للمستشرقين مجهود يقدر في تدوين التأريخ الجاهلي وفي كتابته بأسلوب حديث، يعتمد على المقابلات والمطابقات ونقد الروايات والاستفادة من الموارد العربية والأعجمية. وقد أفادوا مما جاء عن العرب في التوراة وفي التلمود وفي الكتب اليهودية، كما أفادوا مما جاء عن جزيرة العرب وسكانها في الكتابات الأشورية والبابلية ومن الموارد "الكلاسيكية" والمؤلفات النصرانية سريانية ويونانية ولاتينية؛ فأضافوا كل ما تمكّنوا الحصول عليه في هذا الباب إلى ما ورد في الموارد الإسلامية عن الجاهليين، فصحّحوا وقوّموا، وسدّوا بهذه المواد بعض الثلم في التأريخ الجاهلي.
وعملهم في بعث الكتابات الجاهلية ونشرها، مشكور مقدر؛ فقد أعادوا إلى الخط الذي كتبت به الحياة، وجعلوه مقروءًا معروفًا، وترجموا كثيرًا من هذه النصوص إلى لغاتهم، وهي وثائق من الدرجة الأولى، وعملوا على نشر النصوص بالمسند وبالحروف اللاتينية أو العبرانية أو العربية في بعض الأحيان، وعلى استخلاص ما جاء فيها من أمور متنوعة عن التأريخ العربي قبل الإسلام.
[ ١ / ١٢٣ ]
وقد أمكننا بفضل هذا المجهود المضني الحصول على أخبار دول وأقوام عربية لم يرد لها ذكر في الموارد الإسلامية؛ لأن أخبار تلك الدول وأولئك الأقوام كانت قد انقطعت وطمست قبل الإسلام؛ فلم تبلغ أهل الأخبار.
وقد ساعدهم في شرح الكتابات الجاهلية وتفسيرها علمهم بلغات عديدة، مثل اللغة العبرانية والسريانية والبابلية، فإن في هذه اللغات ألفاظًا ترد في تلك الكتابات بحكم تقاربها واشتراكها في هذه الثقافة المتقاربة التي نسميها "الرابطة السامية"، كما أن فيها أفكارًا وآراء ترد عند المتكلمين بهذه اللغات، ولهذا صار في الإمكان فهم ما ورد في الكتابات الجاهلية بالاستعانة بتلك الأفكار والآراء.
وقد كان للسياح الذين جابوا مواضع متعددة من جزيرة العرب، ولا سيما المنطقة الغربية والجنوبية منها، فضل كبير في بعث الحياة في الكتابات الجاهلية. فقد أخذ أولئك السياح بعض كتابات، كما أخذوا صور بعض آخر، ويفضل تعاونهم مع العلماء المبحرين باللغات الشرقية أمكن حلّ رموزها وبعث الحياة فيها بعد موت طويل.
وقد كان أسفار أولئك السياح مغامرات ومجازفات؛ إذ تعرضت حياة أكثرهم للخطر، بسبب عدم استقرار الأمن إذ ذاك، وبسبب سوء الأوضاع الصحية، ولعدم وجود أماكن مريحة تناسب حياتهم التي تعوّدوها؛ إلا أنهم لم يبالوا ذلك ولم يحفلوا به، وتحايلوا بمختلف الحيل للتغلب على تلك الصعوبات ولكسب ودّ رؤساء القبائل والحكّام لتسهيل مهمتهم. وقد قضى نفر منهم نحبه في أسفاره هذه. وقد كانت أكثر أسفار هؤلاء الروّاد أسفارا فردية قام بها أفراد من العلماء ومن الضباط والمغامرين. والأسفار الفردية، مهما كانت، لا تأتي بالنتائج التي تنجم عن دراسات البعثات المتخصصة بمختلف الشئون؛ لذلك نتطلع إلى اليوم الذي تتمكن فيه البعثات العلمية الكبيرة من اختراق آفاق بلاد العرب، وتقديم نتائج بحوثها إلى العلماء لتدوين تأريخ مرتب لجزيرة العرب قبل الإسلام، ولا سيما إلى البعثات العلمية العصرية التي تتألف من متخصصين من الناطقين بلغة هذه البلاد؛ لأن هؤلاء أقدر من غيرهم على فهم اللهجات القديمة ومحتوياتها وروح ذلك التأريخ.
ونستطيع أن نعدّ السائح الدانماركي"كارستن نيبور" carsten niebuhr الذي
[ ١ / ١٢٤ ]
قام في سنة ١٧٦١ للميلاد برحلة إلى جزيرة العرب، أوّل رائد من روّاد الغرب ظهر في القرون الحديثة، وصف بلاد العرب، ولفت أنظار العلماء إلى المسند والرقم العربية١. وقد أثارت رحلته هذه همم العلماء والسياح؛ فرحل من بعده عدد منهم لا يتسع المقام لذكرهم جميعًا رحلات إلى مختلف أنحاء جزيرة العرب عادت على التأريخ العربي بفوائد جزيلة.
فزار الدكتور "سيتزن" dr. seetzen جنوبي بلاد العرب، وتمكن من نقش صور نصوص عربية جنوبية أرسلها إلى أوروبة عام ١٨١٠م وهذه النصوص على قصرها وغلطها، أفادت في تدوين تأريخ العرب قبل الإسلام إفادة غير مباشرة؛ لأنها لفتت أنظار المستشرقين إليها وإلى دراسة التأريخ العربي القديم، حتى آل الأمر إلى حل رموز تلك الكتابة ومعرفة حروفها٢.
وتمكن الرّحّالة السويسري "ليدويك بركهارد" johann Ludwig burckhard من القيام برحلة إلى الحجاز، فتزيا بزي مسلم اسمه "إبراهيم بن عبد الله" يريد الحج وزيارة مسجد الرسول وقبره. وقد صحب الحجاج في حجهم، ووصف موسم الحج وصفًا دقيقًا، وكتب عن مكة والمدينة كتابة علميّة. وقد زار آثار الأنباط وعاصمتهم "البتراء"٣.
