر اليهودي إلى عضو من جسم امرأة عربية، مثل صدرها حينما يمر في مكان ويراها وقد كشفت عن صدرها لترضع رضيعها٤، أو موقف الشريعة اليهودية من المختتنين العرب٥.
ونجد في باب "الشهادات" "الوثائق" "كظين" "خطين" "Gittin" قولًا لأحد الأحبار يقول: إن امرأة عربية جاءت إلى أحد اليهود تحمل كيسًا فيه تعاويذ لبيعها، فقال لها اليهودي: أعطيك تمرتين عن كل تعويذتين. فاغتاظت المرأة ورمت ما حملته في النهر، فندم اليهودي وقال: وددت لو لم أكن قد أعطيتها هذا العوض الرخيص٦.
وقد نشأت هذه المعضلات الفقهية من اختلاط اليهود بالعرب في فلسطين وفي الأماكن التي هاجروا إليها من بلاد العرب من جراء ضغط الرومان عليهم، وعدم تمكنهم من ممارسة عبادتهم في البلاد الخاضعة للحكم الروماني بسهولة وبحرية تامة، فهاجر كثير منهم إلى أعالي الحجاز وإلى العراق حيث اختلطوا بالعرب وعاشوا بينهم في مثل "الأنبار" و"فومبديثة" و"زقونية" "زكونية" "zekonia"، وهو موضع على مقربة من "فومبديثة"٧، وموضع "بمكسة"٨ "Be-Mikse"، "نهردعة" "Nehardea" وسورا "Sura" وأماكن أخرى من العراق. وقد كان ليهود الفرات اتصال وثيق بالعرب وكانوا يعيشون معهم في كثير من الأماكن ويتاجرون معهم. وكون اليهود لهم "كالوتا" أي "جالية" عاشوا فيها متمتعين بشبه استقلال ذاتي، يدير رؤساؤهم "كالوتاتهم"، ويكونون هم الممثلين لأتباعهم أمام السلطات صاحبة النفوذ الفعلي، كما كانوا يعقدون أحلافا مع الأعراب على طريقة أهل المدن والحضر في عقد مواثيق مع سادات القبائل لمنع الأعراب من غزوهم ومن التحرش بأملاكهم وتجاراتهم.
_________________
(١) ١ Kethuboth ٦٦b، II، P. ٤٠٥ ٢ Babylonian، Seder Naahim، II، P. ٤٠٨ ٣ Babylonian، Seder Naahim، II، P. ٤٥٢ ٤ Babylonian، Seder Nashlm، II، ٤٧٢، Kethuboth ٧٥a ٥ Tebamoth ٧١a، Babylonian، I، P. ٤٧٩ ٦ Gittin، ٤٥b، Babylonian، Seder Naahim، IV، P. ٢٠٠ ٧ J. Obermeyer، Die Landschaft Babylonian، S. ٢٣٤، Hullln، ٣٩b ٨ Yebaraoth، ٤٥a، babylonlan، Seedr Nashlm، I، P. ٢٩٥f Obermeyer، S. ٣٣٤
[ ٢ / ٣٠٨ ]
وأود أن أشير هنا إلى أهمية "التلمود" و"المشنه" و"الكمارة" بالنسبة لتأريخ العراق، ففي أبوابها بحوث قيمة عن مدن العراق وجغرافية العراق في عهد تدوين هذه الكتب، وهي تمتد لمئات من السنين. ففي "القيدوشين" مثلًا، أسئلة وأجوبة عن "إقليم بابل" وعن "ميسان" "Mesene" وعن "ميديا"، وقد وردت فيها أسماء مدن وأنهار وقرى وغير ذلك مما يساعد كثيرًا في فهم جغرافية العراق في عهود ما قبل الميلاد وما بعده١.
وقد تساهل الفرس في الغالب مع اليهود، فمنحوهم استقلالًا ذاتيًّا واسعًا في إدارة شئون مستوطناتهم وفي ممارسة طقوسهم الدينية وفي الاتجار، حتى صارت كل مستوطنة تدير شئونها بنفسها وتختار حاكمها بنفسها، حتى إن بعضها وضعت على رأسها حاكما يهوديا لقبته بلقب "ملك"، أدار شئون الجالية طبقًا لأحكام يهود، وكان هؤلاء الحكام هم الصلة بين اليهود وبين الفرس. وقد صارت بعض هذه المستوطنات من أهم المراكز العلمية عند اليهود في العالم، ومن ضمن ذلك فلسطين. وفي هذه المواضع دون "التلمود البابلي"، دونه أحبارهم الذين استقروا في العراق، وهو يعد من أثمن التراث العبراني الذي ظهر عند اليهود. وقد تأثر بالروح العراقية حتى امتاز بها على التلمود الأورشليمي، أي: التلمود الذي كتب في فلسطين.
