الفصل الرابع: جزيرة العرب
ليس بين أشباه الجزر شبه جزيرة تنيف على شبه جزيرة العرب في المساحة؛ فهي أكبر شبه جزيرة في العالم. ويطلق العلماء العرب عليها تجوّزًا اسم "جزيرة العرب"١. تحيط بها المياه من أطرافها الثلاثة، ومع ذلك لم يستطع الجو البحري أن يخفف من حدة الحرارة فيها، ويتغلب على جفافها، والأبخرة المتصاعدة من البحر لا تتمكن أن تصل إلى أواسط بلاد العرب؛ لإنزال رحمتها عليها. فإن الرياح السمائهم، وهي ذات الحر الشديد النافذ في المسام، تتلقى الرطوبة التي تنبعث من البحار بوجه كالح عبوس، ومقاومة تسلبها قوتها، وتنتزع الرطوبة منها، وتمنعها في الغالب من الوصول إلى أواسط الجزيرة.
يحدّ جزيرة العرب من الشرق الخليج العربي المعروف عند اليونان باسم "الخليج الفارسي" "sinus persicus"، وما زال يعرف بهذه التسمية المأخوذة عن اليونانية في المؤلفات المعاصرة. أما قدماء أهل العراق؛ فقد عرف عندهم ب"البحر الجنوبي" و"البحر الأسفل" و"البحر التحتاني" "lower sea"٢، وبـ "البحر الذي تشرق منه الشمس" و" بحر الشروق" "sea of the rising sun"
_________________
(١) ١ الهمداني: صفة جزيرة العرب، ص٤٧، وسيكون رمزه: صفة، الألوسي: بلوغ الأرب "١/ ١٨٤ وما بعدها"، معجم البلدان "٣/ ١٠٠" وسيكون رمزه بـ "البلدان"، L.D. Stamp، Asia، an Economic and Regional Geography، P.، ١٣٣. "البلدان" ٢ Ancient Iraq، by Georges Roux، London ١٩٦٤، P.، ٢٩
[ ١ / ١٤٠ ]
وب "البحر المر" و"البحر المالح" و"نار مرتو" "nar marrtu" في الأشورية١. ويحدها من الجنوب المحيط الهندي، وقد أطلق بعض الكتبة اليونان واللاتين على القسم المتصل منه بسواحل جزيرة العرب الجنوبية والملاصق لسواحل إفريقية الشرقية المقابلة لهذه السواحل اسم "البحر الأريتري" "mare erythraeum". أما "بطلميوس" فقد أطلق على الماء المحصور بين عمان وحضرموت اسم "خليج سخاليته" "sinus sachalites"، وأطلق على القسم الغربي الباقي اسم "بحر ربرم"٢ "mare rubrum" "rubri maris"أي البحر الأحمر. وقد قصد الإغريق واللاتين بـ "mare rubrum" في الغالب البحر الأحمر الحالي والبحر العربي والخليج العربي؛ بل حتى المحيط الهندي، فهم يتوسعون في هذا الإطلاق كثيرًا٣.
أما حدّها الغربي، فهو البحر الأحمر كما يسمى في الخارطات الحديثة المعروف باسم "الخليج العربي" "sinus arabicus" في الخارطات اليونانية واللاتينية، وبـ "بحر القلزم" في الكتب العربية٤. أما العبرانيون، فقد أطلقوا عليه "هـ - يام" "هايم" "أليم"، ومعناه اللغوي "البحر" من "يم" "يام" بمعنى "بحر" و"ها" أداة التعريف التي هي في مقام "ال" في العبرانية، وذلك بصورة عامة، و"يام سوف yam suph" بصورة خاصة، وبـ "سوف" و"سوفة" أحيانًا٥. وقد فسّر "البيضاوي" لفظة "الميم"، الواردة في القرآن الكريم بهذا البحر، أي البحر الأحمر٦. وقد أريد بـ "mare erythraeum" وبـ "mare rubrum" أيضًا٧.
