وأما اليمامة، فكانت تعرف ب"جو" أيضًا١، وقد عدّها "ياقوت الحموي" من نجد٢، وقاعدتها "حجر". وكانت عامرة ذات قرى ومدن عند ظهور الإسلام، منها "منفوحة"، وبها قبر كان ينسب إلى الشاعر "الأعشى"٣. و"سدود" من المدن القديمة، وبها الآن آثار كثيرة، وقد عُثر فيها على تمثال يبلغ قطره ثلاث أقدام، وارتفاعه ٢٢ قدمًا٤. و"القرية"، وعلى مقربة منها بئر، قال الهمداني -وهو يتحدث عنها-: "فإن تيامنت شربت ماء عاديًا، يسمّى قرية، إلى جنبه آبار عادية وكنيسة منحوتة في الصخر، ثم ترد ثجر"٥. والظاهر أن هذا الموضع كان من المواضع الكبيرة المعروفة. وذكر ياقوت وغيره أن اليمامة "كانت تسمى جوا والقرية"٦. ولا يعقل تسمية اليمامة بالقرية لو لم يكن لهذا الموضع شهرة.
وقد نشر "فلبي" وبعض رجال شركة النفط العربية السعودية صورًا فوتوغرافية لكتابات ونقوش عثروا عليها في موضع يقال له "قرية الفأو" على الطريق الموصلة إلى نجران ويقع على مسافة سبعين كيلومترًا من جنوب ملتقى وادي الدواسر بجبل الطويق، وعلى مسافة "١٢٠" كيلومترًا من شرقي "نجران"٧،
_________________
(١) ١ صفة ١٦١، البلدان "٨/ ٥١٦"، "واليمامة القرية التي قصبتها حجر، كان اسمها فيما خلا جوا. وفي الصحاح كان اسمها الجو"، لسان العرب "١٥/ ١٣٥" ٢ البلدان "٨/ ٥١٦" ٣ البلدان "٨/ ١٨٢"، صفة ١٦٢. ٤ وهبة ص٥١، راجع وصف "قلبي" لسدوس في كتابه arabia of the wahabis، p،، ٧٧. ٥ صفة ص١٥٢. ٦ البلدان "٨/ ٥١٦"، وقد نزل بنو سدوس بن شيبان بن ذهل؛ ولذلك قيل لها "قرية بني سدوس"، قال ياقوت: "قرية بني سدوس بن شيبان بن ذهل، وفيها منبر وقصر يقال إن سليمان بن داود ﵇ بناه من حجر واحد من أوله إلى آخره، وهي أخصب قرى اليمامة، لها رمان موصوف، وربما قيل لها القرية، البلدان "٥/ ٤٦" "٧/ ٧٦". ٧ The Geographical Journal، vol، CXII، June، ١٩٤٩، PP. ٨٦ Le Museon، LXII، "١٩٤٩"، ١-٢، PP. ٨٧. راجع أيضًا ما كتبه "فلبي" في بعض مؤلفاته عن هذا الموضع.
[ ١ / ١٧٨ ]
وعلى ثلاثين ميلًا من جنوب غربي "السليل" في وادي الدواسر١.
كما وجدوا آثار أبنية ضخمة، يظهر أنها بقايا قصور كبيرة، ووجدوا كهفًا منحوتًا في الصخرة مزدانًا بالكتابات والتصاوير واسعًا، يقول له الناس هناك "سردبًا" أو "سردابًا". وعند هذا الموضع عين ماء وآبار قديمة، وقد كتب اسم الصنم "ود" بحروف بارزة. وتدل كل الدلائل على أن الموضع الذي تتغلب عليه الطبيعة الصحراوية في الزمن الحاضر، كان مدينة ذات شأن٢.
وقد أشار الألوسي في كتابه "تأريخ نجد" إلى سدوس وآثارها فقال: "وفي قربها أبنية قديمة يظن أنها من آثار حمير وأبنية التبابعة "نقل لي بعض الأصحاب الثقات من أهل نجد: أن من جملة هذه الأبنية شاخصًا كالمنارة، وعليها كتابات كثيرة منحوتة في الحجر ومنقوشة في جدرانها؛ فلما رأى أهل قرية سود اختلاف بعض السياحيين من الإفرنج إليها، هدمومها ملاحظة التدخل معهم"٣. وفي هذا الوصف دلالة على أن الخرائب التي ذكرها "ياقوت الحموي" بقيت، وأن المنبر الذي أشار إليه، قد يكون هذا الشاخص الذي شبه بالمنارة والذي أزيل على نحو ما ذكره الأولسي.
