الفصل الرابع عشر: العرب في الهلال الخصيب
ليس من السهل علينا التعرض في الوقت الحاضر للصلات التي كانت بين العرب الشماليين وبين حكومات الهلال الخصيب في أقدم العهود التأريخية المعروفة التي وقفنا على بعض ملامحها ومعالمها من الآثار؛ فبينها وبيننا حجب كثيفة ثخينة لم تتمكن الأبصار من النفاذ منها لاستخراج ما وراءها من أخبار عن صلات العرب في تلك العهود بالهلال الخصيب.
ولعل خبر "نرام، سن" "نرام، سين" "Naram–Sin" الأكادي "٢٢٧٠-٢٢٢٣ ق. م." عن استيلائه على الأرضين المتصلة بأرض بابل، والتي كان سكانها من العرب "Aribu" "Arabu" هو أقدم خبر يصل إلينا في موضوع صلات العرب بالعراق١. وهو خبر ينبئك بأن عرب أيام "نرام، سن"، كانوا في تلك المنازل قبل أيامه بالطبع؛ وهي منازل كونوا فيها "مشيخات" و"إمارات" مثل إمارة "الحيرة" الشهيرة التي ظهرت بعد الميلاد.
ويحدثنا سفر "القضاة" بأن "المدينيين" والعمالقة وبني المشرق، كانوا ينتزعون ما بأيدي الإسرائيليين من غلة زراعة، وما عندهم من ماشية، ويغيرون
_________________
(١) ١ Arabien، S. ٢١
[ ٢ / ٢٢٤ ]
وأما "Muaba"، فيرى "موسل" أنها "مؤاب" المذكورة في التوراة١، وهي أرض المؤابيين، أبناء "مؤاب"٢.
وأسماء الأشخاص الواردة في النصوص الآشورية هي أقدم أسماء نعرفها وردت في نصوص تأريخية عند العرب الشماليين، مثل "زبيبة" و"شمس" و"الباسق" الذي كتب "بسقانو" "Basqanu" في النص الآشوري، و"أيم" الذي هو "إيمو" في النصوص الآشورية، و"جندب" الذي صار "جنديبو" "Gindibu" في اللغة الآشورية "Kiau" "Kisu" "Ki–i–su" الذي يحتمل أنه "قيس"، و"Agbaru" "Akbaru" القريب من أكبر أو "أخبر" أو "أجبر"، "وخبيصو" "جيصو" "Habisu" "kha–bi–su" الذي يحتمل أنه "خبيص" أو "خابص" أو "حبيس" أو "حابس" أو "قبيصة" أو ما شابه ذلك من أسماء، و"نخرو" "نحرو" "Niharu" "Ni–kha–ru" الذي يحتمل أنه "نخر"، أو "ناخر" أو "نهار"، و"ليلى" "Laili" "Laiale"، الذي هو "ليلي" إلى آخر ذلك من أسماء.
وورد في جملة الأرضين التي استولى عليها "آشور بانبال" في بلاد العرب، اسم موضع دعي "إنزلكرمة" "Enzilkarme" "Al–en–zi–kar–me"، وهو كناية عن واحة، يرى "ديلج" "Delitzsch" أنها تقع جنوب حوران٣.
وقد افتخر "آشور بانبال، الملك العظيم، الملك الحق الشرعي، ملك العالم، ملك آشور، ملك الجهات الأربع، ملك الملوك، الأمير الذي لا ينازعه منازع، الذي يحكم من البحر الأعلى إلى البحر الأسفل، والذي جعل كل الحكام الآخرين يخرون له سجدا ويقبلون أقدامه"٤، بأنه ملك من البحر الأعلى حتى جزيرة "دلمون" من البحر الأسفل٥. ومعنى هذا أن ملكه امتدَّ من أعالي العراق إلى البحرين٦.
يظهر من النصوص الآشورية أن الآشوريين قاموا بعدد من الحملات يزيد،
_________________
(١) ١ Deserta، P. ٤٨٥ ٢ قاموس الكتاب المقدس "١/ ٣٨٥". ٣ Delitzch، S. ٣٠٠، Hommel، Geographie، S. ٥٨٨، Reall، II، S. ٤٠٤ ٤ راجع النص في: pritchard، P. ٢٩٧ ٥ pritchard، P. ٢٩٧ ٦ R. C. Thompson. In AAA، XX "١٩٣٣"، ٧١
[ ٢ / ٢٢٥ ]
بل كان ذلك عامًّا حتى بين العرب أنفسهم؛ وقد أدى ذلك إلى جهلنا بهويات شعوب ذكرت في النصوص الآشورية وفي النصوص الأخرى وفي التوراة، دون أن يشار إلى جنسيتها، فلم نستطع أن نضيفها إلى العرب للسبب المذكور.
وكان ملك "دمشق" "بيرادري" "Bir–Idri" "Biridri"، المعروف باسم "بنهدد" "Benhaddad" في التوراة١، قد هاله توسع الآشوريين وتدخلهم في شئون الممالك الصغيرة والإمارات، ولا سيما بعد تدخلهم في شئون مملكة "حلب"، وخضوع هذه المملكة لهم بدفعها الجزية واعترافهم بسيادة آشور عليها. فعزم على الوقوف أمام الآشوريين، وذلك بتأليف حلف من الملوك السوريين وسادات القبائل العربية؛ لدرء هذا الخطر الداهم. وقد انضم إليه "آخاب" ملك إسرائيل، وأمراء الفينيقيين، فكان مجموع من استجاب لدعوته اثني عشر ملكًا من ملوك سورية، "وجنديبو" ملك "العرب"، وقد أمد الحلف بألف جمل وبمحاربين، وكل هؤلاء كانوا قد أصيبوا بضربات عنيفة من الآشوريين وتعلموا بتجاربهم معهم مبلغ قوتهم وغلظتهم على الشعوب التي غلبوها على أمرها، فأرادوا بهذا الحلف التخلص من شرهم والانتقام منهم والقضاء عليهم.
وعند مدينة "قرقر"، الواقعة شمال "حماة" وعلى مقربة منها، وقعت الواقعة، وتلاقى الجيشان: جيش "آشور" تسيّره نشوة النصر، وجيوش الإرميين والعرب والفينيقيين ومن انضم إليهم، تجمع بينهم رابطة الدفاع عن أنفسهم، وبغضهم الشديد للآشوريين. لقد تجمع ألوف من جنود الحلفاء في "قرقر" على رواية ملك آشور؛ لمقاومة الآشوريين وصدهم من التوسع نحو الجنوب، واشتركت في المعركة مئات من المركبات. أما النصر فكان حليف "شلمنصر"، انتصر عليهم بيسر وسهولة، وأوقع بهم خسائر كبيرة، وغنم منهم غنائم كثيرة، وتفرق الشمل، وهرب الجميع، وانحلَّ العقد، ورجع ملك آشور إلى بلده منتصرًا، مخلدًا انتصاره هذا في كتابة ليقف عليها الناس٢.
_________________
(١) ١راجع عن "بنهدد"، قاموس الكتاب المقدس، "١/ ٢٥٠"، "بنهداد، أوبرهداد" "أداريدري، وهو الذي يسميه الكتاب المقدس بنهداد، باسم أبيه بنهداد الأول" أدي شير "ص٦٩"، Meisner، Konige، S. ١٣٩، Hastings، P. ٩٠، Enc. Bibli. P. ٥ ٢ أدي شير "ص٦٩ فما بعدها".
[ ٢ / ٢٢٦ ]
وإليك بعضَ ما جاء في نص "شلمنصر" عن معركة "قرقر"؛ لتقف على ما قاله عنها: "قرقر: عاصمته الملكية، أنا أتلفتها، أنا دمرتها، أنا أحرقتها بالنار، ١٢٠٠ عجلة، ١٢٠٠ فارس، ٢٠.٠٠٠ جندي لهدد عازر صاحب إرم ألف جمل لجندب العربي هؤلاء الملوك الاثنا عشر الذين استقدمهم لمساعدته، برزوا إلى المعركة والقتال، تألبوا عليَّ "١.
ويلاحظ كثرة عدد العجلات المستخدمة في المعركة بالنسبة إلى تلك الأيام، وهذه الأرقام ليست بالطبع أرقامًا مضبوطة، فقد عودنا الملوك الأقدمون المبالغة في ذكر العدد، والتهويل في تدوين أخبار المعارك والحوادث؛ للتضخيم من شأنهم وللتعظيم، وتلك عادة قديمة نجدها عند غير الآشوريين أيضا٢.
و"جنديبو" اسم من الأسماء العربية المعروفة هو "جندب"، ويكون هذا الاسم أول اسم عربي يسجل في الكتابات الآشورية. ولم يشر "شلمنصر" إلى أرضه والمكان الذي كان يحكم فيه. غير أن القرائن تدل على أنها كانت في أطراف البادية، ويرى "موسل" أنها كانت تقع في مكان ما جنوب مملكة "دمشق"٣، وأرى أنه كان ملكًا على غرار الملوك سادات القبائل مثل ملوك الحيرة والغساسنة، حكم على قبائل خضعت لحكمه وسلطانه، وكان يتناول الإتاوات من الحكومات الكبيرة مقابل حماية حدودها من الغارات والاشتراك معها في الحروب.
وقد أبلغنا "شلمنصر" الثالث "٨٥٨-٨٢٤ ق. م." أيضا، أنه زحف نحو الجنوب، نحو أرض "كلدو"، أي: أرض الكلدانيين، فاستولى عليها وتوغل بعد ذلك نحو الجنوب حتى بلغ "البحر المر" "البحر المالح" "Nar Marratu" أي الخليج العربي، فقهر كل السكان الذين وصلت جيوشه إليهم٤. ويظهر أنه بلغ حدود الكويت فاتصل بذلك بجزيرة العرب وبقبائل عربية ساكنة في هذه الأرضين.
_________________
(١) ١ Meisner، Koenige، S. ١٤٠، J.W. Weiss، Geschlchte d^a Orients، S. ٥٩٧، Grohmann، S- ٢١، Luckenbill، I، ٦١١، Meisner، Koenlge، S. ١٤٠ ٢ Meissner، Konige، S. ١٤٠ ٣ Muall، Deserta، P. ٤٧٧ ٤ Ancient Iraq، P. ٢٧٧، Luckenbill، I، ٦٢٤
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وفي السنة الثالثة من حكم "تغلث فلاسر" "تغلاتبلاسر الثالث" "Tiglath Pileser"١ "٧٤٥-٧٢٧ ق. م." تقريبًا، دفعت ملكة عربية اسمها "زبيبي" الجزية إلى هذا الملك، وكانت تحكم "أريبي"، أي العرب. ولم يتحدث النص الذي سجل هذا الخبر عن مكان الأعراب أتباع "زبيبي".
معركة بين العرب والآشوريين
وقد ذهب "موسل" إلى أنه "أدومو" "Adumu"، أي "دومة" "دومة الجندل"، وذهب أيضا أن الملكة كانت كاهنة على قبيلة "قيدار" "٢kedar. و"زبيبي" هو تحريف لاسم "زبيبة"، وهو من الأسماء العربية المعروفة.