_________________
(١) ١ Carsten Niebur، Reisebesehreibung nach Arabien und anderen umliegenden Laendern، Kopenhagen، ١٧٧٢-١٨٣٧، in ٢ Bande. وهناك طبعة فرنسية وترجمة إنكليزية، Carsten Niebuhr، Description de L'Arabie، Copenhagen، ١٧٧٣، Voyage en Arabie، Amsterdam، ١٧٧٤-٨٠، R.H. Sanger، The Arabian Peninsula، Cornell University Press، ١٩٥٤، P.، ٢٤١. ٢ Pfannmueller، S-،' ٨٥، Seetzen، Travels in Yemen، ١٨١٠، Hommel، Explorations in Arabia، in Hilprecht، Explorations in Bible Land، P.، ٧٠٢، Seetzen، Fundgrubendes Orients، Vienna، ١٨١١، نشر مذكرات "Seetzen" التي أرسلها إلى أوروبة المستشرفون "Fleischer" و"Kruse" و"Heinrich Mueller" في أربع مجلدات: Reisen durch Syrien، Palaestina، Phoenizien، die Tranajordan-Lander، Arabia Petraea und Unter-Aegypten. ٣ Johann Ludwig Burckhardt، Travels in Arabia، London، ١٨٢٩، Deutsch، Weimar، ١٨٣٠، Burckhardt، Travels in Syria and Holy Land، London، ١٨٢٢، Notes on the Bedouins and Wahabys، ٢Vola.، London، ١٨٣٠، in German، Weimar،١٨٣١،S. M. Zwemer، Arabia the Cradle of Islam، London، Explorations، P.، ٧٠٣
[ ١ / ١٢٥ ]
وتمكن ضابط إنكليزي يُدعى james r. wellsted من زيارة الأنحاء الجنوبية من جزيرة العرب، ومن الظفر بصورة نصوص عربية قديمة قصيرة، ومن استنساخ كتابة حصن "غراب" التي يرجع تأريخها إلى سنة "٦٤٠" من تأريخ أهل اليمن، وتوافق سنة ٥٢٥ للميلاد. وبفضل هذا الضابط عرف المستشرقون هذا النص١.
وأضاف الرّحّالة "هوتن" t. g. hutton عددًا آخر من الكتابات الجاهلية سنة ١٨٣٥ إلى ما كان قد عرف سابقًا. وجاء "كروتندن" cruthenden سنة ١٨٣٨م بنقوش أخرى جديدة. وكذلك "الدكتور مكل" dr. mackell الذي عاد بخمسة نصوص سبئية؛ فتوسعت بذلك دوائر البحث قليلًا، وتمكن العلماء بفضل هذه النقوش من حلّ رموز المسند٢.
وقد قام الصيدلي الفرنسي "توماس يوسف أرنو" "Thomas joseph arnaud" برحلة إلى اليمن، كانت موفقة جدًّا؛ إذ تمكن بفضل علمه بالعقاقير، من اكتساب صداقة المشايخ والزعماء. وبهذه الصداقة استطاع أن يتجول في بعض أنحاء اليمن ومدنها، ولم يكن ذلك أمرًا ميسورًا للغرباء، فزار الجوف ووقف على خرائب "مأرب"، ومكث في مدينة "صنعاء" أمدًا، وزار "صرواح" المدينة الأثرية القديمة، واستنسخ ستة وخمسين نصًّا كتابيًّا قديمًا٣.
وكتب التوفيق لسائح أوروبي آخر، هو الضابط الإنكليزي "coghlan" فحصل في سنة ١٨٦٠م على عشرين لوحًا برنزيًا سليما عثر عليها في أنقاض مدينة "عمران"٤. وقد أرشدت هذه الألواح المعدنية المستشرقين إلى ناحية مهمة
_________________
(١) ١ Otto Weber، Arabien vor dem Islam، S.، ١٠، Wellsted، Travels In Arabia، London، ١٨٣٨، in ٢ Vols.، Narrative of a Journey to the Ruins of Nakeb el Hajar، in Journal Royal Geogr. Soc.، VH، ٢٠، in German، Halle، ١٨٤٢، by Rodiger، Saenge، The Arabian Peninsula، p.، ٢٢١، ٢٤١ ٢ Cruttenden C. J. Journy، of an Excursion to San'a the Capital of Yemen، Bombay، ١٨٣٨، Journal of the Royal Geographical Society of London، Vot، III،
(٢) ٢٨٩، and in the Proceedings of the Bombay Geographical Society، ١٨٣٨، PP.، ٣٩-٥٥ ٣ Otto Weber، S. (١٠. Pfanomiieller، S.، ٨٥، Hommel، Explorations، P.، ٧٠٤ Arnaud Relation d'un Voyage a Mareb، in Journal Asiatique، ١٨٤٥، ٢١١، ٣٠٩، ١٨٧٤، ٣. ٤ "عمران"، الإكليل "٨/ ١٣، ١٠٦، ١١٠"
[ ١ / ١٢٦ ]
من نواحي الفن العربي القديم١.
وتواصل العلماء، بعد جهود، إلى حلّ رموز هذه الكتابة العربية، فعرفوا منها -وكان أغلبها قصيرًا- إنها تبحث في موضوعات متشابهة، وإنها مؤلفة من حروف أطلقوا عليها اسم "الكتابة الحميرية" أو "الحروف الحميرية". وكان الرأي السائد بادئ بدء أنها كذلك، حتى تبيّن لهم أن هذه النصوص والنصوص التي جيئ بها أخيرًا لم تكن جميعها نصوصًا حميرية؛ بل كان بعضها من النصوص المعينية، وبعضها كتابات سبئية ترجع إلى عهد دولة سبأ، وبعضها بلهجات أخرى، تختلف عن الحميرية بعض الاختلاف. وهذه الكتابة، هي الكتابة المسماة بـ "خط المسند" وبـ "القلم المسند: وبـ "المسند" في الموارد العربية.
