وقالوا عن "جديس" إنهم حي من عاد، وهم إخوة طسم، أو إنهم
[ ١ / ٣٣٦ ]
حيّ من العرب كانوا يناسبون عادًا الأولى١. وقالوا إنهم أبناء "جديس بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح"٢، أو أبناء "جديس" شقيق "ثمود بن غاثر بن إرم بن سام بن نوح"، أو ما شابه ذلك من نسب٣. وقد كانوا أتباعًا لطسم، ويسكنون معهم في اليمامة، ثاروا على "عمليق" "عملوق" ملك طسم، فكانت نهاية طسم كما كانت نهاية "جديس، ولذلك قيل "بوار طسم بيَدَيْ جديس"٤.
ويذكر أهل الأخبار أن جديسًا لما قتلتْ "عملوقًا" ومن كان معه من قومه طسم، هرب رجل من طسم اسمه "رباح بن مُرّة"، حتى أتى "حسّان بن تُبَّع" فاستغاث به، فخرج "حسّان" في حِمْيَر، فأباد جديسًا، وخرب بلادهم، وهدم قصورهم وحصونهم٥. يرى "كوسين دي برسفال" أن إغارة حمير المذكورة كانت حوالي سنة "٢٥٠" بعد الميلاد٦.
ويرتبط بخبر هذه الإبادة قصة امرأة زعم أنها كانت أقوى الناس بصرًا، ترى من مسافات بعيدة جدًّ، عرفت ب"زرقاء اليمامة". وقد ورد قصص عنها ذكره أهل الأخبار٧.
وورد في بعض الأخبار أن "جذيمة الأبرش" كان قد حارب "طسمًا"
_________________
(١) ١ اللسان "٦/ ٣٥". ٢ الطبري "١/ ٧٧١" "طبعة أوروبة"، "١/ ٦٢٩" "دار المعارف"، ابن خلدون "٢/ ٢٤"، الأغاني" ١٠/ ٤٨"، المعارف "ص١٤"، "جديس بن عامر بن أزهر بن سام بن نوح، ابن الأثير الكامل "١/ ١٣٩"، شرح ديوان الحماسة للتبريزي "١/ ١٦٧"، "وجديس: حي من عاد، وهم إخوة طسم. وفي التهذيب جديس: حي من العرب، كانوا يناسبون عادا الأولى"، اللسان "٧/ ٣٣٣". ٣ المصادر نفسها. Ency،، vol، I، p، ٩٩٢. ٤ اللسان "٧/ ٣٣٤"، الأمثال للميداني "١/ ١٩٢"، "٢/ ٦٩٠"، الأغاني "١١/ ١٦٤"، "دار الكتب المصرية". ٥ الطبري "١/ ٦٢٩ فما بعدها"، "حسان بن أسعد تبع"، شمس العلوم "الجزء الأول، القسم الثاني" "ص٣٠٧". ٦ Caussin de Perceval، Essai، ٢، P. ٢٦، Ency. Vol. I، P. ٩٩٢. ٧ وهناك قصة عن زرقاء أخرى، كانت ترى من مسافة بعيدة ذكروها في تفرق ولد معد، الأغاني "١١/ ٣٦، ١٥٥"، "دار الكتب المصرية"، مجمع الأمثال للميداني "١/ ١٢٠"، الكامل، لابن الأثير "١/ ٢٠٧"
[ ١ / ٣٣٧ ]
و"جديسًا"١.
ويذكر أهل الأخبار أن "حسّان بن تُبّع" الذي أوقع بجديس، هو "ذو معاهر"، وهو "تبع بن تبع تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن تبع بن أقرن"، وهو أبو "تبّع بن حسان"، الذي يزعم أهل اليمن أنه قدم مكة ويثرب، وأنه وجّه ابنه "حسان" إلى "السند" وابنه "شمرد الجناح" "سمر"، إلى آخر ذلك من قصص سأتحدث عنه في أثناء الكلام على مملكة "حمير وذي ريدان"٢.
ويذكر أهل الأخبار أيضا أن التي أبصرت جند "حسان" اسمها "اليمامة"، وكانت أول من اكتحلت بالإثمد، ولهذا تكوّنت في عينيها عروق سود منه، كانت هي السبب في نشوء حدة البصر عندها، وأن "حسان" أمر ففقئت عيناها لإدراك سبب حدة بصرها، فاكتشف وجود الإثمد بهما، ويزعمون أنه أمر بإبدال اسم "جوّ" مساكن طسم وجديس إلى "اليمامة"، فعرفت بهذه التسمية مذ ذلك الحين٣.
وإذا كان ما جاء في شعر الأعشى عن "اليمامة" وعن حسان صحيحًا، فإن ذلك يدل على أن القصة المذكورة كانت شائعة معروفة في أيامه بل وربما قبل أيامه، والظاهر أن أهل الأخبار قد أخذوا اسم اليمامة من اسم المكان، فصيّروه امرأة ذات بصر حديد. ونجد قصة "اليمامة" ومجيء التبع في شعر للنمر بن تولب العُكلي٤. ونجد اتفاقًا بين القول المنسوب إلى اليمامة في سياق القصة وبين قولها في الشعر المنسوب إلى الأعشى وإلى النمر.