ويحدثنا هذا الملك أيضا أنه في السنة التاسعة من ملكه، قهر ملكة عربية أخرى اسمها "سمسي" "Samsi" "شمسي" "Shamsi"، واضطرها إلى دفع الجزية له بعد أن تغلبت عليها جيوش آشور. ويدعي الملك أنها حنثت بيمينها
_________________
(١) ١ "تغلث فلاسر"، و"ثغلث فلناسر" في الترجمات العربية للتوراة، أخبار الأيام الثاني، الإصحاح الثامن والعشرون، الآية العشرون، الملوك الثاني، الإصحاح الخامس عشر، الآية ٢٩، أخبار الأيام الأول، الإصحاح الخامس، الآية ٢٦؛ ولذلك اخترت هذه التسمية، قاموس الكتاب المقدس "١/ ٢٨٨"، أدي شير "ص٨٠"، وقد جعله "موسل" "ثغلث فلاسر الرابع"، Musll، Hegaz، P. ٢٨٧، Deserta، P. ٤٧٧ وعرف بـ: "Rukulti – Apil – Esharra" في النصوص: Hastings، P. ٩٣٤. ٢ Rost، Keilschrifttexte، II، P ١. ١٦. "١٨٩٣" Olmstead، Gistory of Assyria، P. ١٨٩، G. Rawlinson، The Five Great Monrchies، vol. II، P. ٣٩٦
[ ٢ / ٢٢٨ ]
وكفرت بالعهد الذي قطعته للإله العظيم "شماش" "Schamash" بألا تتعرض للآشوريين بسوء، وبأن تخلص لهم، فانتصر عليها، واستولى على مدينتين من مدنها، وتغلب على معسكرها، فلم يبقَ أمامها غير الخضوع والاستسلام وتأدية الجزية إبلًا: جمالًا ونوقًا١.
والظاهر أنها انضمت إلى ملك دمشق في معارضته للآشوريين، وتعرضت لقوافل آشور، فجهز الملك عليها حملة عسكرية تغلبت عليها. ولضمان تنفيذ مصالح الآشوريين، قرر الملك تعيين "قيبو" أي: مقيم أو مندوب ساميّ آشوري لدى بلاطها؛ لإرسال تقاريره إلى الحاكم الآشوري العام في سورية عن نيات الملكة واتجاهات الأعراب، وميول قبيلتها، ولتوجيه سياسة الملكة على النحو الذي تريده "آشور"٢.
وقد ذكر النص الآشوري أن الملكة أصيبت بخسائر فادحة جدًّا، وهي ألف ومائة رجل، وثلاثون ألف جمل، وعشرون ألف من الماشية، وهي أرقام بُولغ فيها جدا، ولا شك٣.
ويذكرنا اسم الملكة "شمسي" "سمسي" باسم عربي هو "شمس" أو "شمسة"، و"شمسة" من الأسماء العربية القديمة التي ما تزال حية. وقد كان في المدينة امرأة نصرانية اسمها "شمسة"، أسلمت على يدي الحسن بن علي بن أبي طالب٤، فحرف الآشوريون الاسم وفق نطقهم وكتبوه على هذا الشكل.
وقد صور على اللوح الذي ورد فيه خبر الانتصار المذكور، منظر فارسين آشوريين يحملان رمحين، يتعقبان أعرابيًّا راكبًا جملًا، وتحت أعقاب الفرسين وأمامهما جثث الأعراب الذين خروا صرعى على الأرض، وصور شعرهم طويلًا وقد قعد إلى الوراء، وأما اللحى فكثَّة، وأما أجسامهم فعارية إلا من مئزر شد بحزام. وقد حرص الفنان على تصويره الأعرابي الراكب قريبا جدا من الفارسين، مادًّا يده اليمنى إليهما متوسلا ومسترحما ومستسلما، وصورت الملكة
_________________
(١) ١ أدي شير "ص٨٥"، Musll، Deserta، P. ٤٧٧، Olmstead، History of Assyria، P. ١٩٩، J. B. Pritchard، Ancient Near Easterenn Texts، Princeton، ١٩٥٠. P. ٢٨٣ ٢ Musil، Deserta، P. ٤٧٧ ٣ Meisner، Konige، S. ١٤٠ ٤ ابن سعد، الطبقات "٥/ ٢٨٤" "طبعة بيروت ١٩٥٧".
[ ٢ / ٢٢٩ ]
"سمس" "شمسي" "سمسي" حافية، ناشرة شعرها، تحمل جرة من الجرار الإحدى عشرة المقدسة، بعد أن أضناها الجوع والتعب في فرارها إلى "بازو"، وقد خارت قواها المعنوية١.
وورد في الكتابة الآشورية أن الملكة أرسلت وفدًا إلى ملك آشور لمصالحته واسترضائه، ضم عددًا من سادات قبيلتها وأتباعها، منهم "يربع" "يربأ" "Jarapa" وكان رئيس الوفد، و"خترنو" "حترنو" "Hataranu" و"جنبو" "Ganabu"، و"تمرنو" "٢Tamranu. وهي أسماء عربية لا غبار عليها، كتبت بحسب النطق الآشوري؛ فـ"Jarapa" مثلا، يمكن أن يكون أصله "يرفع" أو "يربع" أو يربوع، و"Hataranu" جائز أنه "خاطر" أو "خطر"، و"Ganabu" جائز أنه جناب أو "جنب"، و"Tamranu" جائز أنه "تمر" أو "تمار" أو ما شابه ذلك. ولا أرى بنا حاجة إلى ذكر أمثلة عديدة وردت فيها أسماء من مثل "يربوع" و"جناب" و"جنب" وأمثال ذلك لدى الإسلاميين٣.
وبعد أداء "شمس" الجزية إلى ملك آشور، دفعت عدة قبائل وشعوب عربية الجزية إليه. وقد جعل بعض الباحثين ذلك في حوالي سنة "٧٣٨ ق. م"٤، وجاء في الترجمة العربية لكتاب "حتي" أن ذلك كان في عام "٧٢٨ ق. م"٥. وإذا كان أداء العرب المذكورين الجزية في السنة التاسعة من حكمه، فيجب أن تكون السنة سنة "٧٣٦ ق. م." تقريبًا؛ لأن حكم الملك كان في "٧٤٥ ق. م"٦. وقد ذكر الملك أنه تسلم الجزية ذهبًا وفضة وإبلًا وطيوبًا من "مساي" "مسأى" "Masa" و"تيما" و"سبأ" "سبا" و"خيابة" "خيابه" "Hajapa" "Hayapa" "Hajappa" و"بطنه" "Batana" "Badana"
_________________
(١) ١ Olmstead، History of Assyria. P. ١٩٩ ٢ H. Winckler، Keilschrist. Bd. II، S. ٦٢، AOF. BD. I، S. ٤٦٥ ٣ الاشتقاق "٣/ ٢٣٥، ٣٦٢". ٤ Stuhlmann، Der Kampf، S. ١٠ ٥ حتي "ص٤٥". ٦ تولى الحكم في "١٣ أيار"، Hastings، P ٩٣٤
[ ٢ / ٢٣٠ ]
و"خطي" "Hatti"، "Hatte" و"إدبئيل" "١Ibida'il. وقد ورد أنها كانت تقطن في أرضين تقع في الغرب في أماكن بعيدة٢، ويقصد أنها كانت غرب آشور، والغالب أنه كان يريد من قوله: في مواضع بعيدة، البادية حيث يصعب الوصول إليها.
ويرى بعض الباحثين أن "مسأى" "مسا" "Mas'a" هي قبيلة "مسا" "Massa" المذكورة في التوراة٣، وهي قبيلة إسماعيلية كانت منازلها في شرق "مرآب"، أو في جنوب شرقيها٤، ويظهر أنها لم تكن بعيدة جدا عن فلسطين٥. ورأى "ذورمه" "Dhorme" أنها قبيلة من قبائل العربية الجنوبية٦، وهو رأي بعيد الاحتمال٧، فلا يعقل وصول نفوذ الآشوريين في ذلك ألزمن إلى تلك المواضع، ثم إن "مسا" وهو أحد أبناء "إسماعيل" كما ورد في التوراة ٨، والقبائل الإسماعيلية لم تكن تسكن العربية الجنوبية، بل المواضع التي ذكرتها في أثناء حديثي عنهم. ثم إن أحد المقيمين الآشوريين كان قد كتب تقريرًا إلى ملكه، يذكر فيه أن "ملك قهرور" "مالك قهرو"، وهو ابن "عم يثع" "عم يطع" "عمي يطع" "Amme'uta'" من قبيلة "مسا"، غزا بعد خروج الملك وارتحاله عن قبيلة "نبأ أتى" "نبي أتي" "Nabi'ati" هذه القبيلة وذبح أفرادها، وسرقها وقد تمكن أحدهم من النجاة بنفسه، فبلغ الملك وأخبره بالحادث٩. ويشير المقيم السياسي الآشوري في تقريره هذا إلى الحادث؛ ليكون ملكه على علم به. وقبيلة "نبي أتي" "نبأ أتى" "Nabi'ati" هي
_________________
(١) ١ Musil Hegaz، P. ٢٨٨، Rost، Keilschrifttexte، II، Taf. ٢٣، S. ٢١٨-٢٢٦، ٢٤٠. Meissner، Koenige، S. ١٦٥، Pritchard، Ancient، Near East Texts، ١٩٥٠، P. ٢٨٣، ٢٨٤. وسيكون رمزه: Pritchard ٢ Winckier، KLT. S. ٥٨ ٣ التكوين، الإصحاح الخامس والعشرون، الآية ١٤، أخبار الأيام الأول، الإصحاح الأول، الآية ٣٠، قاموس الكتاب المقدس "٢/ ٣٤٢". ٤ Musil Hegas. P ٢٨٨. W. F. Albright، The Biblical Tribe of Massa، in Studi Orientallstick، Roma، ١٩٥٦، ١٢ ٥ Hastings، P. ٥٩١، Enc. Bibli. P. ٢٩٧٢ ٦ Dhorme، Les Pays Bibliques، P. ١٩٦، ١٩١٠، Deserta، P. ٤٧٨ ٧ Musil، Deserta، P. ٤٧٨ ٨ التكوين، الإصحاح ٢٥، الآية ١٤، أخبار الأيام الأول، الإصحاح الأول، الآية ٣٠ ٩ Rawlinson، Coneiform Inscriptions، "١٨٦١-١٨٨٤" vol. ٤، P. ١. ٥٤. Note، I
[ ٢ / ٢٣١ ]
قبيلة "نبايوت" "Nabajot" "Nebaioth" المذكورة في التوراة١، وهي مثل "مسا" إحدى القبائل الإسماعيلية؛ ولهذا تكون منازل قبيلة "مسا" في الشمال أو في الشمال الغربي من منازل "نبايوت"٢.
وأما "تيما" "Tema"، فإنها "تيماء" المذكورة في التوراة٣، والمعروفة حتى في الإسلام. وتقع على الطريق التجاري الخطير الذي يربط العربية الجنوبية والحجاز والشام والعراق ومصر، ثم بموانئ البحر المتوسط، كما عرف التيمائيون باشتغالهم بالتجارة، فلعلهم دفعوا الجزية إلى آشور حفظًا لمصالحهم التجارية ولكي يسمح لهم الآشوريون بمرور تجارتهم في الطرق التي تخترق العراق وبلاد الشام وموانئ البحر المتوسط بعد أن أصبحت تحت سيطرتهم٤.
وقد ذكرت "تيماء" مع "ددان" في مواضع من التوراة٥، وذكرت مع "ددان" و"بوز" كذلك٦. ومعنى هذا أن هذه المواضع كانت متقاربة لا يبعد بعضها عن بعض كثيرًا، وأشير إلى "قوافل تيماء" و"سيارة سبأ"٧، ويدل ذلك على اتصال تجاري كان بين التيمائيين والسبئيين في ذلك العهد.