عالج بعض العلماء ممن أولعوا بدراسة النقوش، تلك النصوص، وأعملوا رأيهم فيها حتى تمكّن بعضهم من التوصل إلى حل رموز بعضها، مثل العالم "وليم كسنيوس" "wilhelm gisenuis" والعالم "رودكر" "e. rodiger" والعالم "هاينرش إيوالد" "heinrich ewald" والعالم "فريسنل" "f. fresnel" الذي نشر النصوص التي جاء بها، وعددها ستة وخمسون نصًّا بحروف عربية وحميرية، في الجريدة الآسيوية "journal asiatique" سنة ١٨٤٥م إلا أن نشره لم يكن متقنًا إتقانًا تامًا. وجاء القسيس "أرنست أوسيندر" "ernest osiander"؛ فأتم ما كان قد بدئ به٢. ولم يتمكن العلماء الذين عالجوا مشكلة الكتابة العربية الجنوبية من معرفة الحروف كلها؛ ولذلك لم يستطيعوا قراءة أكثر النصوص التي جئ بها إلى أوروبة وفهم معناها، كما أن النصوص المقروءة لم تكن مضبوطة ضبطًا تامًا؛ فاستطاع هذا العالم بجهوده العظيمة قراءة كل النصوص التي جاء بها السياح والعلماء، وتعيين أشكال الحروف، ووضع أسس متينة لدراسة عرفت بعد ذلك باسم "الدراسة العربية الجنوبية" وقد استعان العلماء على فهم هذه الكتابات بالدراسات اللغوية السّامية مثل العبرانية، وباللغة العربية التي نزل با القرآن الكريم، وباللهجات اليمانية، وبالمعلومات الجغرافية المدوّنة في الكتب
_________________
(١) ١ Pfannmueller، S.، ٨٥، Weber، S.. ١٠. ٢ Pfannmuller، S.، ٨٥، Fulgence Fresnel، in Journal Asiatique، ١١١، Series، V، ٥٢١، ١٨٣٨. Lettrea Sur Hist، des Arabes Avant l'lslamisme، ١٨٥٣، Fresnel، Recherches sur les Inscriptions Himyariques tie San'a، Kha'riba
[ ١ / ١٢٧ ]
العربية، وبأسماء الملوك والأشخاص الذين وردت أسماؤهم في المؤلفات العربية١. وترسم المستشرق "ليفي" "m. a. levy" أثر "أوسيندر"، وتتبع أسلوبه في البحث، وحاول استخراج مادة تأريخية من هذه النصوص التي ترجمت وعرفت. وقد تمكن من نشر ما تركه "أسيندر" من نصوص عاجلته المنيّة قبل أن يوفق لإخراجها إلى الناس، فتمكّن "ليفي" من تنسيقها وتهذيبها، وطبعها وعرضها على العلماء٢.
وفاق "يوسف هاليفي" "joseph halevy"، وهو يهودي فرنسي، كل من تقدمه بكثرة ما جاء به إلى أوروبة من نقوش، وبسعة علمه في تأريخ اليمن، وبدراسة الكتابات العربية الجنوبية. دخل هذا الفرنسي اليمن في هيئة يهودي متسوّل من أهل القدس؛ ليتجنب بذلك ما يتعرض له الغرباء وأهل البلاد المسلمون على السواء من أخطار رجال القبائل وقطّاع الطرق الذين لا يمسّون أهل الذمة بسوء.
وقد استطاع، بهذه الطريقة، التطواف في أرجاء اليمن، حتى بلغ أعاليها مثل "نجران"، وأعالي الجوف وهي المنطقة التي كان فيها "المعينيون". ووصل في تطوافه إلى حدود "مأرب" عاصمة سبأ وإلى "صرواح"، وهو بهذا أول أوروبي زار "نجران"٣. ولمّا عاد إلى أوروبة، أحضر معه "٦٨٦" نقشًا جمعها من مواضع مختلفة من اليمن.
وفي سنة ١٨٧٢- ١٨٧٤م نشر هذا العالم في الجريدة الآسيوية "journal asiatique" ما كتبه في وصف رحلته إلى بلاد اليمن، وقد ضمن كتاباته وصفًا للأماكن التي حلّ بها والطرق التي اجتازها، وترجمة ل"٦٨٦ نصًّا، وهي النصوص التي كان قد جاء بها أو استنسخها من أصولها، ونشر بحثًا علميًّا وانتقادًا قيِّمًا للأبحاث اللغوية والتراجم والنصوص التي سبق أن نشرها العلماء من قبله٤.
_________________
(١) ١ Pfannmueller، S.، ٨٥، Weber، S.، ١٠. ٢ Pfannmueller، S.، ٨٥. ٣ Halevy، in، Bulletin، de la Societe" de ٢G£ographie، ١٨٧٣، et ١٨٧٧، Rapport sur cne Mission Arehfiologique dans le Yemen، in Journal Asiattque، Series O، VoL، XIX، Joseph Hal٦vy، in Journal Asiatique، ١٨٧٤، Pfannmueller، S.، ٨٦، Explorations، P.، ٧٠٩. ٤ pfannmueller، S.، ٨٥
[ ١ / ١٢٨ ]
وكان ممن ذهب إلى اليمن شاب نمساوي اسمه "سيكفريد لنكر" "siegfrid langer"، وقد استطاع تصوير بعض النقوش واستنساخ قسم من الكتابات في عام ١٨٨٢م؛ غير أن القدر عاجله إذ قتل هناك، فَفَقَد البحث في تأريخ اليمن بوفاته عضوًا نشيطًا. غير أن نمساويًّا آخر عوّض عن خسارة ذلك الشاب، وهو العالم "إدورد كلاسر" "eduard glaser". وقد قام بأربع رحلات إلى اليمن، ورجع بعدد كبير من النصوص والنقوش وبمادة غزيرة من المعلومات١.