وشكل البحر الأحمر، شكل يلفت النظر، يظهر وكأنه خسط منظم ممتد من الشمال نحو الجنوب على هيئة ثعبان منتصب ذي قرنين. أما باقي جسمه؛ فإنه
_________________
(١) ١ Ancient Iraq، P. ٢٤٧. ٢ راجع الخارطات اليونانية واللاتينية الموضوعة في هذا الباب. ٣ Quintus Curtius، I، P. ٧٥ ٤ راجع الخارطات اليونانية واللاتينية، بلوغ الأرب "١/ ١٨٤ فما بعدها". ٥ "سوف" في اللغة العبرانية، بمعنى أعشاب ضارة، حشائش ودغل. ٦ تفسير البيضاوي "٧/ ١٣٢، ٣٤١" Smith، A Dictionary of the Bidle Comprising Its Antiquities، Biography، ٦ تفسير البيضاوي "٧/ ١٣٢، ٣٤١". ٧ Smith، vol. ١. P. ١٠٠٩.
[ ١ / ١٤١ ]
البحر العربي. أما هذا الثعبان؛ فقد كان أرضًا في الأصل، خسفت على هذه الصورة في الزمن الثالث من الأزمنة الجيلوجية١، فابتعدت بذلك بلاد العرب عن إفريقية، إلا من ناحية الشمال، حتى لا تكون هناك قطيعة تامة، وارتفعت بذلك السواحل الغربية؛ نتيجة انخساف الأرض، فسالت إلى الأرض المنخسفة مياه البحر العربي، ولو تم الخسف، وامتدّ إلى "طور سيناء" فشطرها، لما كانت هناك حاجة إلى قيام الإنسان فيما بعد بإتمام العمل الذي لم تكمله الطبيعة، وهو إيصال البحر الأحمر إلى البحر الأبيض بقناة السويس.
وهناك من يرى أن البحر الأحمر كان بحيرة في الأصل، وكانت إفريقية والعربية الجنوبية قطعة واحدة عند جنوب هذه البحيرة، أي عند ما يسمى بـ "مضيق باب المندب" في الزمن الحاضر؛ ولكن خسفًا وقع، أدى إلى انفصال إفريقية عن العربية الجنوبية الغربية؛ فاتصل المحيط الهندي بالبحيرة، وتكوّن البحر الأحمر. وقد كان الناس قبل وقوع هذا الانفصال يتنقلون برًّا وكأن إفريقية وجزيرة العرب قطعة أرض واحدة، ومن هنا كانت الهجرات.
أما خليج العقبة؛ فقد عُرف بـ "خليج أيلة" وبـ "خليج الأيلانيين"، "sinus aelanites" "sinus aelaniticus" في الكتب الكلاسيكية، نسبة إلى مدينة "أيلة" المسماة "إيلات" "elath" و"أيلوت" eloth عند العبرانيين. وهي مدينة مهمة من مدن "أدوم" "الأدوميين"١. وأما "خليج السويس" فقد عرف بـ "sinus heroopolites" "sinus heroopoliticus" عند اليونان واللاتين٢.
ويحصن مناطق واسعة من ساحل جزيرة العرب على البحر الأحمر صخور مرجانية تفتك بالسفن التي تتجاسر فتقترب منها، نبتت في تلك المواضع لتحمي الساحل من وصول الأجانب إليه. ولكنها أضرت سكانه من ناحية أخرى؛ إذ جعلت الملاحة صعبة في هذه الأماكن، فقللت بذلك الاستفادة من الاتجار بالبحر، وقللت أيضا من عدد الموانئ الصالحة لرسو السفن على هذا الساحل. وهناك جزر متفرقة تقابل الساحل، أكثرها مهجور، وبعضها قليل السكان، ومعظمهم خليط
_________________
(١) ١ بروكلمن: تأريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة الدكتور نبيه أمين فارس ومنير البعلبكي "طبعة دار العلم للملايين"، الجزء الأول "ص١٠". ٢ Hastings، P. ٢١١، Smith، vol. ١ ١٠٠٩
[ ١ / ١٤٢ ]
من دم إفريقي أسود ومن عرب، عاشوا في الجاهلية وفي الإسلام على التعرض للسفن بالغزو وعلى الصيد.