ويدل ورود اسم "سبأ" بعد "تيما" في نص "تغلث فلاسر"، على أن السبئيين المقصودين كانوا يعيشون على مقربة من التيمائيين ومن بقية من دفع الجزية للآشوريين. ويرى "موسل" أنهم كانوا يقيمون إذ ذاك في "ددان" "ديدان"، وأنهم من السبئيين الذين أخذوا مكان المعينيين، وكانت لهم قوافل تنقل التجارة على الطرق البرية، كما كانوا يقومون بتربية الإبل والماشية٨.
وأما "خيابه" "Hajapa"، فإننا لا نعرف عنهم اليوم شيئًا غير الاسم. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنهم "عيفة" المذكورون في التوراة، ومن
_________________
(١) ١ التكوين، الإصحاح ٢٥، آية ١٣، Deserta، P. ٤٧٨ ٢ Deserta، P. ٤٧٨ ٣ التكوين، الإصحاح ٢٥، الآية ١٥، أخبار الأيام الأول، الإصحاح الأول، الآية ٣٠، قاموس الكتاب المقدس "١/ ٢٩٦". ٤ Musil، Hegaz، P. ٢٨٨ ٥ أشعياء، الإصحاح ٢١، الآية ١٣ وما بعدها، إرميا، الإصحاح ٢٥، الآية ٢٣. ٦ إرميا، الإصحاح ٢٥، الآية ٢٣. ٧ أيوب، الإصحاح السادس، الآية ١٩. ٨ Musil، Hegaz، P. ٢٨٨. وسيكون رمزه: Hegaz
[ ٢ / ٢٣٢ ]
هؤلاء "فرديش دلج"١ و"شرادر"٢ و"موسل" وآخرون٣. وهو على رواية نسابي العهد العتيق من نسل "مديان" "مدين"، ومن حَفَدة "إبراهيم" من زوجه "قطورة". ويفهم من "أشعياء" أنهم كانوا يتاجرون مع "شبا" مثل "مديان" يحملون الذهب واللبان٤، ويظهر أنهم كانوا يقطنون منطقة "حسمي"٥.
ومن الصعب تشخيص قبيلة "بطنه" "بطنا" "بدنه" "Batana" "Badana"، ولم يرد في التوراة ما يقابل الاسم أو ما يقاربه. وقد قرأ "موسل" الاسم "بدنه" "Badana" وذهب إلى أنه اسم قبيلة "بدون" أو "مدون"، بإبدال "الباء" ميمًا، وهذا أمر مألوف. وتقع منازلها في "العلا"، أي في "ددان" "ديدان" القديمة، ويعتقد أفرادها أنهم من سلالة قديمة جدًّا، وليست لهم صلات قربى بالقبائل الأخرى، وتسكن بطون منهم عند "البتراء" "Petra" أي: الرقيم٦.
وأشار "موسل" أيضًا إلى اسم موضع ذكر أنه ورد في كتاب "بلينيوس"، وهو "Badanatha"، غير أنه لاحظ أن هذا الاسم مشكوك في صحة ضبطه، فإن بعضهم قد قرأه "٧Baclanaza. فإذا كانت القراءة "Badanatha" صحيحة، فمن الممكن إذن أن يكون لهذا الاسم علاقة بـ"بدون"، أو "مدون" وبـ"بطنه" "Batana" الوارد في نص ملك آشور٨. والموضع الذي ذكره "بلينيوس" قريب من "Domata"، أي: "دومة الجندل"،
_________________
(١) ١ Fr. Delltzch، Wo Lag Das Paradles؟ Leipzig، ١٨٨١، S. ٣٠٤ وسيكون رمزه Delitzch ٢ KLT. S. ٥٨ ٣ Hegaz، P. ٢٨٩ ٤ "تغطيك كثرة الجمال، بكران مديان وعيفة كلها تأتي من شبا، تحمل ذهبًا ولبانًا" أشعياء، الإصحاح الستون، الآية السادسة، Hastings، P. ٢٣١، Ency. Bibll. P. ١٣٠٠ ٥ Hegaz، P. ٢٨٩ ٦ Rost، Die Keilchrifttexte Tiglatpilesers، III، Leipzig، ١٨٩٢، S. ٣٦. Hommel، Geographie، S. ٢٩٧، ٥٩٥، Reall، I، S. ٤٣١، Hegaz، P. ٢٩٠ ٧ Pliny، Natu. Histo، Vi ١٥٧، vol، II< P. ٤٥٧، "H. Rackham" ٨ Skizze، II، S. ١٠٧، Hegaz، P. ٢٩٠
[ ٢ / ٢٣٣ ]
ومن "ثمود"، فهو في هذه المنطقة التي دفع أصحابها الجزية إلى الآشوريين.
وتقع ديار "خطي" "Hatti" على مقربة من "أدوم"، على رأي "موسل"١. وأما "كلاسر"، فيذهب إلى أنها كانت تسكن "الخط"، سيف البحرين، أي: على ساحل الخليج٢، وهي منطقة قريبة من العراق، يرى أن من السهل الاستيلاء عليها. وقد ذكر "بلينيوس" موضعًا دعاه "خطيني" "Chateni" يقع على ساحل الخليج؛ ولهذا رجح "كلاسر" أن "Hatti" هم "خطيني" هؤلاء٣، وقد ذكر "ياقوت الحموي" جبلًا بمكة دعاه "الخط"٤.
أعرابية تتبعها إبلها، من الألواح المنحوتة التي عثر عليها في قصر "تغلث فلاسر" الثالث
وقد نقل اللوح إلى المتحف البريطاني، Helmuth Tb. Bossert، ١٣٩٤
وقد يكون سكان المنطقة المجاورة له عرفوا باسم "الخطيون"، وقد مارسوا التجارة، وبعثوا كالقبائل الأخرى بتجاراتهم إلى اليمن وبلاد الشام والعراق؛ ولذا دفعوا الجزية إلى الآشوريين ليسمحوا لقوافلهم باجتياز الطرق البرية التي خضعت
_________________
(١) ١ Hegaz، P. ٢٩٠ ٢ البلدان "٣/ ٤٤٩"، المفضليات "٢٤٥". ٣ Skizze، II، S. ٧٥، Forster، II، P. ٢١٦ ٤ البلدان "٣/ ٤٤٩".
[ ٢ / ٢٣٤ ]
لسلطانهم وللاتجار في أسواق مملكة آشور.
ويظهر أن "إدبئيل" "إدبعيل" "Idiba'il" القبيلة المذكورة في نص "تغلث فلاسر"، هي قبيلة "أدبئيل" "Adabeel" في التوراة، وهي إحدى القبائل الإسماعيلية على حسب رواية نسابي العبرانيين١. وكانت منازلها في جنوب غربي البحر الميت على مقربة من غزة وإلى جنوب غربها عند حدود مصر، وفي طور سيناء٢. وكان يسكن إلى الشرق منهم ومن قبيلة "خطي" وكذلك إلى الجنوب الشرقي وشرقي "بئر السبع" "Beersheba" "مبسام" "Mibsam" و"مشماع"، وهما ولدان من ولد "إسماعيل"٣، ويمثلان قبيلتين من القبائل الإسماعيلية. ويظهر من "أخبار الأيام الأول" أن بني "مبسام" و"مشماع" كانوا من بني "شمعون"، وكانوا من بطون "الشمعونيين" القوية ولهم أرضون واسعة٤. ويشير هذا إلى أن "المبساميين" و"المشماعيين" كانوا قد توسعوا وتصاهروا مع "الشمعونيين" واختلطوا بهم؛ فاختلط الأمر، وعد الذين تصاهروا مع الشمعونيين واختلطوا بهم منهم، مع أن أصلهم من الإسماعيليين، أي: من العرب الشماليين٥.
وقد عين "تغلث فلاسر" في سنة "٧٣٤ ق. م." عربيًّا "Arubu" اسمه "إدبئيل" "Idiba'il" في وظيفة "قيبو" "Kepu"، أي: والٍ على "مصري"؛ ليدير شئونها بالنيابة عنه، وجعل تحت تصرفه خمسة وعشرين موضعًا من "عسقلان"٦. ويحتمل أن يكون هذا الرجل -على رأي "موسل"- شيخًا من قبيلة "إدبئيل"، كان مقيمًا مع قبيلته في "طور سيناء"، وكان له سلطان واسع بلغ حدود مدينة "غزة" ٧. ولم يكن هذا الشيخ الذي اعتمد
_________________
(١) ١ التكوين، الإصحاح الخامس والعشرون، الآية ١٣، أخبار الأيام الأول، الإصحاح الأول، الآية ٢٩. ٢ Hastings، P. ١٢، Enc. Bibli. P. ٦٥، Hegaz، P. ٢٩١. Deserta، P. ٤٧٨ ٣ التكوين، الإصحاح الخامس والعشرون، الآية ١٣ فما بعدها، أخبار الأيام الأول، الإصحاح الأول، الآية ٢٩ فما بعدها، قاموس الكتاب المقدس "٢/ ٣٠٨، ٣٤٤". ٤ أخبار الأيام الأول، الإصحاح الرابع، الآية ٢٥ فما بعدها. ٥ Deserta P. ٤٧٩ ٦ Reall. I، S. ١٢٥. Deserta، P. ٤٧٨، Winckler، AOF. I، S. ٢٥ ٧ Deserta، P. ٤٧٨. Arabien، S. ٢١
[ ٢ / ٢٣٥ ]
طليه ملك آشور فعينه واليًا عنه، إلا سيد قبيلة كلف حماية الحدود وحفظ مصالح الآشوريين بحفظ الأمن والسلامة ومنع الغزو والتحرش بالحدود. ولما كان من الصعب على الجيوش النظامية ولوج البوادي وتعقب أثر الأعراب، فكرت الحكومات القديمة والحكومات الحديثة في القرن العشرين في حماية مصالحها بدفع جعالات شهرية وسنوية وهدايا إلى سادات المشايخ، وتعيين بعضهم في مناصب كبيرة؛ ليتولوا حماية الحدود، وكبح جماح البدو ومنعهم من الغزو، والاستفادة منهم في إزعاج خصومهم بغزوهم ومحاربتهم أو محاربة القبائل المتحالفة معهم، كالذي فعله الفرس واليونان والرومان والدول المستعمرة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين.
ويظهر أن بلوغ جيوش "تغلا تبلاسر الثالث" غزة كان في حوالي السنة "٧٣٨ ق. م". فسيطر الآشوريون بذلك على هذا الميناء المهم الذي كان نهاية طرق القوافل التجارية الآتية بصورة خاصة من الحجاز١، وهو ميناء كان مقصد تجار يثرب ومكة حتى عند ظهور الإسلام.
ويحدثنا "سرجون الثاني" "٧٢٤-٧٠٥ق. م"٢ أنه في السنة السابعة من حكمه، سنة "٧١٥ق. م"٣ أدَّب "تمودي" "Tamudi" و"أباديدي" "عباديدي" و"مرسماني" "Marsimani" و"خيابه" "Hajapa" وهزمهم، ونقل من وقع في يديه منهم إلى "السامرة" "٤Samaria". ثم يذكر بعد هذا الخبر أنه تلقى الجزية من "سمسي" "Samsi" ملكة "أريبي" ومن "برعو" "pir'u" ملك "مصري" "Musuri" ومن "يتع أمر" "It'amra" السبئي٥. وذكر أن الجزية كانت من الذهب وحاصلات الجبل والحجارة الكريمة والعاج وأنواع البذور والنبات والخيل والإبل٦.