وقد لاقى اليهود مساعدة حسنة من العرب، وعُوملوا معاملة طيبة، ويظهر من مواضع في التلمود والمشنه، أن العبرانيين فروا إلى جزيرة العرب منذ أيام "بخت نصر"٢، وقد تأثر اليهود النازحون إلى جزيرة العرب بعادات العرب ورسومهم. ويحدثنا "أبا أريخا" من الأحبار وكبار علماء التلمود في القرن الثالث الميلادي، أن اليهود كانوا يؤثرون حكم الإسماعيليين، ويقصد بهم العرب، على الرومان، ويؤثرون حكم الرومان على حكم المجوس٣. ومع ذلك، فقد حدث خصام بين العرب واليهود، فنجد في "التلمود" مواضع يظهر فيها حقد اليهود على العرب وكراهيتهم لهم؛ كالذي يظهر من كلام "الحبر يشوعه بن ليفي"٤ "يشوعه بر ليفي"، حين رأى أكوامًا من العنب مكدسة، فقال: "يا للبلاد،
_________________
(١) ١ Keddushin ٧١b ٢ The Universal Jawish Encyclopedia، I، P. ٤٣٩ ٣ Shabth IIs ٤ R. Joshua B. Levi
[ ٢ / ٣٠٩ ]
يا للبلاد"، لمن هذه، لأولئك العرب "الوثنيين"١ الذين ثاروا علينا لخطيئتنا٢. وكالذي يظهر من كتاب "قدوشين" "kiddushin"، حيث ورد: "أُعطِيَ العالم عشر "قابات" من الوقاحة، خُصَّ العرب بتسع منها"٣. وفي هذا الكلام دليل على تطاول العرب على اليهود في المواضع التي كانوا يعيشون بها معًا، وحقد اليهود عليهم من أجل ذلك.
ونجد في الأخبار السريانية والعبرانية أخبار غارات وغزوات قام بها عرب العراق على الجاليات اليهودية التي انتشرت من "بابل" وما جاورها، حتى جاوزت شمال "عانة" على نهر الفرات. وقد أزعجت هذه الغارات اليهود الذين حولوا هذه الأرضين إلى أرض سادتها وغلبتها حتى صيرتها على شاكلة "وادي القرى" عند ظهور الإسلام، فاضطروا إلى تحصين مستوطناتهم وأحاطتها بأسوار، وإلى تشكيل قوات تقوم بحمايتها ليل نهار حتى في أيام السبت والأعياد اليهودية، مع تحريم الشريعة اليهودية العمل يوم السبت، وأباح الأحبار لهذه القوات حمل السلاح في أيام السبت وفي أيام العطل حتى تكون على استعداد للدفاع عن تلك المستوطنات في أية لحظة يشن فيها الأعراب غاراتهم عليها، إذ يحتمل أنها تقوم بقتل اليهود٤.
وقد تعرض الرعاة اليهود الذين كانوا يخرجون بماشيتهم من مستوطناتهم إلى البرية أو إلى ضواحي مستوطناتهم إلى غارات الأعراب عليهم، وسلبهم ماشيتهم٥، كما تعرض اليهود إلى الأسر، فأُسر عدد منهم، نساءً ورجالًا، حتى سلبوا وأسروا بعض الأحبار؛ لذلك كانت الجاليات اليهودية تخشى من الأعراب كثيرًا٦، وقد تعرضت مدينة "نهردعة" "Nehardea" إلى الغزو وذلك سنة "٥٧٠" من التقويم السلوقي، الموافقة لسنة "٢٥٩" للميلاد. فقد غزاها كما تقول الأخبار اليهودية سيد قبيلة عربية، اسمه "بابابر نصر" "بابا بن نصر" "papa Bar Nasr"، وألحق بها أضرارا فادحة، وخرب بعض أماكنها، وقد هرب منها بعض أحبارها إلى مستوطنات يهودية أخرى٧. وقد ذهب المؤرخ اليهودي "كريتس" "Graetz"
_________________
(١) ١ الوثنيون في طبعة "Bomb" ٢ Kethuboth ١١٢a، Babyloian، Seder Nashim، II، P، ٢٢٥ ٣ ألقاب "Kab" وحدة من وحدات الوزن Kiddushin ٤٩b ٤ 'Erubin ٤٥a ٥ Baba Bathra ٣٦a ٦ Koheleth ٧، Cittin ٢٣a ٧ Obermeyer، S. ٢٥٤. ff
[ ٢ / ٣١٠ ]
إلى أن هذا الأمير العربي المهاجم هو "أذينة" ملك تدمر وزوج الملكة الزباء١. غير أن اشتهار ملوك الحيرة عند العرب بـ"آل نصر" وقرب الحيرة من مدينة "نهردعة" واتصال عربها بالجاليات اليهودية يحملنا على التفكير في أن المهاجم هو أمير من أمراء "آل نصر"، ملوك الحيرة، وهم حلفاء الفرس.