بدأ الرحلة الأولى "في أكتوبر من سنة ١٨٨٢م"، وختمها في شهر آذار "مارس" من سنة ١٨٨٤م، وكانت الحالة السياسية في ذلك الزمن مضطربة، والأوضاع غير مساعدة، والفوضى عامة في بلاد اليمن، ولم يكن للحكومة على القبائل من سلطان. ومع ذلك تمكّن من الحصول على "٢٥٠" نقشًا رجع بها إلى أوروبة. أما الرحلة الثانية، فكانت في نيسان سنة ١٨٨٥م ودامت حتى فبراير سنة ١٨٨٦، وقد زار في أثنائها المناطق الجنوبية الشرقية والمنطقة الجنوبية الممتدة من جنوب "صنعاء" حتى" مدينة "عدن". وقد تمكن من جمع معلومات مهمة عن طبغرافية البلاد وأماكنها الأثرية، وعاد بنصوص معينة مهمة دخلت في ممتلكات المتحف البريطاني٢.
وقام بالرحلة الثالثة في سنة ١٨٨٧م، ومكث في اليمن إلى سنة ١٨٨٨م، وكانت رحلته هذه موفَّقة جدًّا؛ إذ حصل على آثار ونقوش كتابية كانت على جانب عظيم من الأهمية، منها أربعمائة نصّ أخذها من مدينة "مأرب" عاصمة "سبأ"، ومن هذه النصوص نصّان عن تصدع سدّ مأرب يرجع عهدهما إلى زمن قريب من ميلاد الرسول، ونصوص أخرى من مدينة "صرواح" يرجع عهدها إلى العصر السبئي، وهي ذات أهمية كبيرة في تدوين تأريخ بلاد العرب الجنوبية٣.
وكانت رحلته الرابعة، وهي الأخيرة، في سنة ١٨٩٢م، وكانت موفقة
_________________
(١) ١ O'leary، P.، ٢٢١، Explorations، p.، ٧٢٢، PfannmueUer، P.، ٨٣، Weber S. ١١ ٢ Weber، S.، ١١. ٣ Explorations، P.، ٧٢١، Mitheilungen der Vorder-Asiatischen Geaellschaft، Berlin، Beilage der Allgemeinen Zeitung، ١٨٨٨، Nos ٢٩٣، f.، Eduard، Reise nach maarib.
[ ١ / ١٢٩ ]
جدًّا كذلك. اتبع فيها أسلوبًا جديدًا في الحصول على صور النصوص؛ إذ استعان بالأعراب الذين فرقهم في مختلف الجهات التي لم يسبقه أحد من الأوروبيين إلى زيارتها، بعد أن علمهم مختلف الطرق في الحصول على تلك النصوص بطريق الورق الذي يتأثر بالضوء وبطريقة القوالب الجبسية وبطرق أخرى. وقد تمكن بهذا الأسلوب الجديد من الظفر بصوة مضبوطة بعض الضبط للكتابات القديمة التي لم يكن بوسعه الذهاب إلى أماكنها واستنساخها بنفسه، وبها أيضًا تمكن من تصحيح أغلاط الصور التي أخذها "هاليفي" عن النقوش الأصلية، ومن الحصول على زهاء مائة نصّ قتباني أخذها من منطقة خرائب "مأرب". وفي متحف "فينا" قسم من الأحجار المكتوبة التي كان هذا العالم قد جلبها معه في المرة الأخيرة إلى أوروبة١.
وقد زار المستشرق "جورج أغسطس والين george augustus wallin" سنة ١٨٤٥م نجدًا ودوّن رحلته إليها٢. وزار الحجاز المستشرق الهولندي الشهير "سنوك هرغونية snouk hurgtonje"؛ فكتب في أحوال مكة ووصف الحياة في الحجاز وموسم الحج. وكان قد ذهب إليه سنة ١٨٨٥-١٨٨٦م وهو من العلماء المدققين٣.
وقد زار الحجاز "السير ريشارد برتن" "sir Richard burton" متنكّرًا بزيّ مسلم سمّى نفسه "عبد الله" زار الحرمين وكتب وصف رحلته هذه٤.
وتوغلت "حنة بلنت" "anne blunt" سنة ١٨٧٩م في شمال بلاد العرب حتى بلغت أرض نجد، وكانت مولعة بدراسة أحوال الخيول العربية٥. واختراق الرّحّالة الإنكليزي "تشرالس دوتي" "charlis m. doughty" الصحاري العربية وشمال بلاد العرب، ووضع كتابًا مهمًّا وصف فيه أسفاره في بلاد العرب
_________________
(١) ١ Weber، S.، ١٢، Pfannmueller، S.، ٨٦، ٢ Ency. Brita.، Vol.، ٢، P.، ١٧١، Explorations، P.، ٧٠٥.، ٣ Ency. Brita.، ٣ Vol.، ٢، P.، ١٧٠، Mekka، den Haag، ١٨٨٨، Explorations، P. ٧٢٠. ٤ Richard Burton، Personal Narrative of a PilgTimage to El-Medina and Meecah، London، ١٨٥٧، in two Vols. ٥ Anne Blunt، A Pilgrimage to Najd، ٢ Vols، London، ١٨٨٣، The Bedouins of the Euphrates، London، ١٨٧٩.
[ ١ / ١٣٠ ]
الصحراوية١. وقد اهتم خاصة بدراسة النواحي "الجيولوجية" والجغرافية للبلاد العربية، ودوّن ملاحظاته عن الظواهر الجوّية وتغيرات الجو ولم يغفل عن دراسة طبائع البدو وحياتهم الاجتماعية وطرق تفكيرهم وعقائدهم. وقد طبع كتابه، في سنة ١٨٨٨، وترجم إلى بعض اللغات الأوروبية لأهميته٢.
ويعد هذا الرّحّالة من المتعصبين على الإسلام، وقد يكون لهذا التعصب سبب؛ فقد لاقى من الأعراب وأهل المدن شيئًا كثيرًا أثّر في نفسه، فصار يتحامل على المسلمين ويقسو في حكمه على الرسول؛ إلا أنه لم يتمكن مع ذلك من الغضّ من قيمة المبادئ الأخلاقية التي يتحلى بها. ومما لاحظه على البدو، عدم اهتامهم بعبادتهم كالصلوات الخمس والصوم، كما لاحظ من جهة أخرى أن الخوف من وجود إله يكاد يكون أعمق أثرًا في نفوس هؤلاء من الحضر. ولاحظ أيضًا أن جذور الوثنية القديمة لا تزال راسخة حتى الآن في نفوس الأعراب وأكثر سكان القرى والمدن، وقد أظهر هذا الرّحّالة ميلًا عظيمًا لدراسة حياة البدو وطرق معيشتهم، وهو يتشوق إلى الصحراء ويحنّ إليها حنين البدو، ويتجلى ذلك العطف في رحلته التي تعد من روائع الأدب الإنكليزي٣.