ويتبين من أسماء المواضع والقبائل التي ذكرها "سرجون"، أن تلك المعارك كانت قد وقعت في أرضين تقع في الشمال الغربي من جزيرة العرب، وفي المنطقة
_________________
(١) ١ Arabien، S. ٢١ ٢ "شركينا الثاني"، أدي شير "ص٨٨". ٣ سنة "٧١٥ ق. م" بحسب رأي Reali. I، S. ١٢٥ ٤ Schrader، KLB. Bd. II، S. ٤٢، Rawlinson، The Five great Monarchies، II، P. ٤١٥ Reall، I، S. ١٢٥ ٥ Reall. I، S. ١٢٥، Winckler، Sargon I، S. ٢٠ ٦ Luckenblll، II، ١٧
[ ٢ / ٢٣٦ ]
الواقعة فيما بين خليج العقبة و"تيماء" والبادية، ولا بد وأن تكون الجيوش الآشورية قد هاجمتها من الشمال أي: من فلسطين.
وقد ورد في بعض ترجمات نص "سرجون" أنه نقل الأعراب الذين ينزلون في مواضع نائية من البادية، ولم يعرفوا حاكمًا رسميًّا ولا موظفًا ولم يدفعوا جزية إلى أي ملك سابق، نقلهم إلى "السامرة" وأسكنهم فيها١. ويظهر أن هذه الجملة لا تخص الجملة السابقة التي ذكر فيها "ثمود" وبقية الأسماء، وليست معطوفة عليها؛ لأنه وصف هؤلاء الأعراب بأنهم سكان بوادٍ نائية، ولم يدفعوا الجزية لأحد من قبل، على حين يقيم المذكورون في أرض معروفة ولمنازلهم أسماء، وهي ليست من البوادي.
وورد في هذه الترجمات بعد جملة "ويثع أمر السبئي": "ومن هؤلاء الملوك ملوك على الساحل، ومنهم ملوك في البادية، تسلمت منهم جزية: تبرًا، وأحجارًا كريمة إلخ"٢، مما يدل على أن أولئك الملوك كانوا يحكمون أرضين واسعة تمتد من البادية إلى البحر الأحمر.
ووردت في نص "سرجون" المشار إليه أسماء مواضع هي "Uaidaue" و"Bustis" و"Agazi" و"Ambanda" و"Dananu" ووردت معها جملة: "أريبي الساكنين في مشرق الشمس" "أريبي مطلع الشمس"؛ ولهذا ذهب بعض الباحثين إلى أن الأسماء المذكورة هي أسماء مواضع في أرض "أريبي"، أي البادية. وهو رأي يعارضه باحثون آخرون؛ لغموض العبارة، ولتعذر القول: إن أسماء هذه المواضع تعود إلى "أريبي الساكنين في مشرق الشمس"٣.
أما "تمودي" "Tamudi" فإنهم "ثمود" الذين سبق أن تحدثت عنهم. وأما "أباديدي" "Ibadidi" فشعب لا نعرف من أمره شيئًا، وقد ذهب "موسل" إلى احتمال كونهم "أبيداع" "Abida" المذكورين في التوراة٤،
_________________
(١) ١ Pritchard، P. ٢٨٦ ٢ Pritchard، P. ٢٨٦ ٣ "أريبي شانبخ شمشي" "Aribi Sha Nipikh Schamschi" Reall. I، S. ١٤٤، Delitzsch، S. ٣٠٦، Winckler، Sargon I، S. XXVII، UAOG. ١١٢ Rost، MVAG. ١٨٩٧، ٢، S. ٨٤. ٤ التكوين، الإصحاح الخامس والعشرون، الآية ٤، أخبار الأيام الأول، الإصحاح الأول، الآية ٣٣، قاموس الكتاب المقدس "١/ ٢٨"، Hastings، P. ٣، Enc. Bibli. P. ١٤
[ ٢ / ٢٣٧ ]
وهو فيها ابن "مديان"، أي "مدين". ويرى أن مساكنهم كانت في جنوبي شرقي "أيلة" "Elath" أي: العقبة، على الطريق التجارية المهمة التي تربط ديار الشام بالحجاز١.
ورأى "كلاسر" أن "الأباديدي" هم "Apataei" المذكورون في جغرافية "بطلميوس"٢، وكانوا يقيمون في مكان يقال له: "وادي العبابيد" أو"العباديد" على مقربة من العقيق؛ أو أن فرعًا منهم كان يقيم في هذا المكان٣. وذهب "فورستر" إلى أن شعب "APATAEI" هم شعب آخر، وأن الكلمة هي في الأصل "Nabataei"، وهو شعب كانوا يقيمون في موضع "نبت" على ساحل الحجاز٤.
ولا نعرف من أمر "مرسماني" "Marsimani" شيئا يذكر، ولم يرد لهذه القبيلة اسم في التوراة. غير أن بعض الكتبة "الكلاسيكيين" ذكروا قبيلة عربية يظهر أنها كانت تقيم في جنوب شرقي "العقبة" سموها "Batmizomaneis" "Banizomaneis"، وقد كانت في جوار قبيلة "Thamudenoi" أي ثمود٥، ويرى "موسل" احتمال كون هذه القبيلة هي "مرسماني"، تحرف اسمها في النص الآشوري أو حرفه الكتبة "الكلاسيكيون" حتى صار على نحو ما نرى٦. وعلى كل حال فإن على لفظة "Marsimani" طابع العروبة، فلا يستبعد أن تكون من "مرسم"، أو أسماء أخرى عربية قريبة منها.
ويظهر أن كراهية الأعراب للآشوريين كانت شديدة جدًّا، لم تخفف من حدتها لا سياسة القوة والعنف ولا سياسة التودد واللين. لقد حملت هذه الكراهية القبائل على مد يد المساعدة إلى كل مبغض للآشوريين، أو متمرد عليهم، فقدمت المعونة إلى "مردخلبلدان" "مردخ بلذان" "مردخ بلادان"٧
_________________
(١) ١ Hegaz، P. ٢٩٢ ٢ Skizze، II، S، ٢٨٩ ٣ "العبابيد"، البلدان "٦/ ١٠٤"، Skizze، II، S. ٢٥٩ ٤ Forster، I، P. ٢٣٣. FF ٥ Diodorus، Bibliotheca، III، ٤٣. F ٦ Hegaz، P. ٢٩٢ ٧ "مردخ بلادان"، "مردخ بلدان"، "مرود خلبلدان"، أدي شير "ص٩٧"، Reall. I، S. ١٢٥، Deserta، P. ٤٨٠
[ ٢ / ٢٣٨ ]
"Merodachbaladan" ملك بابل خصم وعدو "سنحاريب" "سنحريب" وأرسلت "ياتيعة" "يثعة" "يطيعة" "Ja'iti'e"، ملكة "أريبي" جيشًا لمساعدته ومناصرته في كفاحه هذا مع الآشوريين وضعته تحت قيادة أخيها "بسقانو" "بصقانو" "Basqanu"١، إلا أنه لم يتمكن من الوقوف أمام الآشوريين، فنزلت به خسارة فادحة، وأُسِرَ "بسقانو" وأُسِرَ معه معظم جيشه. وكانت هذه الهزيمة في موضع "كيش" "Kish"، وقد كانت في حوالي سنة "٧٠٣" أو "٧٠٢" قبل الميلاد، على رأي بعض الباحثين٢.
ويظهر أن لفظة "Iati'e" هي تحريف لاسم عربي من أسماء النساء لعله "بطيعة" أو ما يشابه ذلك، وقد كانت ملكة إذ ذاك، أي: إنها كانت مثل "زبيبة" و"شمس" المذكورتين. وأما اسم "بسقانو" "Basqanu" فالظاهر أنه "الباسق"، فإنه قريب منه.
ويحدثنا "سرجون" في كتاباته عن أيامه وعن أعماله المجيدة، أن الملك "أبيري" "Uperi" ملك "دلمون" سمع بقدرة آشور وبعظمتها فأرسل هداياه إليه٣. ومعنى هذا أن البحرين كانت إذ ذاك تحت حكم ملك اسمه "أبيري"، لعله "أبير"، وأن الصلات السياسية كانت وثيقة بين آشور والبحرين في ذلك العهد. وقد ذكر "سرجون" أن "أبيري" "ملك دلمون"، "كان يعيش كالسمكة في وسط بحر الشروق، البحر الذي تشرق عليه الشمس، وعلى مسافة ثلاثين ساعة مضاعفة، وكان قد سمع بجلال عظمتي فأرسل بالهدايا إليَّ"٤.
وفي هذا الخبر إشارة واضحة إلى استقلال البحرين، أي جزيرة "دلمون" وخضوعها لحكم ملك لعله كان من أهلها. ولما كان القسم الجنوبي من العراق تحت حكم الآشوريين في هذا العهد، وللبحرين علاقات تجارية متينة مع هذا القسم؛ لذلك أرسل هدايا ثمينة إلى ملك آشور.
ويظهر من خبر آشوري يعود عهده إلى أيام الملك "سنحاريب" "سنحريب"،
_________________
(١) ١ Reail.، I، ٣.. ١٢٥ ٢ Real!.، I، ٣.، ١٢٥، British Museum Cylinder، ١١٣، ٢٠٣، Smith، First Campaign of Sennacherib، P.، ٦٢، (١٩٢١)، Deserta، P.. ٤٨٠ ٣ Ancient Iraq، P.، ٢٦١. ٤ Belgrave، P. ٨٧
[ ٢ / ٢٣٩ ]
وهو ابن "سرجون"، أن ملك البحرين لما سمع بخبر اجتياز هذا الملك نهر الفرات ودخوله الخليج ووصوله أرض جزيرة "دلمون"، أسرع فاعترف بسيادة ملك آشور عليه. وكان هذا الملك قد دَكَّ أرض بابل في حوالي سنة "٦٨٩ ق. م."، وسار منها متوجهًا نحو أرض الخليج. وفي هذا الخبر إشارة إلى أن علاقة الآشوريين بالبحرين كانت وثيقة في هذا العهد أيضا، وأن ملك البحرين كان يخشى ملك آشور؛ لذلك اعترف بسيادته الاسمية عليه١.
وأخبرنا "سنحاريب" "سنحريب" "٧٠٥-٦٨١ ق. م." أنه تسلم هدايا من "كرب إيل" "كريبي، إيلو" "Karibi–ilu" ملك سبأ "Saba'i"، إذ بنى بيتًا أو معبدًا "بيت أكيتو" "Bit–Akitu"؛ للاحتفال فيه بعيد رأس السنة والأعياد الأخرى٢. وكان من جملة هذه الهدايا أحجار كريمة وأنواع من أفخر الطيب ذي الرائحة الزكية الطيبة "Rikke Tabutu"٣، وفضة وذهب وأحجار ثمينة أخرى٤، وهي أمور اشتهرت بها العربية الجنوبية، كما عرفت بتصديرها هذه المواد إلى الخارج، وقد تحدثت عنها التوراة في مواضع من الأسفار٥.