وورد في الأخبار أيضا أن مدينة "فومبديثة" "Pumbaditha" تعرضت للغزو أيضًا، وهي من أمهات مدن الجاليات اليهودية. هاجمها جيش جاءها من "عاقولاء" ويظهر أنه من قوات "آل نصر" ملوك الحيرة٢.
وقد كانت مدينة "فومبديثة" محاطة بالأعراب؛ ولذلك كانوا يتعاملون معهم، ويأتون إليهم، ويذبحون عندهم. وقد جاء في الأخبار أن أحبارها قد أباحوا لأهلها التعامل مع الأعراب في أيام أعيادهم، أي أعياد الأعراب؛ وذلك لأن أعياد الأعراب لم تكن ثابتة، تحل في وقت معين وفي مواسم مثبتة، لذلك جوزوا لهم البيع فيها؛ لأن أحكام التلمود تمنع اليهود من التعامل مع الغرباء في أيام أعيادهم، إذا كانت تلك الأعياد أعيادًا دينية.
ولما كانت الشريعة اليهودية لا تعتبر العيد عيدًا مقدسًا دينيًّا إلا إذا كان يقع في أوقات ثابتة معينة لا تتغير ولا تتبدل في التقويم؛ لذلك أفتى الأحبار بعدم اعتبار أعياد الأعراب أعيادًا دينية، وأباحوا لأهل المدينة التعامل مع المعيِّدين في أيام أعيادهم.
وإلا فما كان يحل لهم بيع الأعراب شيئًا في أيام تعييدهم، وقد باعوا لهم خمرا وحبوبا. أما بالنسبة إلى أعياد الفرس والروم، فقد منع التلمود اليهود من التعامل مع الفرس أو الروم فيها؛ لأنها أعياد ثابتة وقد نص على مواعيدها، وأشير إليها في التلمود، لذلك طلب من اليهود الامتناع عن بيع الفرس والروم شيئًا في أعيادهم٣.
ويذكر التلمود أن الأعراب "طيعة" "طيية" "طياية"، المجاورين لموضع "صقونية" "Sikunya" طلبوا من أهله وهم يهود، أن يذبحوا لهم ذبائح في مقابل إعطائهم لحومها وجلودها، أما دمها فيجمع ويعطى للأعراب، وذلك
_________________
(١) ١ Gratz، Geschichte der Juden، IV، ٢٩٥ ٢ Obermeyer، S. ٢٢٣ ٣ Obermeyer، S. ٢٣٤
[ ٢ / ٣١١ ]
لتقديمه لأربابهم، وكانت عادتهم تلطيخ أصنامهم بدم القرابين١.
وقد عرف الأعراب بـ"طييعة" في التلمود، أما السريان والموارد اليهودية الأخرى المدونة بالسريانية، فقد أطلقوا وأطلقت على الأعراب لفظة "طيية" "طيايا"، وذلك بإسقاط حرف العين من الكلمة: "طييعة" والكلمتان من أصل واحد، هو "طيء" اسم القبيلة العربية المعروفة. وقد كانت في أيام تدوين التلمود من أقوى وأشهر القبائل العربية، حتى غلب اسمها سائر أسماء القبائل، فأطلق على كل عربي، كائنًا ما كان٢.
وأطلقت لفظة "عرباية" في كتاب من كتب التلمود، على العرب المزارعين الذين استقروا على مقربة من "فومبديثة". وذكر التلمود أن أولئك العرب المزارعين كانوا قد انتزعوا مزارع اليهود بما فيها من أبنية وأملاك، وأقاموا بها؛ ولهذا السبب، فقد ذهب اليهود إلى حبرهم وقاضيهم "أبيه" "Abaya"، وطلبوا منه إعطاءهم وثائق تملك أخرى، حتى يكون في إمكانهم مراجعة السلطات لإثبات ملكيتهم لأملاكهم التي انتُزِعت بالقوة منهم٣.
وقد نزح يهود من فلسطين إلى الحجاز، فسكنوا وادي القرى حتى نزلوا "يثرب"، وذهب قسم منهم إلى اليمن، كما سأتحدث عن ذلك فيما بعد.
_________________
(١) ١ Obermeyer، S. ٢٣٤ ٢ Obermeyer، S. ٢٣٣. ff ٣ Baba Bathra، ١٦٨b، Obermeyer، S. ٢٣٥
[ ٢ / ٣١٢ ]