ورحل "ثيودور بنت" "Theodore bent" وزوجته إلى البحرين وجنوب الجزيرة العربية فزارا الأماكن الأثرية، وتحدثا عن بعض الخرائب الجاهلية والكتابات. وكانت زيارتهما للبحرين سنة ١٨٨٩م. أما زيارتهما لمسقط وعمان وحضرموت، فكانت في هذه السنة ثم في سنين بعدها٤.
وتزيّا الرّحّالة الألماني "هاينرش فون مالتزن" "heinrich von maltzen" بزيّ حاجّ مغربي، وكان قد زار المغرب وتعلّم لهجة سكانه، وذهب إلى الحجاز وتظاهر هناك بأنه منهم، وبعد عودته من الحج وضع رحلته٥.
_________________
(١) ١ Travels in Arabia Deserta، Cambridge، ١٨٨٨، in ٢ Vols ٢ Charlis M. Doughty، Die Offenbarung Arabiens، Paul List Verlag، Leipzig، ١٩٣٧. Passage from Arabia Deserta، Selected by، Edward Garnett، London، ١٩٤٩، Pfannmueller، S.، ٥٤ ٤ Th. Bent and Mrs Bent، Southern Arabia Sudan and Socotra، London، ١٩٠٠ ٥ von Maltzen، Meiue Wallfart nach Mekka، Leipzig، ١٨٦٥، Bd.، ١، ٢،" bearbeitet von P. Gansberg، Braunschweig، ١٩١٩، Reise in Aratrien، Braunschweig، ١٨٧٣، Bd،، ١، ٢، Arabica، Parts ٤ und ٥، Leiden، ١٨٩٦-١٨٩٨
[ ١ / ١٣١ ]
ومن الجوابين العلماء "يوليوس أويتنك Julius euting"، وقد اهتم خاصة بدراسة أحوال البدو، وكتب في الوهابيين والحركة الوهابية١.
ومنهم الرّحّالة الجيكوسلوفاكي الأصل "ألويس موسل" "alois musil"، زار "العربية الحجرية" وكتب عدة كتب في وصف شمال الحجاز وبادية الشام ومنطقة الفرات الأوسط وتدمر ونجد، ووضع في نهاية كل كتاب من كتبه فصولًا علمية قيّمة فيها تحقيق تأريخي جليل٢. وثمة جوّابون آخرون لا بد من ذكرهم مثل "جوسن" "antonine jausen"٣ و"برونوف" "r. e. brtunnow" و"تشارلس هوبر" "charles huber" و"وبرترام توماس" الشاب الإنكليزي المستشرق الذي استطاع في شباط سنة ١٩٢٩م أن يخترق لأول مرة "الربع الخالي" فكشف بذلك بقعة من أكبر البقاع المجهولة في بلاد العرب٦. ويضارعه في مخاطراته هذه "فلبي" الذي أسلم فأطلق على نفسه "الحاج عبد الله فلبي". وقد ألف هذا الإنكليزي المستعرب عدة كتب بالإنكليزية وصف فيها أسفاره في بلاد العرب، وقد تهيأ له من الفرص ما لم يتهيّأ لأوروبي آخر؛ إذ كان من الملازمين للملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود والمقربين إليه. وقد مكث الرّحّالة الألماني "راتجن" "c. rathjens" بضع سنين في اليمن وكتب عنها، وجلب معه عدة كتابات يمانية قديمة إلى ألمانيا وضعت في "متحف الشعوب" في مدينة "هامبرغ"٧.
_________________
(١) ١ Julius Euting، Tagbuch einer Relse in Inner-Arabien، Leiden، ١٨٩٦-١٩١٤، Bd.، I. ٢ The Northern Hegas، New York، ١٩٢٦، Arabia Deserta، New York، ١٩٢٧، t Palmyrena، New York، ١٩٢٨، Northern Negd، New York، ١٩٢٨، The Middle Euphrates، New York، ١٩٢٧، In the Arabian Desert، New York، ١٩٣٠. ٣ Antonine Jausen، Countems des Arabes au Pays de Moab، Paris، ١٩٠٨، Pfannmueller، x ٨.، ٢٩، Hittl، P. ٧. R.E. Bruennow und A.V. D omaszewski، Die Provincia Arabia، Strassburg، ١٩٠٤-١٩٠٩، ٣ Baende. ٤ Charles Huber، Voyage dans l'Arabie Centrale، Paris، ١٨٨٥، Journal d'un Voyage t en Arabie، (١٨٨٣-١٨٨٤، Paris، ١٨٩١. ٥ Arabia Felix، Across The Empty Quarter of Arabia، New York، ١٩٣٢. ٦ The Empty Quarter، ١٩٨٨، The Background of Islam، ١٩٤٧، وكتب كتبا أخرى ٧ C. Rathjens und H. von Wissmann، Suedarabien-Reise، ٣ Bd.، Hamburg، ١٩٣٤، Rathjens und von Wissmann، "Sanaa، Eine Stuedarabische Stadtlandschaft" In، Zeitschrift der GeselLsch. f. Erdk. zu
[ ١ / ١٣٢ ]
وقامت بعثة أمريكية عرفت بـ "المؤسسة الأمريكية لدراسة الإنسان" "the American foundation for the study of man" برئاسة "وندل فيلبس" "wendell Phillips"، وضمت بعض العلماء الواقفين على تأريخ اليمن القديم مثل "إلبرايت" "dr. w. f. Albright" أستاذ الآثار في جامعة "جون هوبكنس" بالولايات المتحدة، وآخرين في مختلف الموضوعات؛ وذلك ما بين سنتي ١٩٥٠-١٩٥٢م بأعمال الحفر في منطقة "عدن" واليمن. وبالرغم من النهاية المحزنة التي انتهت أعمال البعثة إليها؛ فقد تمكنت من الحصول على نتائج حسنة جديدة لم تكن معروفة عن تأريخ مملكة قتبان وسبأ، وعادت ببعض الآثار١.