والكتابات التي عُثر عليها في "قرية الفأو" ذات أهمية كبيرة، لأنها أول كتابة باللهجات العربية الجنوبية عثر عليها في هذه المواضع، وتعود إلى ما قبل
_________________
(١) ١ كتاب من الدكتور "جورج مائيوس" تأريخه ٣٠ أغسطس ١٩٥٠م في تعيين وضع المكان. "قرية: موضع في جنوب نجد، في الطريق بينه وبين نجران، ويبعد عن نجران ٣٤٣ كيلو مترًا وعن الأفلاج الواقعة في جنوب نجد "٣٨٣" كيلومتر "الأفلاج تبعد عن الرياض ٢٧٣ كيلو متر"، ويقع بينها وبين الأفلاج العقيق الموقع الذي ذكره الهمداني في صفة الجزيرة، وأشار إلى وجود جالية أجنبية فيه في العهد القديم تشتغل بالتعدين، وأشار إلى معبد منحوت في الصخر في تلك الجهة، وبلغني أن في الجبال القريبة من "قرية" هذه- كتابات ونقوشًا وصورًا كثيرة. وقد مر بها المستر فلبي، وتبعد عن العقيق ٩٤ كيلو مترا في جنوبه. ويبعد العقيق عن الأفلاج ٢٨٠ كيلو مترا تقريبا". كتاب من السيد حمد الجاسر تأريخه ١٣ نوفمبر ١٩٥٠ "العقيق مدينة فيها مئتا يهودي، ونخل كثير، وسيوح وآبار"، صفة ١٥٢، البلدان "٦/ ١٩٨" ٢،The Geographical Journal، CXII، June، ١٩٤٩، P. ٩٠، Philby، Sheba's Daughter's، P. ٤٣٠ ٣ تأريخ نجد "ص٢٨".
[ ١ / ١٧٩ ]
الميلاد. وعُثر فيها على مقابر، وعلى أدوات وقطع فخارية ظهر من فحصها أنها تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد١. ويرى من فحص هذه الآثار أنها تعود إلى السبئيين. والظاهر أن هذا الموضع هو بقايا مدينة قديمة كانت تتحكم في الطريق التجارية التي تخترقها القوافل التي تقصد الخليج الفارسي والعراق من اليمن عن طريق نجران. وفي هذه المنطقة بصورة عامة بقايا مدن تخربت قبل الإسلام.
ورأى "برترام توماس" "bertram thomas" أن آبار "العويفرة" القريبة من القرية هي موضع "أوفير" "ophir" الوارد ذكره في التوراة والذي اشتهر بالذهب، والطواويس، وأن الاسم العربي القديم هو "عفر" "ofar"، وقد تحرف بالنقل إلى العبرانية واليونانية؛ فصار "ophir". وهذا الموضع قريب من مناجم الذهب٢. وبالجملة إن هذه الأرضين ويبرين ووبار وغيرها، هي من المناطق التي تستحق الالتفات إليها وتجريد البعثات العلمية للتنقيب فيها ودراسة أحوالها والتطورات التي طرأت عليها.
ويظهر أن هنالك جملة عوامل أثرت في اليمامة وفي أواسط جزيرة العرب؛ فحولت أراضيها إلى مناطق صحراوية، على حين أننا نجد في الكتب أنها كانت غزيرة المياه، ذات عيون وآبار ومزارع ومراع.
ومن أودية اليمامة "العرض": "العارض" الذي يخترق اليمامة من أعلاها إلى أسفلها. ولما كان من الأودية الخصبة، كثرت فيها القرى والزروع٣. وهو وادٍ طويل، لعله من بقايا مجرى ماء قديم، و"الفقي"، في طرف عارض اليمامة، تحيط به قرى عامرة، تُسمّى "الوشم"٤. و"وادي حنيفة" و"عرض شمام"٥. وفي اليمامة مرتفعات مثل "جبل شهوان"، تخرج منه عيون ومياه٦، و"عارض اليمامة"، ويبلغ طوله مسيرة أيام، وتكون عند سفوحه الآبار٧.
_________________
(١) ١ The Geogr. Jour.، Vol.، CXJH، June، ١٩٤٩، P.، ٩٢، Sanger، The Arabiaa Peninsula، P.، ١٣٩. ٢ The Empty Quarter، P.، ١٧٧، Bertram Thomas، Arabia Felix، P.، ١٦٣. ٣ البلدان "٦/ ١٤٦ فما بعدها"، "٨/ ١٢٨"، صفة ١٣٧، ١٤٠، ١٤١، ١٤٧، ١٦١، ١٦٢، ويقال له أحيانا عرض حجر. ٤ "الوشم" بالفتح ثم السكون، البلدان "٨/ ٤٢٤"، صفة ١٦٣. ٥ البلدان "٦/ ١٤٧". ٦ البلدان "٧/ ٣٨٦". ٧ البلدان "٦/ ٣٨٩"، "عارض" "عارض اليمامة"، البلدان -٦/ ٩٣- "العارض"، وهبة ٦، ٤٥، ٤٦، ٤٨، ٥١ ومواضع أخرى، صفة ص١٦٣.
[ ١ / ١٨٠ ]
وتعد "الأفلاج" من المناطق التي تكثر فيها المياه، وتصب فيها أودية العارض، وفيها السيوح الجارية والجداول التي تمدها العيون. وقد ذكر "الهمداني" من سيوحه "الرقادي" و"الأطلس" و"نهر محلّم". قال: ويقال إنه في أرض العرب بمنزلة نهر بلخ في أرض العجم١. وطبيعي أن يكثر فيها وجود الخرائب العادية التي تعود إلى ما قبل الإسلام. وقد وصف الهمداني بعض التحصينات القوية، فقال عنها: أنها من عاديات طسم وجديس، مثل" حصن مرغم" و"القصر العادي" بالأثل٢. ويُرجع "فلبي" الخراب الذي حلّ باليمامة إلى العوامل الطبيعية، ومنها فيضان وادي حنيفة٣.
_________________
(١) ١ صفة ص١٦٠. ٢ صفة ص١٦٠. ٣ Ency. Vol. ٤، P. ١١٥٥، Phllby، The Geart of Arabia، vol. ٢. PP. ٣١.
[ ١ / ١٨١ ]