وقد ذهب "هومل" إلى أن "كربي، إيلو" هذا هو "كرب ال" "كرب إيل" أحد "مكربي" "مقربي" سبأ، أي: الكهان الحكام، ولم يكن ملكًا على عرش سبأ وإن دعاه "سنحاريب" ملكًا؛ ذلك لأن الآشوريين لم يعرفوا لقبه الرسمي، أو لأنهم لم يهتموا بذلك فجعلوه ملكًا. وهذه الهدايا لم تكن جزية فرضت عليه، بل كانت هدية من حاكم إلى حكام، وقد بعث بها إليه مع القوافل الذاهبة إلى الشام بطريق غزة، أو طريق مكة، فالبادية إلى العراق٦. وعندي أن من الجائز أن يكون "كريبي، إيلو" هذا سيد قبيلة أو أميرًا من الأمراء الذين كانوا في العربية الشمالية، من المجاورين لتلك القبائل
_________________
(١) ١ Belgrabe، P. ٥٦، ٨٧ ٢ Handbuch. I، S. ٧٦ ٣ Reall. I، S. ٧٦ ٤ "طبوتو"، "طيبوتو"، "طيب". ٥ Handbuch، I، S. ٧٦، O. Schroeder، Keilschrift Texte aus Assur. Hist. Inhalts، II، No. ١٢٢، Leipzig ١٩٢٢ ٦ Handbuch. I، S. ٧٦، ٨٦
[ ٢ / ٢٤٠ ]
التي تحدثت عنها وسبق لها أن قدمت هدايا لآشور، وكان من السبئيين النازحين إلى الشمال الذين حلوا محل المعينيين.
ولما قضى "سنحاريب" على مقاومة البابليين وعين عليهم ملكًا منهم، كان قد تربى في قصور الآشوريين فأخلص لهم، سار إلى بلاد الشام لإخضاع العمونيين والمؤابيين والأدوميين والعرب والعبرانيين، فقد كان هؤلاء قد انتهزوا فرصة قيام البابليين وقبائل إرم والعرب والعيلاميين على الآشوريين للتخلص منهم، فألفوا حلفًا بينهم في جنوب بلاد الشام، أي: في فلسطين والأردن، واتحدوا لمحاربة "سنحاريب". فلما وصل إلى ساحل البحر المتوسط، أخذ جيشه يستولي على المدن الفينيقية والفلسطينية، ويتقدم نحو الجنوب حتى بلغ "عسقلان" "Ashkelon". ولما وصل إلى موضع "التقه" "علتقه" "Eltekeh" "Altekeh"، اصطدم بالعرب وبالمصريين، غير أنه تغلب عليهم واستولى على "التقه" وعلى "تمنة" "تمنث" "ثمنة" "١Timnath" و"عقرون" "عاقر" "٢Ekron.
وفي أنباء الانتصارات التي سجلها "سنحاريب" لنفسه أنه قام في حوالي سنة "٦٨٩ ق. م." بحملة على الأعراب التابعين للملكة "تلخونو" "Telhunu" ملكة العرب "Arabi"، أي: أعراب البادية، وعلى الملك "خزا إيلي" "حزا إيلي" "Haza-ili"، ملك "قيدري" "Qidri"، أي: القيداريين، فسارت جيوشه في اتجاه "أدوماتو" "دومة" "Adummatu"، فتغلبت على العرب وعلى القيداريين٣. ويقصد بـ"أدوماتو" "دومة الجندل"٤، وقد كانت "أدوماتو" "Adummatu" من مواضع "أريبي" "عريبي" الحصينة٥.
_________________
(١) ١ يحتمل أنها "تبنة" في الزمن الحاضر، قاموس الكتاب المقدس "١/ ٢٩١". ٢ "عقرون" من مدن الفلسطينيين الخمس، وتسمى الآن عاقر، على تل يبعد اثني عشر ميلًا عن يافا إلى الجنوب الشرقي، تنبأ "صفيا" بخرابها، إذ قال: "عقرون تُستأصَل"، صفيا ٢، الآية ٤، قاموس الكتاب المقدس "٢/ ١٠٨ وما بعدها". ٣ أدي شير "ص١٠٨ فما بعدها"، Hastings، P. ٦٧، Reall. I، S. ١٢٥ Reall. I، S. ١٢٥، Ungnad، Borderasiatische Schriftdenkmaler I، No. ٧٧. II، ٢٢. FF. Olmstead، History of Assyria، P. ٣١٠. ٤ Deserta، P. ٤٨٠ ٥ Reall. I، I lieferung، S. ٣٩
[ ٢ / ٢٤١ ]
وهي في موضع بعيد عن عواصم الدول الكبرى، إلا أنها لم تنجُ مع ذلك من غزوات تلك الدول، وقد ذكرها "بطلميوس" باسم "١Doumatha" "Adomatho.
وقد جاء في نص آشوري أن الملك "سنحريب" أرسل حملة إلى الخليج، فانتصرت وحققت رغباته، وقد فر ملك "أرض البحر" إلى أرض "عيلام". ويظهر أنه بنى أسطولًا قويًّا حمل جنوده إلى تلك الأنحاء، فلم يتمكن أهل الخليج من مقاومته واضطروا إلى الخضوع لآشور٢.
ويظهر أن "سنحريب" كان قد تمكن فعلًا من إخضاع الأعراب له ومن السيطرة عليهم، ويرى بعض الباحثين في نعت "هيرودوتس" له بأنه "ملك العرب والآشوريين"٣ تعبيرًا عن إخضاع "سنحريب" الأعراب لحكمه وإن كان ذلك قد وقع لأمد محدود٤.
وفي نص دونه "أسرحدون" "٦٨٠-٦٦٩ ق. م." عن أعماله وعن أعمال والده، أن أباه "سنحاريب" أخضع "أدومو" "Adumu" "معقل أريبي"، واستولى على أصنامها، وحملها معه إلى عاصمته، وأسر ملكتها "Iskallatu" التي كانت كاهنة للإله "دلبات" "Dilbat"، وأسر الأميرة "تبؤة" "Tabua" كذلك. فهو يؤيد بذلك ما ذكره أبوه من انتصاراته على العرب٥.
ولم يتحدث النص الآشوري عن الجهة التي هاجم منها "سنحاريب" "دومة الجندل" أي "Adummatu" "Adumu". ويرى "موسل" أنه هاجمها من إقليم "بابل"، ويرى أيضا أن سلطان الملكة "تلخونو" كان يشمل منطقة واسعة تمتد من "أدومو" إلى حدود بابل. وقد كان أعرابها يمتارون ويبتاعون الطحين والملابس والمواد الضرورية الأخرى من بابل، فيسلكون البادية، ومن هذه البادية وصلت أمداد الملكة وقواتها إلى بابل لمساعدتها في مقاومة
_________________
(١) ١ Albright، Fn JRAS. ١٩٢٥، P. ٢٩٣، Hommel، Geographie، S. ٥٨١، f. ٥٩٤ ٢ العرب والملاحة في المحيط الهندي، جورج فاضلو حوراني "ص٣٨ وما بعدها". ٣ Herodotus، II، ١٤١ ٤ Grohmann، S. ٢٢ ٥ Reall. I، s. ١٢٦، "Jal'u"، "Jauta". Pritchard، P. ٢٨٩، "٩١"
[ ٢ / ٢٤٢ ]
آشور، فاشتركت مع البابليين في الحرب، على حين هاجم فريق آخر من أتباع الملكة المقاطعات الآشورية في بلاد الشام. فلما تغلب "سنحاريب" على بابل وانتصر عليها في سنة ٦٨٩ ق. م، تفرغ لمحاربة الملكة والانتقام منها، فأمر قواته بالضغط على أتباع الملكة، وتعقبهم في البادية لحفظ الحدود. ثم حاصر "أدومو"، حتى تغلب عليها، وانتصر على هذا المعقل الذي التجأ إليه أتباع هذه الملكة وغيرهم للخلاص من الآشوريين١.
ويظهر من النصوص الآشورية أن خلافًا وقع بين الملكة "تلخونو" والملك "خزا إيلي"، قد تكون أسبابه الهزيمة التي حاقت بهما ومحاصرة "سنحاريب" لهما في "دومة الجندل". وقد كان "خزا إيلي" على ما يظهر هو الذي تولى قيادة الجيش، وتنظيم خطط الدفاع والهجوم. فسببت الهزائم التي حلت بهما غضب الملكة عليه وعلى سوء قيادته "فغضبت تلخونو على خزا إيلي ملك أريبي"٢، ولعلهما اختلفا أيضا بسبب محاصرة "دومة الجندل" والدفاع عنها أو عدمه. ومهما يكن من شيء، فقد استسلمت الملكة "تلخونو" للآشوريين، وتغلبت جيوش "سنحاريب" على هذا المعقل، وأخذت الأصنام أسرى إلى "نينوى"، كما أخذت الأميرة" تبؤة" "Tabua" أسيرة إلى عاصمة آشور؛ لتربى هناك تربية يرضى عنها الآشوريون، ولتهذب تهذيبًا سياسيًّا خاصًّا يؤهلها أن تكون ملكة على "أريبي".
أما "خزا إيلي" فقد تمكن من خرق حصار الآشوريين على "دومة الجندل" ومن الاعتصام مع أتباعه بالبادية، حيث لم يكن في قدرة "سنحاريب" مطاردتهم وإيقاع خسائر بهم، وبقي في هذه البادية طول حياة "سنحاريب". فلما توفي هذا الملك، وانتقل الملك إلى ابنه "أسرحدون"، وزالت أسباب الجفاء، قصد نينوى لمقابلة الملك الجديد، ومعه هدايا كثيرة، سُرَّ بها الملك واستقبله بلطف ورعاية، وسلمه الأصنام الأسيرة السيئة الحظ التي كان عليها أن تشارك أتباعها الحياة الأرضية المزعجة، وتمكنت كل من "عتر سماين" "عثتر السماء" و"دبلات" و"دايا" "ديه" "Daja" و"نوهيا" "نهيا" "نهى" "Nuhaia" و"إبيريلو" "Ebirillu" و"عثتر قرمية" "عثر قرمي"
_________________
(١) ١ Deserta، P. ٤٨٠ ٢ British Museum Tablets، K٣٠٨٧، K٣٤٠٥
[ ٢ / ٢٤٣ ]
"Atar Kurumaia"، وهي الآلهة التي كتب عليها أن تسجن من استنشاق ريح الحرية ثانية، ومن استعادة مقامها بين عبادها، فوضعت في أماكنها، وسر أتباعها ولا شك بهذه العودة١.
وفي أثناء وجود تلك الأصنام في الأسر، أصيبت ببعض التلف، فمَنَّ "أسرحدون" عليها بالأمر بإصلاح ما أصابها وإعادتها إلى ما كانت عليه، ثم تلطف فأمر بإرجاعها إلى "خزا إيلي" "خزائيل"، بعد أن نقشت عليها كتابة تفيد تفوق إله آشور على تلك الأصنام، وبعد أن نقش عليها اسم الملك٢.
وأراد "أسرحدون" تنصيب "تبؤة" "Tabua" التي تربت تربية آشورية، ملكة على "أريبي"؛ ليضمن بذلك فرض سلطان آشور على الأعراب. وهو حلم تحقق، ولكنه لم يدم طويلًا؛ لأن العداء بين الآشوريين والعرب كان عميقًا، لا يقضي عليه منح تاج، ونصب ملك أو ملكة٣.