وكانت في جملة ما درسته هذه البعثة نظم الري في مملكة "قتبان". ودراسة موضع "هجر بن حميد"؛ حيث عثرت على فخار ومواد أخرى يعود عهدها، كما يرى خبراء البعثة إلى ألفي سنة. ودراسة أخرى لمدينة "تمنه" عاصمة "قتبان" ولمعبدها الشهير ولبقايا مقبرتها، وعثرت على كتابات جديدة، وقدّرت سقوط تلك العاصمة وخرابها بسنة "٢٥" قبل الميلاد٢.
وقامت هذه البعثة في سنة "١٩٥٢" و"١٩٥٣" للميلاد بأعمال الحفر في "ظفار" بعمان. ثم عادت فنقبت في هذه المنطقة في ابتداء سنة "١٩٦٠"م؛ حيث كشفت عن بعض الخفايا من تأريخ هذه المنطقة التابعة لسلطنة عمان٣.
وقامت في سنة "١٩٦٢"م بعثة أمريكية من المستشرقين الأميركان، لا علاقة لها بالبعثة المتقدمة بزيارة مواضع من المملكة العربية السعودية؛ فزارت "سكاكة" "سككه" والجوف وتيماء ومدائن صالح والعلا وتبوك، وظفرت بنماذج من فخار قديم، ونقلت صورًا لكتابات ثمودية ونبطية، أهمها الكتابات التي وجدتها في قمة "جبل غنيم" الذي يقع على مسافة ثمانية أميال من جنوب "تيماء".
_________________
(١) ١ وقد ترجم كتاب "وندل فليبس" ونشر بعنوان: "كنوز مدينة بلقيس" ترجمة "عمر الديراوي" سنة ١٩٦١، وفي كتاب، ويا للأسف أغلاط كثيرة في تدوين الإعلام، زيد بن علي عنان: تأريخ اليمن القديم "وقد أولاني ثقته -حفظه الله- حين أرسلني مشرفًا على أعمال الحفر بمأرب الذي قامت به البعثة الأميركية المشئومة برئاسة وندل فيليبس، ذلك اللص النصاب الذي جنى على دعائم محرم بلقيس.. إلخ"، المقدمة، ٢ Saenger، the Arabian Peninsula، P. ٢٤١. ٣ BASOR.، Num. ١٥٩ "١٩٦٠"، PP.، ١٤
[ ١ / ١٣٣ ]
وهي، كما تقول البعثة، من أقدم الكتابات التي عثر عليها حتى الآن في العربية الشمالية. وكان "فلبي" قد استنسخها بيده، وتبيّن بعد مقارنة ما استنسخه فلبي بالصور "الفوتوغرافية" التي أخذتها البعثة أن في نقل "فلبي" أوهامًا عديدة. وفي جملة ما عثرت عليه البعثة صور نحتت على أحجار تمثل آلهة عربية قديمة١.
وهناك طائفة أخرى من المستشرقين خدمت التأريخ العربي قبل الإسلام خدمة جليلة مهمة، هي طائفة أساتذة الجامعات وأصحاب التتبع والبحوث، استفادت من بحوث السياح ومن الموارد المذكورة التي تحدثت عنها عن مصادر التأريخ الجاهلي، ثم غربلتها ونقدتها وألفت منها مادة جديدة لتأريخ الجاهلية. ومن هؤلاء المستشرق: "بركر" "berger" مؤلف كتاب "جزيرة العرب قبل محمد في الآثار"، (L'Arabie Avant Mahomet d'apres les Inscriptions)، Paris ١٨٨٥. والمستشرق "كوسان دي برسفال" العلامة الفرنسي صاحب كتاب "تأريخ العربي قبل الإسلام"٢ (Essai sur I'Histoire des Arabes Avant l'ISIamisme) وهو من الكتب المفيدة. وقد جاء صاحبه بنتائج مهمة وبآراء صائبة في بعض الموضوعات؛ غير أن الكتاب أصبح قديمًا، وفيه نواقص كثيرة، وهو لا يتفق اليوم مع أساليب البحث الحديثة. وقد اعتمد مؤلفه على المصادر العربية ولا سيما كتاب "الأغاني" وعلى مصادر أخرى كانت معروفة في ذلك الوقت؛ غير أنه لم يتمكن من الوصول إلى مصادر كثيرة أخرى مهمة؛ لأنها لم تكن في متناول يده في ذلك العهد.
وللمستشرق الإيطالي "كيتاني" "l. caetani" بحث جيّد في تأريخ العرب قبل الإسلام، جعله مقدمة لتأريخ الإسلام٣. وهو على جهده في محاولة التعمق في فهم تأريخ الجاهلية والإسلام، لا يخلو من هفوات ومن تغلب العاطفة عليه، ولا سيما في القسم الخاص بتأريخ الإسلام.
وممن كتب في حياة العرب قبل الإسلام المستشرق "أوليري delacy o'leary"،
_________________
(١) ١ BASOR.، Num ١٦٨، ١٩٦٢، P.، ٩. ٢ Paris، ١٨٤٧-١٨٤٨، Reprinted، ١٩٠٢، in ٣ Vols. ٣ Annali Deil'lslam، by Leone Caetani، Principe di Teano، Vol.، I، Milano، ١٩٠٥، Studi dl Storia Orientate، Milano، ١٩١١.
[ ١ / ١٣٤ ]
صاحب كتاب "البلاد العربية قبل محمد"١. وقد تحدث فيه عن صلات العرب بالمصريين فالأشوريين إلى زمن ظهور الإسلام، وهو لا يخلو أيضًا من هفوات. وقد صار قديمًا. والمستشرق "تشارلس فورستر" "charles forster"، وله كتاب مفيد "وإن أصبح قديمًا جدًّا" في تأريخ بلاد العرب القديمة وجغرافيتها ويستند في أكثر أبحاثه كأغلب معاصريه إلى نظريات التوراة٢.