وقد ذكر "ابن دريد" أن "تبع" أرسل على مقدمته "عبد كلال بن مثوب بن ذي حرث بن الحارث بن مالك بن غيدان" إلى اليمامة، فقتل طسمًا وجديسًا. ولم يذكر اسم ذلك التبع٥.
_________________
(١) ١ enc،، vol، I، p،، ٩٩٢. ٢ "سُمّي ذا الجناح" في طبعة "دار المعارف"، "١/ ٦٣٢"، "شمر" في الطبعات الأخرى، وفي الموارد الأخرى. وهو الصحيح. ٣ الطبري "١/ ٦٣٠" "دار المعارف". ٤ ديوان الأعشى "٧٢- ٧٤"، الطبري "١/ ٦٣٠ وما بعدها"، الكامل لابن الأثير "١/ ٤٥١". ٥ الاشتقاق "ص٣٠٧ وما بعدها".
[ ١ / ٣٣٨ ]
ويعتقد بعض المستشرقين أن اسم "jolisitae" أو "jodisitae" الوارد في "جغرافيا بطلميوس" إنما يقصد به قوم "جديس"، وأنهم كانوا معروفين في حوالي سنة "١٢٠" بعد الميلاد١.
وقد نسب أهل الأخبار أماكن عديدة إلى طسم وجديس، وهي قرى ومدن ذكر أنها كانت عامرة آهلة بالسكان ذات مزارع، وقد بقي بعضها في الإسلام، ووصفه أهل الأخبار. وإذا صحّ أنها لطسم وجديس حقًّا، وأنها كانت من أعمالهم ونتاجهم، فإن ذلك يدل على أن القوم كانوا حضرًا وعلى مستوى من الرقي، ولم يكونوا بدوًا على شاكلة الأعراب. وربما يعثر على كتابات في هذه المواضع تكشف اللثام عن حقيقة أصحاب هذه المواضع وهُوية الأقوام التي عاشت فيها.
ومن الأماكن المذكورة "المشقر"، وهو حصن بين نجران والبحرين على تلٍ عالٍ، يقابله حصن سدوس، وهو من أمكنة "طسم". وقد نسب بعض الراوة بناءه -كعادتهم عند جهلهم أسماء الأماكن- إلى سليمان، وقد سكنته عبد القيس أهل البحرين٢. و"معنق" من قصور اليمامة على أكمة مرتفعة٣. و"الشموس" قيل: أنه من بناء "جديس"٤.
ومن قرى اليمامة الشهيرة "حجر"، وكانت لطسم وجديس، والظاهر أنها كانت عامرة ذات قصور عالية كثيرة، وأنها كانت محاطة بالمزارع، وأنها بقيت مدة طويلة مهملة في وسط الرمال التي تكوّنت في تلك البقاع المنبتة الخصبة التي تحوّلت إلى صحراء٥. و"القرية" "قرية بني سَدُوس"، وكان بها قصر عظيم من الصخر، وقد زعموا أنه كان من حجر واحد بناه جنّ سليمان٦. و"جعدة" وهي حصن، وبها قصر قديم "عادي" ينسبونه إلى طسم وجديس، ويظهر أنه ظلّ باقيًا إلى أيام "الهمداني"، بدليل وصفه له في كتابه "صفة
_________________
(١) ١ Ptolemy، Geogr. I، ٢٩، Libr. VIII، "Ed. Wilberg"، Ency. Vol. I، P. ٩٩٢. ٢ البلدان "٨/ ٦٥"، اللسان "٦/ ٩١". ٣ البلدان "٨/ ٦٥". ٤ البلدان "٨/ ١٠٠". ٥ البلدان "٣/ ٢٢١". ٦ البلدان "٧/ ٧٦ فما بعدها"، الهمداني، صفة "ص١٤١".
[ ١ / ٣٣٩ ]
جزيرة العرب" والظاهر من وصفه أن الحصن كان عظيمًا، وأنه كان يحيط بالقرية، وأن أساسه من اللبِن وحوله منازل الحاشية للرئيس الذي يكون فيه، وكان فيه الأثل والنخيل، وحوله منازل الناس والسوق، ويحيط بالقرية خندق، وفي السوق آبار. قال الهمداني: إنها مائتان وستون بئرًا ماؤها عذب فرات١.
و"خضراء حجر"، وهي حضور "طسم" و"جديس"، وفيها آثارهم وحصونهم وبتلهم، الواحد بتيل، وهو مربع مثل الصومعة مستطيل في السماء من طين. وقد بولغ في وصف ارتفاع هذه "البتل" وطولها، حتى زعم أن ارتفاع ما تبقّى منها إلى أيام الهمداني كان قد بلغ مائتي ذراع في السماء٢.
و"الخضرمة"، وكانت لجديس، وبها آثار قديمة كثيرة٣، و"الهدار"٤. و"ريمان"٥.
_________________
(١) ١ الهمداني: صفة "ص١٤١". ٢ صفة "١٤١" ٣ صفة "١٤١" ٤ صفة "١٤١" ٥ صفة "١٤١"
[ ١ / ٣٤٠ ]