واعترف "أسرحدون" بـ"خزا إيلي" ملكًا على قبيلة "قيدار"، في مقابل إتاوة يدفعها، قدرها خمسة وستون جملًا٤. فلما توفي "خزا إيلي" سنة "٦٧٥ ق. م"٥، اعترف "أسرحدون" بابنه "يايتع" "يايطع" "يطع" "يثع" "Uaite'" ملكًا مكان أبيه، على أن يدفع إتاوة سنوية كبيرة مقدارها ألف من "Minae" من الذهب، وألف حجر كريم، وخمسون جملًا، وطيب، أي أكثر مما كان يدفعه أبوه٦، وقد رضي الابن بذلك على أمل أن ينعم عليه بتاج كيفما كانت الشروط. غير أن حسابه هذا لم يكن دقيقا، فقد ثار عليه شعبه الذي أبى أن يخضع لرجل فرض عليه فرضًا، وأبى قبوله ملكًا عليه. وقام -وعلى رأسه "الزعيم" "أوبو" "وهبو"- "وهب"، "أوب" "Uabo" "Uaboa" بثورة عامة للتخلص منه، ومن سلطان الآشوريين.
وأسرع الآشوريون فأرسلوا جيشًا لإخماد هذه الثورة، فأطفأها وأسر
_________________
(١) ١ Pritchard. P. ٢٩١، D.J. Wixman، The Vassal-Treaties of Esarhaddon، London.١٩٥٨. P. ٤ ٢ Pritchard. P. ٢٩١ ٣ Pritchard، P. ٢٩١ ٤ Descrta، P. ٤٨٢ ٥ Hastings. P. ٨٣٢ ٦ Grohmann، S. ٢٢
[ ٢ / ٢٤٤ ]
"أوبو" "Uabo" وأخذ إلى "نينوى"، إلا أن الانتصار عليه لم يقضِ على مقاومة العرب للآشوريين وثورتهم عليهم، فقاد "يابتئ" "يثع" "Uaite'" الثورة هذه المرة، ورفع راية الحرب على الآشوريين، وغزا هو وأتباعه حدود الإمبراطورية الآشورية المحاذية للبادية، واضطر الآشوريون إلى تجهيز حملة جديدة انتصرت عليه، وهاجمت مضاربه، وقبضت على أصنامه، وأخذتها معها أسرى للمرة الثانية١. أما "يابتئ"، فقد فر "وحيدًا إلى أصقاع بعيدة" على ما جاء في النص٢. والأصقاع البعيدة هي البادية، ولا شك، حيث يصعب على الآشوريين التوغل فيها للتوصل إليه؛ لذلك صارت مأوى لكل ثائر تحل به خسارة، فإذا نجا بنفسه، وتمكن من الفرار من ساحة الهزيمة إلى البادية، صار في حصن أمين، لا تمتد إليه الأيدي بسوء إلا إذا كان المهاجمون من أبناء جنسه الأعراب.
وقام "أسرحدون" بعد هذه الحملة بحملة أخرى على قبائل عربية تنزل أرض "بازو" "Bazu" و"خازو" "٣Hazu". وقد ابتدأ بها في اليوم الثاني من شهر "تشرى" من السنة الخامسة من سني حكمه، وهي تقابل سنة "٦٧٦ ق. م."٤. وقد قتل فيها ثمانية ملوك، هم: "كيو" "٥kiau قيسو "kisu" و"ki-i-su" ملك "خلديلي" "٦Haldilli"، و"أكبرو" "Agbaru" "AK-baru"، وهو ملك "ال بياتي" "البياتي" "إيل بياتي"٧ "٨Na-pi-a-te"، "Ilpiati"منسكو" "منساكو" "منسك" "Mansaku" "Ma-an-sa-ku"، ملك "مجل أني" "مجلاني"
_________________
(١) ١ II، S.، ٢١٧، ٣٧٧، British Museum، A Guide to the Baby، and Assy. Antiquities،II، S.، ٢١٧، ٣٧٧، British Museum، A Guide to the Baby، and Assy. Antiquities، P. ٢٢٧، Deserta، P. ٤٨٢ ٢ Luckenbill، II، ٩١٦ ٣ Rawllnson، Cunei، Inscr.، Col. ٣، II، ٢٥-٥٢، III، PI.، ١٥. ١٠ Col. ٤ II ١٠-٢٦ Schrader، Keil. Bibl. II، S. ١٣١ Deserta، P. ٤٨٢ ٤ Rawlinson، Cunei. Inscr، Col. ٣، II، ٢٥-٥٢، III، Pl. ١٥، ١٦ col. ٤ II ١٠-٢٥، III، PI، ١٥، ١٦ col. ٤ II ١٠-٢٦ Schrader، Keil. Bibl. II، S. ١٣١ Deserta، P. ٤٨٢. ٥ Reall. I، S. ٤٤٠ ٦ "Dil-di-li"، "Kud-di-li" Deserta، P. ٤٨٨. Skizze، II، L. ٢٦٥ ٧ Reall. I، S. ٤٢. ٤٤٠ Schrader، Keil. Bibli. II، S. ١٤٦ ٨ Skizze، II، S. ٢٦٥، Deserta، P. ٤٨٣ سومر: الجزء الثاني، ١٩٤٩م، المجلد الخامس "ص١٤٠".
[ ٢ / ٢٤٥ ]
"١Magal'ani" "Ma-gal-a-ni"، والملكة "يافأ" "إيفع" "يفع" "Iapa'" "Ja-pa'"، ملكة "دخراني" "دحراني" "دخر" "٢Dihrani" "Didhrani" و"خيبصو" "خابصو" "جيبسو" "Habisu" "Kha-bi-su" ملك "قدايأ" "٣Qadab"، و"نخارو" "نيخرو" "نحارو" "نحر" "Niharu" "Ni-kha-ru" ملك "جأباني" "جعباني" "جعفاني" "٤Ga'pani"، والملكة "با إيلو" "بائلة" "Ba'ilu" "Ba-i-lu" ملكة "إخيلو" "٥Ihilu"
آشوريون يحرقون خيمة أعراب نيام Helmuth Bossert، Altsyrien، ١٣٩٧
و"خبن إمرو" "خبن عمرو" "حبن إمرو" "حبان إمرو" "Habanamru" "Kha-ba-zi-ru" ملك "بداء" "بدع"٦ "Buda'"، وأسر خلقًا من أتباعهم أخذهم إلى أرض آشور كما حمل آلهتهم معه. وتمكن أحد الملوك، وهو الملك "ليلى" "Laili" "ليلة" "Laiale" ملك "يادئ" "ياديا" "يدع" "Iadi" "Jadi'" من النجاة، غير أنه ذهب إلى نينوى بعدئذٍ، حيث طلب العفو والصفح عما بدر منه، فقبل "أسرحدون" منه ذلك، وتآخى معه،
_________________
(١) ١ "Ma-gal-Za-nl"، Sklzze، II، ٣.، ٢٦٥، Reall.، I، S.، ٤٤٠، Deserta، P. ٤٨٣ ٢ "Di-tkh-ra-a-nI"، "D١—-ikh—ra—ta—a—nl"، Skizze، II، S.، ٢٦٦ "Ka-da-ba'-a"، "Ka-ta-ba'- a"، Skizze، II، S. ٢٦٦ ٣ "Ga'-u-u-a-nl"، Skizze، S. ٢٦٦ ٤ "I-khl-lu"، Reall. I، S. ٣٩٢، Schrader، Keil. Bibll. II، S. ١٤٨، Skizze، II، S. ٢٦٦ ٥ Reall. I، Sechste Lieferung، s. ٤٤٠. II، S. ٧٤، "Pu-ta'-a"، "Bu-da-a"، Asarh ٦ Prism Br. Col. IV، L. ٢٢، Schrader، Keil. Bibli. II، s. ١٤٨، Skizze، II، S. ٢٦٦
[ ٢ / ٢٤٦ ]
وأعاد إليه أصنامه، وعينه ملكًا على أرض "خازو" "وبازو" "بازي" على أن يدفع الجزية إليه١.
وقد ورد في التوراة اسم "بوز" و"حزو"٢؛ أما "بوز" فهو ابن ناحور أخي إبراهيم، ويظن أن لاسمه صلة باسم أرض "بوز"٣، وأما "حزو" فإنه أحد أولاد "ناحور"٤. وقد ذكرت كلمة "بوز" بعد "تيماء" في سفر "إرميا"، حيث ورد: "وكل اللفيف وكل ملوك أرض عوص، وكل ملوك أرض فلسطين وأشقلون وغزة وعقرون وبقية أشدود، وأدوم ومؤاب وبني عمون، وكل ملوك صور، وكل ملوك صيدون، وكل ملوك الجزائر التي في عبر البحر، وددان وتيماء وبوز، وكل مقصوصي الشعر مستديرًا، وكل ملوك العرب وكل ملوك اللفيف الساكنين في البرية"٥. فـ"بوز" في التوراة اسم موضع، واسم شعب، وقد ورد في التوراة اسم رجل من "بوز" سمي "اليهو" "Elihu" البوزي، وهو ابن "برخيئل"، وكان صديق "أيوب" وحكمًا في المحاورة التي جرت بين أيوب وأصحابه الثلاثة الذين أتوا ليعزوه في المصائب والبلايا التي نزلت به٦. وأيوب كان من سكان أرض "عوص"٧، وهو عربي على رأي عدد من علماء التوراة.
ولم يحدد موقع "بوز" في التوراة"، ولكن ورود "بوز" بعد ددان وتيماء في الموضع الذي ذكرته من إرميا، وقبل جملة "وكل مقصوصي الشعر مستديرًا" يحملنا على التفكير في أن أرض "بوز" كانت في جوار تيماء، وليست بعيدة جدا عن "ددان" "ديدان"، وقريبة من الأعراب الذين كانوا يحلقون شعور رءوسهم إلا دائرة تبقى في أعلى الرأس، أي: غير بعيدة عن البادية وعن الأعراب
_________________
(١) ١ أدي شير "ص١١٨". Rawlinson، The Five II، P. ٤٧٠. ff. Reall. I، ٦. te. Liegerung، "Basi" S. ٤٤٠ Deserta، P. ٤٨٣، Real. I، ٣. Lieferung، S. ٢٠١ ٢ التكوين، الإصحاح الثاني والعشرون، الآية ٢١ وما بعدها. ٣ قاموس الكتاب المقدس "١/ ٢٥٥". ٤ التكوين، الإصحاح الثاني والعشرون، الآية الثانية والعشرون، قاموس الكتاب المقدس "١/ ٢٧٣". ٥ إرميا، الإصحاح الخامس والعشرون، الآية ٢٠ وما بعدها. ٦ أيوب، الإصحاح الثاني والثلاثون، الآية ٨، قاموس الكتاب المقدس "١/ ١٤١". ٧ قاموس الكتاب المقدس "١/ ١٨٨".
[ ٢ / ٢٤٧ ]
الإسماعيليين. ولهذا ذهب "كلاسر" و"دلج" "F. Delitzsch" وغيرهما إلى أن بوز، هي "بازو" الواردة في نص "سنحاريب"، وتقع في العربية الشمالية١، ورأى "ذورمة" "Dhorme" أنها في منطقة تقع في جنوب شرقي الجوف٢. وأما "موسل"، فيستند أيضا إلى الوصف الذي جاء في النص الآشوري عن "بازو" التي تقع في موضع قاصٍ، ويبدأ من السباخ وبادية مجدبة، "١٤٠ بيرو من الرمال"٣، وليس فيها غير الشوك ونوع من حجر يعرف بـ"حجر فم الغزال"٤، ثم سهل فيه الأفاعي والعقارب مثل "الزربابو" الجراد٥، تليه "خازو"، وهي أرض جبلية اتساعها "٢٠ بيرو" من حجر الـ"٦Saggilmut. ويرى من هذا الوصف أن موضع "بازو" في غرب وفي جنوب "تدمر" وفي "وادي السرحان"، وأن الملوك الثمانية الذين قتلهم "أسرحدون" كانوا يقيمون في وادي السرحان عند الحدود الشرقية لحوران وفي "الرحبة" و"قطبة" إلى وادي "القطامي". ويرى أيضا أن "يدئ" "يادئ" "يدي"، وهو موضع الملك "ليلى"، هو "الجاف"، أو "الودي" وذلك بإبدال الحرف الأول من كلمة "يدي" بحرف الواو. وهو أمر يرى أنه كثير الحدوث، فمن المحتمل أن يكون موضع "الوادي" -على رأيه- هو "يدي" أو "يدئ" مقر الملك "ليلى" "٧Laili.