وقد كتب المستشرق الألماني "أوتو ويبر" "otto weber" رسالة صغيرة في حالة العرب قبل الإسلام٣.
وقد كتب المستشرقون الذين عنوا بالسيرة النبوية وبالتأريخ الإسلامي عامة فصولًا تمهيدية في حالة العرب قبل الإسلام، تعرضوا فيها لمختلف النواحي التأريخية، وهي مفيدة للاطّلاع على أحوال الجاهلية.
وهناك من كتب في موضوع خاص من التأريخ الجاهلي كالمستشرق "رينه دوسو"؛ فقد وضع كتابًا في "العرب في الشام قبل الإسلام"٤. والمستشرق الألماني "ثيودور نولدكه"، وله كتاب في "تأريخ الفرس والعرب في عهد الساسانيين"٥، وكتاب آخر في "أمراء غسان"٦.
وللمستشرق "روتشتاين" "Rothstein" كتاب "تأريخ أسرة اللخميين في الحميرة"٧، وهو من الكتب المهمة التي جمعت شيئًا كثيرًا من أخبار هذه الأسرة. وقد استعان مؤلفه بالمصادر العربية والسريانية واليونانية، ولا يخلو على كل حال من الضعف في بعض مواضعه.
ويضاف إلى كل ذلك ما كتبه بعض المستشرقين في الحالة الدينية عند العرب قبل الإسلام، وأهمها كتاب "بركمن" "bergmann" في أديان العرب في الجاهلية٨، والفصل الذي كتبه المستشرق "أرنست أسيندر" "Ernst osiander"
_________________
(١) ١ O'Leary، Arabia، before Muhamraed، London، ١٩٢٧. ١ Charles Forster، The Historical Geography of Arabia، London، MDCCCXLIV، ٢ Vols. ٣ Arabien vor dem Islam، ١٩٠٤. ٤ Les Arabes avant ١'Islam en Syrie.y ٥ Geschichte der Perser und Araber zur Zeit der Sassaniden، ١٨٧٩. ٦ Die Ghassanidischen Fuersten aus dem Hause Gafna's، Berlin، ١٨٨٧، ٧ Die Dynastie der Lachmiden in al-Hira، Berlin، ١٨٩٩. ٨ De Religione Arabum anteislamica.
[ ١ / ١٣٥ ]
في ديانة العرب قبل الإسلام، في مجلة الجمعية الآسيوية الألمانية١. وقد بحث هذا المستشرق في ديانة العرب قبل الإسلام بحثًا عميقًا، وهو أول مستشرق درس هذا الموضوع بعد "بوكوك" "pococke" الذي كان أقدم مَن درس الوثنية عند العرب دراسة تفصيلية مستقلة في كتاب المطبوع سنة ١٦٤٩ للميلاد٢. وقد تطرق "أسيندر" لعبادة النجوم عند العرب وعبادة الأصنام والأماكن المقدسة في جنوبي بلاد العرب وعبادة الأصنام في الحجاز ونجد، وتوصل إلى أن العرب عبدوا النجوم في بادئ الأمر، ثم تطورت الفكرة الدينية عندهم، وبالرغم من ذلك ظلّت عقدة عبادة النجوم راسخة في أدمغتهم.
وجاء المستشرق "لودولف كريل" "ludolf krehl"؛ فأحيا هذه الدراسة مرة ثانية بكتابه "بحث عن ديانة العرب قبل الإسلام"٣، وطرق موضوعات لم يتمكن من سبقه من البحث فيها. وقد ذهب إلى أن العرب القدماء كانوا من الموحدين في الأصل؛ غير أنهم تركوا التوحيد بعدئذ، وعمدوا إلى عبادة النجوم والأصنام فالأحجار والأشجار، وبذلك انحطت الحالة الدينية عندهم، وفي القرن السادس تأثروا بالديانة اليهودية والنصرانية في الأماكن التي حدث فيها اتصال بهاتين الديانتين.
وأهم ما ألف في الوثنية عند العرب قبل الإسلام، كتاب المستشرق الألماني "ولهوزن" الذي سماه: "بقايا الوثنية العربية"٤. وقد بحث في نواحٍ مختلفة من نواحي الحياة الدينية عند عرب الجاهلية وفي الأصنام؛ فجمع ما لم يتمكن من جمعه في هذا الباب أحد من المستشرقين قبله، واتبع أسلوب المقابلة والنقد في البحث.
هذا ولا بد من الإشارة إلى مجهود عدد من العلماء تخصصوا بالعربيات وعالجوا نواحي عديدة من دراسات الجاهلية، ومنهم "فرتز هومل" "fritz hommel" صاحب المؤلفات والبحوث الكثيرة، والدراسات القيّمة في تأريخ اليمن والعرب
_________________
(١) ١ Sludien ber die vorislaraische Religion der Araber، in: Zeitachrift der Deutchen Morgenlaendischen Gesellschaft، ٧، ١٨٥٣. ٢ Specimen Historiae Arabum، Oxford، ١٦٤٩. ٣ Ueber die Religion der vorislamischen Araber، Leipzig، ١٨٦٣- ٤ Reste arabischen Heidentums، Berlin، ١٨٧.، ٢ Ausgabe ١٩٢٩
[ ١ / ١٣٦ ]
الجنوبيين، وفي ترجمة الكتابات المعينية والسبئية والحضرموتية والقتبانية والحميرية، وفي الدراسات اللغوية. وهو في مقدمة من وضع أسس الدراسات العربية الجنوبية ومهد الجادة لمن جاء بعده من المستشرقين. و"رودوكناكس"١ "mikolaus rhodokanakis"، وهو صاحب جملة مؤلفات في شرح وحلّ النصوص العربية الجنوبية، و"دتلف نيلسن" "detlief Nielsen" الدانماركي من الباحثين في الكتابات العربية الجنوبية وفي الحضارة العربية، والتأريخ العربي قبل الإسلام٢.