ويرى بعض الباحثين أن البحر الأحمر لم يكن وحده نتيجة خسف أصاب بلاد العرب ففصلها عن إفريقية إلا من جهة "طور سيناء"؛ بل إن سواحل بلاد العرب الأخرى، أي السواحل الجنوبية والسواحل الشرقية، تعرضت هي أيضًا لهزّات عديدة، فخسفت في مواضع عديدة مثل "عدن"؛ حيث تكوّن خليج عدن، ومثل الخليج العربي، وكانت هذه الهزات والتصدعات استجابة لتصدع واهتزازات حدثت في الشمال على مقربة من حدود بلاد الشام؛ فامتدت إلى وادي الأردن والبحر الميت فوادي عربة إلى خليج العقبة. وهكذا تعرضت جزيرة العرب في عصور سحيقة في القدم قبل الميلاد لهزات وتحركات أرضية، حتى جعلتها على الشكل الذي نراه عليه الآن١.
وحدّها الشمالي خط وهمي يمتد في اصطلاح العلماء العرب من خليج العقبة حتى مصبّ شط العرب في الخليج العربي؛ فيكون النفود الشمالي من الحدود التي تفصل الهلال الخصيب عن جزيرة العرب. أما من الناحية "الجيلوجية"، فإن باطن الهلال وحدة لا يستطاع فصلها عن تربة الجزيرة، وجزء لا يختلف من حيث طبيعته الصحراوية وخواصه عن سائر أنحاء بلاد العرب. وأما من الناحية التأريخية، فإن هذا الخط الوهمي المتصور، هو وهم وخطأ، فقد سكن العرب في شمال هذا الخط قبل الميلاد بمئات السنين. سكنوا في العراق من ضفة نهر الفرات الغربية، وامتدوا في البادية حتى بلغوا أطراف الشام. وسكنوا في فلسطين وطور سيناء، حتى بلغوا ضفاف النيل الشرقية. وهي أرضون أدخلها الكتبة القدامى من يونان ولاتين وعبرانيين وسريان في جملة مساكن العرب ودعوها بـ "العربية" وبـ "بلاد العرب"؛ لأن أغلب سكانها كانوا من العرب٢، حتى ذهب بعض علماء "التوراة"، إلى أن "بلاد العرب" في التوراة، هي مواطن "الإسماعيليين ishmaelite" و"القطوريين keturaean"، أي البوادي التي نزلت بها القبائل المنتسبة إلى "إسماعيل" و"قطورة". وهي
_________________
(١) ١ B.R. ٥٢٧ (Restricted)، Geographical Handbook، Series for Official use only، Western Arabia and the Red Sea، June ١٩٤٦، Naval Intelligence Division، PP.، ١١ ٢ O'Leary، Arabia before Muhammad، P.، ٥.
[ ١ / ١٤٣ ]
قبائل بدوية، كانت على اتصال بالعبرانيين، وهي بوادٍ تقع شمال جزيرة العرب وفي الأقسام الشمالية منها١.
أما "أريي"، أي "العربية" في النصوص الأشورية، و"ماتو أريي" "matu a-ra-bi"، أي "أرض العرب" و"بلاد العرب" في النصوص البابلية، و"أربايا" "arabaya" "arpaya" في النصوص الفارسية، "بيث عرباية" "beth' arabaya" في الإرمية؛ فإنها كلها تعني البادية الواسعة التي تفصل العراق عن بلاد الشام. أما حدودها الجنوبية، فلم تحددها النصوص المذكورة٢. ولكننا نستطيع أن نقول أن امتدادها كان يتوقف على مبلغ علم تلك الشعوب بالعرب، وعلى المدى الذي وصل إليه تعاملهم في بلاد العرب.
فبلاد العرب أو "أرض العرب" "مت أربي" "mat arabi" "mat aribi" هي بادية الشأم أيضًا، وهي كل الأرضين التي تحدها جبال "الأمانوس" "amanus" في الشمال، أي الأرضين التي تقع في جنوبها وكل شبه جزيرة سيناء عند "بلينيوس"٣ "plinius". فهن إذن أوسع جدًا مما تصوره علماء الجغرافيا المسلمون لجزيرة العرب.