فرأي "موسل" أن "بازو" تعني النصف الشمالي من "وادي السرحان"، وأما الأرض الواقعة في شرق "السرحان" وفي شمال السرحان في المنطقة الجبلية، فإنها "خازو" "حازو"، وقد سلك الجيش الآشوري -كما يقول- الطريق التجارية
_________________
(١) ١ Reall، I، ٤٤٠، Enc. Bibli. P. ٦١٥، Delitzsch S. ٣٠٧، Skizze، II، S. ٢٦٥، ٢ Deserta، P. ٤٨٣ ٣ "كسبو" "قصبو" "Kasbu" عند "كلاسر" و"دلج" بدلًا من بيرو، و، قصبو، قصبة، و، بيرو، هما وحدة قياس الأبعاد والمسافات Rawlinson، The five. II، P. ٤٧٠، S. Smith، Babylonian Historical Texts، P. ١٨، Campbell Thompson، Assyrian Herbal، ١٠٢ ٤ "صبيتي"، Deserta، P. ٤٨٤ ٥"زربابو"، "zirbabu" جراد، Skizze، II، S. ٢٦٥. Reall. I، S. ٤٤٠ ٦ Reall، I، S. ٤٤٠ Deserta، P. ٤٨٢. f. Skizze، II، S. ٢٦٥، Delitzsch، S. ٣٠٦ ٧ Deserta، P. ٤٨٤
[ ٢ / ٢٤٨ ]
المارة من الحافات الشرقية لحوران إلى دمشق١.
وقد صيرت أرض "بوز" و"بوزي" بـ"أرض أوسيتس" "Ausitis" في الترجمة السبعينية للتوراة "العهد العتيق"٢؛ ولذلك رأى بعض العلماء أن المراد بها اسم "Aiseitai" "إيسايتاي" "إيسايته"، وهو اسم موضع ذكره الجغرافي "بطلميوس" في داخل بادية بلاد العرب٣، ورأوا أن بوز هي هذا المكان٤.
ورأى آخرون أن "بازو" هي نجد، وأن البادية التي تحدث عنها "أسرحدون" هي "النفود"، وأما "خازو" فإنها الإحساء٥. وذهب "رولنسن" إلى احتمال كون هذه المنطقة هي أرض مملكة الحيرة، وما يتصل بها إلى جبل شمر؛ لأن الوصف المذكور ينطبق -في رأيه- على هذا المكان٦.
وذهب "كلاسر" في مكان آخر من بحوثه المستفيضة عن "بازو" و"خازو" إلى أن "خازو" هي "حزو"، وإلى أن "بازو" و"حازو" في الأقسام الشرقية والجنوبية من "اليمامة" إلى أرض "مأكن" "Maken" إلى مرتفعات "رأس الخيمة"٧. وأشار أيضًا إلى "حزوى"، وهي "السدوسية" لبني سعد في اليمامة، وقد ذكرها "الهمداني"٨، ويرى أن اللفظة قريبة جدًّا من "حزو" التوراة ومن "خازو" النص الآشوري. وعلى هذا تكون أرض "خازو" في اليمامة، وهي أرض ذات آثار قديمة وعاديات وخرائب تقع بين وادي "ملهم" و"وادي حنيفة"٩.
_________________
(١) ١ Deserta، P. ٤٨٤
(٢) العهد القديم، العهد العتيق، الصورة القديمة، الترجمة السبعينية، هي الترجمة التي تمت في عهد الملك بطلميوس الثاني، ٢٨٥-٢٤٧ ق. م؛ وذلك ليتمكن يهود مصر، الذين كانوا قد نسوا العبرانية، وتكلموا باليونانية من الوقوف على التوراة وفهمها. ٣ Ptolemy، Geography، B، ١٩، ٢ ٤ Reall. I، ٦te. Lieferung، S. ٤٤٠ ٥ Reall. I، ٤٤٠، Palgrave، Central Arabia، I، P. ٩٦، "١٨٦٦" ٦ Rawlinson، The Five. II، P. ٤٧٠ ٧ Skizze، II، S. ٢٦٦ ٨ الصفة "ص١٦٢". ٩ Skizze، II، S. ٢٦٩
[ ٢ / ٢٤٩ ]
ورأى بعض الباحثين المحدثين أن أرض "بازو" هي الساحل المقابل لجزر البحرين، أي: جزيرة "تلمون" كما كانت تعرف عند القدامى. وأما "خازو" أي "حازو" في قراءة، فهي "الأحساء"١، ونرى بين اللفظتين "حازو" و"أحساء" تقاربًا كبيرًا.
ولم يذكر "أسرحدون" كيف رجع إلى بلاده بعد حملته الطويلة هذه، ومن أي سبيل رجع إلى ملكه؟ غير أن بعض الباحثين يرون أنه سلك طريقًا غير الطريق الأول الذي سلكه في حملته على الشعوب والأرضين المذكورة. يرون أنه سلك طريقًا موازيًا لساحل الخليج، فاخترق أرض "بازو" و"خازو"، "حاسو"، ثم سار شمالا إلى إقليم بابل. و"حاسو" عندهم هي الأحساء، وهي بين "نجد" والخليج، وكان "أسرحدون" قد سلك في حملته الأولى كما يروون طريقًا اخترق "نجدًا"، فلما قرر العودة سلك الطريق الثاني٢.
ويرى "موسل" أن اسم "دخراني" "Di-ih-ra-ani" هو "Dacharenoi" المذكور عند "إصطيفان البيزنطي" "٣Stephen of Byzantium". أما "كلاسر" فيرى أن قبيلة "Dachareni"، التي ذكرها "بطلميوس" بعد اسم قبيلة "Malangite" هي القبيلة المذكورة في نص "أسرحدون"٤، وأن قبيلة "Malangite" هي قبيلة "Ma-gal-a-ni" المذكورة في نص "أسرحدون"، ورأى احتمال كون "Gauuani" هي "جوجان"٥ و"Ikhilu" هي "أجلة" أو "أخلة"، وهما عند الخرج٦.
ويرى "كلاسر" احتمال وجود علاقة بين "Bi-i-lu" وهو اسم الملكة، و"باهلة" وهو اسم القبيلة المعروفة التي تقع منازلها منذ القديم في هذه المنطقة. وعنده أن حملة "أسرحدون" قد كانت في اليمامة، حيث ينطبق وصف
_________________
(١) ١ J. Simons، P. ١٥ ٢ Reall. I، te. Lieferung، S. ٤٤١ ٣ Deserta، P. ٤٨٤، Stephen of Byzantium، Ethnica، "meineke" I، P. ٢٢٣، Forster، II، P. ١٤١، Skizze، II، S. ٥ ٤ "Dacharaemoizae" Forster، I، P. IXXIX، ١٣٨، II، ٢٦٨، Skizze، II، S. ٢٥٦ ٥ "جوجان"، صفة "ص ١٣٩، ١٤١، ١٥٠". ٦ "أجلة" صفة "ص١٣٩، ١٥٠، ١٥٥، ١٦١". Skizze، II، S. ٥
[ ٢ / ٢٥٠ ]
هذه المنطقة على وصف الأماكن المذكورة في حملة "أسرحدون" أحسن انطباق١. وبعد وفاة "أسرحدون" رأى "يثع" "يطع" "يايطع" "Uaite'" أن من الأصلح مصالحة الآشوريين، فذهب إلى "آشور بانبال"، "آشور بنبال" وقابله وأرضاه، فأعاد إليه أصنامه، ومنها الصنم "عثتر السماء"، "أتر سمائين" "Atarsamain" "A-tar-sa-ma-a-a-in"، أي "عثتر السماوات"، وهو الإله "عثتر" إله السماء، الذي سأتحدث عنه عند كلامي على ديانة العرب قبل الإسلام، ورضي عنه وأعاده إلى منصبه٢.
ويذكر "آشور بانبال" أن "Uaite'" حنث بيمينه، وخالف عهده وميثاقه معه، لما أعلن "شمش، شوم، أوكن" "Schamaschschumukin" شقيق آشور بانبال العصيان عليه وخاصمه، فانضم إليه، وأيده بمدد يساعده، جعله تحت قيادة "إب يثع" "أب يثع" "Abjate'" و"إيمو" ابني "تارى" "ثأر" "تور"، "Te'ri". وقام على رأس أتباعه بغزو الحدود الغربية لأرض بلاد الشام التي سبق أن استولى عليها الآشوريون، وأصبحت من المقاطعات الخاصة لهم، من "أدو" "Adom" في الجنوب إلى جنوب "حماة" في الشمال. غير أن السعد لم يحالف "Uaite'" في هذه المرة أيضا، فتصدت الجيوش الآشورية للمدد الذي أرسل لمساعدة "شمش، شوم، أوكن"، وشتَّتَتْ شمله قبل وصوله إلى "بابل". أما الذين تمكنوا من الهرب والوصول إلى "بابل"، فقد أُبيد أكثرهم كذلك. وقد اضطر "أب يتئ" "أب يتع" "Abjate" أن ينجو بنفسه بالهرب إلى البادية خشية أن يقع في الأسر، وذهب من ثم إلى "نينوى" حيث مثل أمام الملك طالبًا منه العفو والصفح، وقبل الملك عذره وصفح عنه، ثم أصدر أمره بتعيينه ملكا في مكان "Uaite'" الذي كان مشغولًا بغزو حدود الشام وفلسطين الشرقية المتاخمة للصحراء أي حدود أرض "أمورو" "Amurru" على رأي بعض العلماء ٣، وذلك بعد
_________________
(١) ١ Skizze، II، S. ٢٦٩، ٢٧٣ ٢ "أسور بانيبال" أدي شير، "ص١٣٢"، Real. I، S. ٣١٠، ٣١٢، Schrader، KAT. S. ٤٣٤، Streck< Borderasiatische Bibliotheck، VII، S. ٧٢، Deserta، P. ٤٨٥ ٣ لمعرفة آراء علماء الآشوريات في أرض "أمورو" التي تعني أرض المغرب، أو الرياح الغربية، استحسن الرجوع إلى ما كتب عن هذا الموضوع في: Real. I، S. ٩٩. ff. Hastings، P. ٢٧
[ ٢ / ٢٥١ ]
هزيمة "Uaite'" وتغلب الآشوريين عليه في حوالي سنة "٦٤٨ق. م."١. وقد وافق "أب يتئ" "Abjate'" أن يدفع جزية إلى الآشوريين، تتألف من ذهب وأحجار كريمة وجمال وحمير٢.