كذلك خصص "موردتمن" "j. h. mordtmann" و"داؤو هاندش ميلر" "d.h. Mueller"، و"ميتوخ" "eugen mittwoch"، و"فون فزمن" "von wissmann"، و"بيستن" "c.f.l. beeston"، و"كونتي روسيني" "c.conti Rossini"، و"فنت" "f.v. winnett"، و"ركمنس" "c.ryckmanns"، و"كروهمن" "A. grohmann"، و"ملاكر" "k. mlaker"، و"أغناطيوس كويدي" و"هربرت كريمه" "herbert grimme" و"أنوليتمن" و"إلبرايت"، وغيرهم قسطًا من بحوثهم في العربيات الجنوبية، فساعدوا بذلك على تقديم مادة غنية للمؤرخين والباحثين، وعلى تحسين معارفنا في اللهجات العربية وقواعدها وفي تأريخ الجاهلية٣.
هذا، ولا بد لي أيضًا من الإشارة إلى جهود مستشرقين محدثين قصروا عملهم على البحوث العربية الجنوبية، وصرفوا وقتهم في دراستها، وألّفوا وكتبوا فيها، ونشروا بحوثهم في المجلات، ونشروا نشرًا جديدًا نصوصًا سبق أن نشرت، وبعثوا الحياة في نصوص لم تكن معروفة فعرفت. ومن هؤلاء: "فون وزمن" "h.von wissmann". و"ريكمنس" "j.ryckmans"، وهو صاحب
_________________
(١) ١ Nikolaus Rhodokanakis: Katabanische Texte zur Bodenwirtschaft، ٢ Hefte، Studien \ zur Lexikographie und Grammatik des Altsuedarabischen، Der Grundsatz der Offentlichkeit in den Sudarabischen، Urkunden، ١٩١٤. ٢ Handbuch der Altarabischen Altertumskunde، Bd، ١، Hamburg، ١٩٢٧. ٣ للاطلاع على المؤلفات التي تعرضت لأسفار السياح في جزيرة العرب، يستحسن الرجوع إلى الكتب التي ألفت في هذا الموضوع باللغات الأوروبية، ومنها: Hilprecht: Explorations in Bible Land during' the ١٩th Century، Edinburgh، ١٩٠٣، Ency. Brita.،' Vol.، ٢، P.، ١٦٩. ff
[ ١ / ١٣٧ ]
بحوث وتحقيقات في نشر الكتابات والتعليق عليها وعلى أيام الملوك. و"إلبريت" "w.f.albright" العالم الآثاري الأمريكي الذي ذكرته قبل قليل. و"الأب جامة" "a. jamme" الذي رافق البعثة الأمريكية لدراسة الإنسان، والخبير بقراءة النصوص وبعيين زمان كتابتها، وناشر جملة كتابات عثرت عليها البعثة المذكورة. و"مارية هوفنر" "m،hofner"و"بيرين" "j. pirenne" و"بيستن" "a. f. l. beeston" وغيرهم، ممن جاءوا ببحوث قيمة جديدة وما زالوا يبحثون في التأريخ الجاهلي١.
هذا، وسوف يكون لدراسة علماء الآثار للآثار التي عثر وسيعثر عليها من ناحية علم الآثار، وكذلك تطور الخطوط ومقارنة الكتابات بعضها ببعض لمعرفة زمانها وتحليل الآثار ودراستها بالمختبرات وبطرق "الفحص" الكاربوني" وبما شاكل ذلك من طرق تعد اليوم حديثة، شأن كبير في الكشف عن التأريخ الجاهلي، وتقريبه من الواقع، وتضييق شقق الخلاف التي نراها بين العلماء في عمر الدول وفي حكم الملوك وأمثال ذلك من أمور هي اليوم في موضع اهتمام الباحثين في تأريخ الجاهلية.
هذا وأودّ أن أشير هنا إلى أمر يتعلق بالكتابات الجاهلية، هو أن غالبية من عالجها وترجمها اعتمد في الغالب على العبرانية وعلى السريانية في الترجمة، ولهذا لم يوفّقوا في ترجمتهم توفيقًا كبيرًا، وأعتقد أن دراسة اللهجات العربية لقبائل اليمن وبقية العربية الجنوبية وجمع معاني مفرداتها، تفيد كثيرًا في تفسير كتابات المسند وشرحها مثلًا؛ لأن كثيرًا من هذه المفردات ما زال مستعملًا استعمال القدماء له؛ ولكن مثل هذه الدراسات لم تتم بشكل علمي منظم منسق حتى الآن ويا للأسف. ورجائي أن يأتي يوم يقوم فيه المتخصصون من العرب بدراسة تلك اللهجات وتثبيتها بصورة علمية ووضع معجمات بألفاظها، فإن في هذا العمل خدمة كبيرة للتراث العربي القديم.
وقد قام المستشرقون بنصيبهم في كتابة تأريخ الجاهلية، فهم يستحقون على عملهم هذا كل شكر وثناء، مهما وقع في دراستهم من قوة وضعف، وغرض ونيّة، فهم قد قاموا بعمل، وقد أفادونا في عملهم هذا ولو بعض الفائدة،
_________________
(١) ١ E. Wright، The Bible and the Ancient Near East، Essays in Honor of William Foxwell Albright، New
[ ١ / ١٣٨ ]
فعلينا ألّا ننكر فضل الناس، وإذا كان هناك شيء من خطأ أو نيّة سيئة؛ فعلينا يقع واجب تصحيحه وبيان مواطن سوء النيّة، فهم غرباء، ونحن حملة هذا التأريخ وأصحابه. وعلينا وحدنا يقع واجب تدوينه وانتزاعه من باطن الأرض، والبحث في كل زاوية ومكان لإيجاد مورد جديد نضيفه إلى الموارد الموجودة. وعلى الحكومات العربية واجب إتمام العمل، وتيسير الوسائل التي توصل الباحثين إلى الأماكن التي يقصدها العلماء وحمايتهم ورعايتهم، وواجب إعداد طائفة من المنقبين العرب للقيام بهذه المهمة والإنفاق عليهم بسخاء، وإنشاء متاحف تحفظ فيها العاديات، ومنع الناس من التجاوز والتطاول على الأماكن الآثارية، ومن أحق بالمحافظة على تراث البلاد من أبنائها؟.
[ ١ / ١٣٩ ]