وإذا نظرنا نظرة عامة إلى خارطة جزيرة العرب، تيسطر على السواحل الضيقة، وتكوّن سلاسل من المرتفعات متصلًا بعضها ببعض، تمتد من بلاد الشأم إلى اليمن، ويقال لهذه المرتفعات جبال "السّراة"٤. وهي توازي ساحل البحر الأحمر، وتقترب منه في مواضع عديدة ويبلغ متوسط ارتفاعها زهاء خمسة آلاف قدم. أما أقصى ارتفاع لها، فيبلغ زهاء ١٢.٣٢٦ قدمًا، وهو في اليمن٥.
وأما الأرضون المحصورة بين هذه السلسة وساحل البحر؛ فإنها ضيقة، تسيطر عليها هذه المرتفعات، وتنحدر إليها انحدرًا شديدًا قصيرًا. وسواحلها
_________________
(١) ١ Hastings، A Dictionary of the Bible، Vol.، ١، P.، ٥٨٥. ٢ Encyclopaedia Biblica، Vol.، I، Col.، ٢٧٣. ٣ Pliny، Nat. Hist، VI، ١٤٢. f.، A. Grohmann، Arabien، S.، ٣. ٤السراة: أعلى كل شيء، وهنالك مواضع عديدة يقال لها سراة مضافة إلى القبائل، تاج العروس "١٠/ ١٧٤"، البلدان "٥/ ٥٩". ٥ C. Rathjens und H. von Wissman: Suedarabische Reise، Hamburg، ١٩٣٤، Bd.، Ill، S-، ٢، Ency. Brit.، Vol.،٢،P.، ١٦٩
[ ١ / ١٤٤ ]
المهيمنة على البحر، صخرية في أغلب الأحيان، يصعب رسو السفن فيها١. وطالما تحطمت عليها السفن المنكوبة، فتكون طعامًا للبحر، وللأعراب الساكنين على السواحل؛ فيكون من ينجو بنفسه من أصحاب تلك السفن وما يتبقّى من حطامها ملكًا لأولئك الساكنين بحسب عرف أهل ذلك الزمان وعاداتهم.
أما الانحدار إلى البحر العربي والخليج العربي، فإنه يكون تدريجيًا وطويلًا ولذلك تكون الأقسام الغربية من جزيرة العرب أعلى من الأقسام الشرقية. وتتألف الأرضون الوسطى من هضبة تُدعى "نجدًا"، يبلغ متوسط ارتفاعها زهاء ٢٥٠٠ قدم. وتمتد في الأقسام الجنوبية من الجزيرة سلاسل من الجبال، يتفاوت ارتفاعها، تسيطر على المنخفضات الساحلية، وعلى ما يليها من أرضين من جهة البرّ، وتتصل هذه بسلسلة جبال اليمن، وتكثر فيها الأودية التي تفصل بين السلاسل، وتأخذ مختلف الاتجاهات من الشمال الشرقي أو من الشمال الغربي إلى سواحل البحر؛ حيث تمثل اتجاهات المياه والسيول٢. ويكون أعلى ارتفاع لسلسلة الجبال الجنوبية في أقصى الجنوب الشرقي من الجزيرة، أي في عمان؛ حيث يبلغ ارتفاع الجبل الأخضر زهاء عشرة آلاف قدم٣.
وتتكون أغلب الأرضين في جزيرة العرب من بوادٍ وسهول، تغلبت عليها الطبيعة الصحراوية؛ لكن قسمًا كبيرًا منها يمكن إصلاحه إذا ما تعهدته يد الإنسان، واستخدمت في إصلاحه الوسائل العلمية الحديثة. وأما الأرضون الصالحة للزراعة، فإنها تزرع فعلًا لوجود المياه فيها. أما الأرضون التي تعدّ اليوم من المجموعة الصحراوية، فهي:
_________________
(١) ١ Hitti، P.، ١٤. ٢ Ency. Brit.، Vol.، ٢، P.، ١٦٩. ٣ Ency. Brit.، Vol.، ٢، P.، ١٦٩، Hitti، P.، ١٤.
[ ١ / ١٤٥ ]