ولم يتمكن "Uaite'" من الثبات طويلًا والاستمرار على مهاجمة الآشوريين، إذ كلف الملك "آشور بانبال" حرس الحدود والقوات الآشورية التي كانت هناك مهاجمة أتباعه، ومعاقبة "Uaite'" الذي نسي الجميل، وخاس بعهده على حد قول "آشور بانبال"٣. وبعد مصادمات ومعارك وقعت بالقرب من "أزريلو" "٤Azarilu"، و"خير أتكاسي" "khiratakasi" و"أدومة" "Udume" في ممر "يبردو" "Jabrudu"، في "بيت أماني" "بيت عماني" "Bit Ammani" في منطقة "خوينه" "Khaurina" و"موابه" "Mu'aba" و"ساري" "Sa'ari" و"خرجه" "Kharge" و"صويبتي" "Subiti"، اضطر أتباع "أويتي" "Uaite'" إلى الرجوع إلى البادية للاحتماء بها، ويظهر أنهم أصيبوا في أثناء ذلك بخسائر فادحة. وقد أكره "أويتئ" بعد هذه الخسائر على الالتجاء إلى الملك "نتنو" "Natnu" ملك "نبيتي" "نبيطي" "Nabaitai" "Nabaiti" تاركًا زوجته بين أتباعه من قبيلة "قيدار"٥ "Qidri" "kedar.
ولما هاجم "أمولاني" "عمولاطي" "أمولاطي" "Ammulati" ملك قبيلة "قيدار" "قيدري" أرض مملكة "مؤاب" "Moab" أصيبت جيوشه بخسارة كبيرة، وسقط أسيرًا، ومعه "أديا" "عادية" "عدية" "Adija" زوجة "Uaite'" ملك "أريبي" في أيدي الملك "Kamashkalta" "Kamaskhalta" ملك مؤاب "٦٤٨ ق. م"، فأرسلا أسيرين إلى نينوى
_________________
(١) ١ Melasner، Konige، S. ٢٤٦، Deserta، P. ٤٨٦، RealL I، S. ٩ ٢ Descrta، P، ٤٨٦، Rawlinson، Cuneiform، ٥، Part، I، Plate، ٩، Col. ٨ II ٣٠. III، P ١. ٣٤، Streck، Die Inschriften Assurpanipals، II، ٨. ٦٨، ١٣٤، ٢٠٢ Reall. I، S. ١٢٦. ٣ ٤ Reall. I، S. ٣٢٥ ٥ Deserta، P. ٤٨٥، Rawlinson، IV، Part. I، P ١. ٩. Streck. II، S. ٦٤، ١٣٢
[ ٢ / ٢٥٢ ]
حيث سلما إلى "آشور بانبال"١. وكان "Ammulati" قد ساعد "شمش، شوم، أوكن" في ثورته على أخيه، وهاجم أرض المغرب "أمورو" "Ammurru"؛ لذلك سر "آشور بانبال" بهذا الانتصار الذي أحرزه "مؤاب". وقد رسم منظر غلب "آشور بانبال" وأسر "Ammulati" و"Adija" على جدار إحدى غرف قصر الملك "آشور بانبال"٢.
لقد أثرت الانتصارات التي أحرزتها جيوش "آشور" في نفس "نتنو" "ناتنو" "Natnu" ملك "Nabaiti"؛ فأخذ يتقرب إلى "آشور بانبال"، ومن جملة ما فعله في التقرب إليه أنه أرسل "Uaite'" -الذي كان قد التجأ إليه- إلى نينوى حيث سلم إلى الملك الذي أمر بوضعه في قفص؛ ليعرض على الناس عند أحد أبواب المدينة٣. وذكر "آشور بانبال" في كتابته أن منازل "Nabaiti" قبيلة "Natnu" بعيدة، ولم يسبق لها أن أرسلت رسلًا إلى بلاط أحد من أجداده وآبائه في نينوى من قبل، وأن هذه هي المرة الأولى التي يصل فيها من هذه القبيلة رسول٤.
وقد وصف "آشور بنبال" موقف الأعراب وصفًا مؤثرًا بهذه الكلمات: "اشتدت عليهم وطأة الجوع. ولكي يسدوا رمقهم، أكلوا لحوم صغارهم وقد سأل أهل العربية بعضهم بعضًا: ما بال بلاد العرب قد أحدق بها هذا الشر؟ فكان الجواب: تلك عاقبة من ينكث العهد، ويخرق المواثيق التي قطعناها لآشور"٥.
وذكر "آشور بانبال" أنه عامل "Uaite'" على هذه الصورة، وذلك في عباراته التي أمر بتدوينها في النص: "حبسته في مربط الكلاب، وضعته مع بنات آوى والكلاب، وأقمته على حراسة الباب في نينوى"٦.
_________________
(١) ١ British Museum Tablet، K٢٨٠٢، Rawllnson، ٣، PI.، ٣٤. Col. ٨. II، ٣١-٤٤، PI. ٣٥. ff.Col. ٥، II، ١٥-٣٠، Reall. I، S. ٣٦ ٢ Real. I، S. ٣٦، ٩٨، British Museum، A Guide to the Babylonian and Assyrian Antiquities، London، ١٩٢٢، P. ١٨٤، ٤٤، K. ٢٨٠٢، + K٣٠٤٧، -f- ٣٠٤٩ ٣ ReaLl. I، S. ١٢٦ ٤ Deserta، P. ٤٨٦. Ungnad. In Vorderasiatische Schrlftdcnkmaler، I، No. ٨٣، Col. ٣،II، ٤-١٦ ٥ LuckenbUl، II، ٨٨٨ ٦ Luckenbill، II، ٨١٩
[ ٢ / ٢٥٣ ]
ووصف حملته على الأعراب ومطاردته لهم بهذه الكلمات: "في رمضاء البادية وقيظها، حيث لا ترى طيور السماء وحيث لا يرى حمار الوحش ولا الغزال"١؛ وذلك من شدة جدب البادية، وعدم احتمالها الأحياء.
لم تنفع الشدة التي استعملها الآشوريون في القضاء على مقاومة الأعراب شيئًا. فما كاد "آشور بانبال" يشغل نفسه بقتال ملك "عيلام" وحربه في عام "٦٤٠-٦٤١ ق. م." حتى ثارت القبائل العربية على آشور بزعامة "أبيتأ" "أبي يثع" "Abijate'" بن "تاري" "Te'ri" الذي تحدثت عنه سابقًا، و"أويتئ" "Uaite'" الثاني، وهو ابن "بير دادا" "Bir Dadda"، وأخذت تتحرش ثانية بحدود المقاطعات الآشورية المتصلة بالبادية. ولما أرسل الآشوريون جيوشًا قوية لصد هذه الهجمات، طلبت قبيلة "قيدري" "قيدار" مساعدة "نتنو" ملك "نبتي" "Nabaiti"؛ فلبى الطلب وتحالف معهم، وأخذوا يهاجمون الحدود ومعهم قبيلتا "يسمع" يسمأ" "Isamme'" و"عثتر سمين" "Atarsamain". غير أن الجيوش الآشورية تمكنت -مع ذلك كما تدعي كتاباتهم- من الانتصار على "قيدار" وعلى حلفائهم؛ فانتصرت على "Isamme'" وعلى "Atarsamain" و"Nabaiti" في موضع في البادية بين "ياركي" "يركي" "Jarki" "أرك" شرق تدمر٢، و"أزلة"٣ "Azalla"، وشتتت شملهم. ثم انتصرت في معركة أخرى على "Atarsamain" على "قيدار" وقعت عند "Qurasiti"، وغنمت فيها غنائم كبيرة من الحمير والجمال والأغنام، كما أسرت أصنام "Uaite'" وأمه وزوجته وعددًا كبيرًا من أتباعه٤، وأخذوا إلى دمشق، وأسر "أبي يثأ" "Abjate'" وشقيقه "أيمو" "Aimnu" في المعركة التي وقعت عند "خوكريتا"٥ "Khukkurina" "Khukruna".
_________________
(١) ١ Luckenbill، II، ٨٢٣ ٢ Meissner، Konige، S. ٢٤٦، Streck، Bab. Vil، S. S. CCLXXXII، ff ٣ وتقع في بادية "تدمر" بين "يركي" "Jarki" ودمشق، Reall. I، S. ٣٢٥، Reall. I، Ite، Lieferung، S. ٩ ٤ Deserta، P. ٤٨٧ ٥ Deserta، P. ٤٨٨، Reall. I، S. ١٢٦
[ ٢ / ٢٥٤ ]
أما الملك "Uaite'"، فقد اعتصم مع عدد من أتباعه بالصحراء، غير أن الأمراض والأوبئة التي انتشرت بين أتباعه أكرهته على الذهاب إلى الآشوريين الذين نقلوه إلى نينوي، وعرضوه أمام الملك. وقد عُوقب عقًابا قاسيًا، وعُذِّب عذابًا شديدًا، ثم عفا عنه الملك بعد ذلك غير أنه لم يسمح له بالعودة إلى البادية، حيث أهله وأتباعه ومنازله، ولعله مات في نينوى١.
لقد وردت في أخبار حملات الآشوريين على العرب، أسماء مواضع منها ما يمكن التعرف عليه، ومنها ما ليس في الإمكان تشخيصه الآن، وقد تحدثت عن بعضها. ويرى بعض العلماء أن موضع "أزريلو" "Azarilu" المذكور في أخبار انتصارات "آشور بانبال" على العرب، هو موضع يقع في بادية الشام٢. وأما لفظة "أدومة" "Udume" فيرى "موسل" أنها تعني "إدوم" "Edom" أرض "الأدوميين" من ذرية "عيسو بن إسحاق" على رواية التوراة، وهم شعب استوطن في الأصل جبل "سعير"٣، ثم توسع فسكن في منطقة شملت كل تخوم كنعان الجنوبية من البحر الميت إلى الخليج الشرقي للبحر الأحمر، ومن ضمنها جبل "سعير"٤. وقد كان الأدوميون من أعداء العبرانيين.
ولما زاحم النبط الأدوميين على أرضهم، زحفوا نحو الشمال فسكنوا في "اليهودية" "judah"، وتوسعوا حتى تجاوزوا شمال "حبرون"؛ ولذلك دعيت هذه المنطقة باسم "الأدومية"٥ "Idumaea". وذكر المؤرخ اليهودي "يوسفوس" أن من أصنامهم صنمًا يدعى٦ "Koze"، ويذكرنا اسم هذا الصنم باسم الصنم "قزاح"، وهو صنم كان يعبد على مقربة من مكة٧.
_________________
(١) ١ Deserta، P. ٣٨٩، Rawlinson، The Five. II، P. ٤٩٢ ٢ Reall. I، S. ٣٢٥ ٣ التكوين، الإصحاح الثاني والثلاثون، الآية ٣، القضاة، الإصحاح الخامس، الآية ٤، قاموس الكتاب المقدس "١/ ٥٣"، Hastings، P. ٢٠٣ ٤ قاموس الكتاب المقدس "١/ ٥٣". ٥ Hastings، P. ٢٠٣ ٦ Josephus، Antiq. XV، ٧، ٩ ٧ Enc. Bibli. P. ١١٨٨
[ ٢ / ٢٥٥ ]
عليهم. كانوا يأتون إليهم بخيامهم "كالجراد في الكثرة، وليس لهم ولجمالهم عدد" حتى ذل الإسرائيليون١. وأصل المدينيين من جزيرة العرب، استقروا بأرض "مدين" جاءوا إليها من الحجاز، وأخذوا يغزون العبرانيين، ومنها هذه الغزوات التي يرجع بعض الباحثين تأريخها إلى النصف الأول من القرن الحادي عشر قبل الميلاد٢. أما العمالقة وبنو المشرق، فإنهم مثل المدينيين من قبائل العرب.
_________________
(١) ١ القضاة، الإصحاح السادس، الآية ٣ وما بعدها. ٢ Arabien، S. ٢١
[ ٢ / ٢٥٦ ]