الفصل الثامن: طبقات العرب
اتفق الرواة وأهل الأخبار، أو كادو يتفقون على تقسيم العرب من حيث القدم إلى طبقات: عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة. أو عرب عاربة، وعرب متعربة، وعرب مستعربة. أو عرب عاربة وعرباء وهم الخلص، والمتعربة. واتفقوا أو كادوا يتفقون على تقسيم العرب من حيث النسب إلى قسمين: قحطانية، منازلهم الأولى في اليمن. وعدنانية، منازلهم الأولى في الحجاز١.
واتفقوا، أو كادوا يتفقون على أن القحطانيين هم عرب منذ خلقهم الله، وعلى هذا النحو من العربية التي نفهمها ويفقهها من يسمع هذه الكلمة. فهم الأصل، والعدنانية الفرع، منهم أخذوا العربية، وبلسانهم تكلم أبناء إسماعيل بعد هجرتهم إلى الحجاز، شرح الله صدر جدهم إسماعيل، فتكلم بالعربية، بعد أن كان يتكلم بلغة أبيه التي كانت الإرمية، أو الكلدانية، أو العبرانية على بعض الأقوال٢.
ونجد الأخباريين والمؤرخين يقسمون العرب أحيانًا إلى طبقتين: عرب عاربة، وعرب مستعربة. ويدخلون في العرب العاربة عادًا وعبيل ابني "عوص بن إرم"،
_________________
(١) ١ ابن خلدون "٢/ ١٦" "طبعة بولاق"، الهلال: الجزء العشرون، السنة الخامسة حزيران، ١٨٩٧ "ص٧٦٨ فما بعدها"، تاج العروس "٣/ ٣٣٣"، "الكويت" ٢ مرج الذهب "١/ ٢٦٢"، نهاية الأرب، للنوبري" ٢/ ٢٩٢".
[ ١ / ٢٩٤ ]
وثمود وجديس ابني "جاثر بن إرم"، وعمليق وطسم وأميم بني "لوذان بن إرم"، و"بني يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام"، وهم: جرهم، وحضرموت، والسلف، وجاسم بن عمان بن سبأ بن يقشان بن إبراهيم١. أما "الهمداني"، فقد عدّ كل القبائل التي أولها "جاسم" وآخرها "عَبس الأولى" من العرب العاربة٢. والقبائل المذكورة هي "جاسم" الذين نزلوا بعمان والبحرين، وبنو هيف، وسعد، وهزان الأولى، وبنو مطر، وبنو الأزرق، وبنو بديل، وراجل، وغفار، وتيماء، وبنو أثابر، وبنو عبد ضخم٣.
وظل الرواة يتوارثون هذا التقسيم كلما بحثوا في تأريخ العرب قبل الإسلام، وفي موضوع الأنساب. ولا حاجة بنا إلى أن نعود، فنقول: إن كل ما روي من هذا التقسيم وما رواه الرواة من أخبار تلك الطبقات، لم يردْ إلينا من النصوص الجاهلية، وإنما ورد إليها متوترًا من الكتب المدوّنة في الإسلام، لذلك لا نستطيع أن نجرؤ فنقول: إن هذا التقسيم وضعه الجاهليون، وتوارثوا كابرًا عن كابر، حتى وصل إلى صدر الإسلام، ثم منه إلينا.
وتقسيم العرب إلى طبقات -وذلك من ناحية القدم والتقدم في العربية- هو تقسيم لا نجد له ذكرًا لا في التوراة أو الموارد اليهودية الأخرى ولا في الموارد اليونانية أو اللاتينية، أو السريانية. ويظهر أنه تقسيم عربي خالص، نشأ من الجمع بين العرب الذين ذكر أنهم بادوا قبل الإسلام، فلم تبقَ منهم غير ذكريات، وبين العرب الباقين، وهم إما من عدنان، وإما من قحطان.
وجماع العرب البائدة في عرف أكثرها أهل الأخبار، هم: عاد، وثمود، وطسم، وجديس، وأميم، وجاسم، وعبيل، وعبد ضخم، وجرهم الأولى، والعمالقة، وحضورًا٤. هؤلاء هم مادة العرب البائدة وخامها، وهم أقدم طبقات العرب على الإطلاق في نظر أهل الأخبار.
_________________
(١) ١ المحبر "ص٣٩٥". ٢ الإكليل"١/ ٧٥". ٣ الإكليل"٢/ ٧٢ فما بعدها". ٤ الطبري "١/ ١٠٣ فما بعدها"، "١/ ٢٠٣ فما بعدها"، طبعة "دار المعارف"، وتجد اختلافا في الأنساب، التنبيه والإشراف "١٥٧"، "طبعة الصاوي، "العرب العاربة سبع قبائل" "وهم تسع قبائل" "وهم تسع قبائل" تاج العروس "٣/ ٣٣٣"، "الكويت"،
[ ١ / ٢٩٥ ]
أما عاد، فإنهم من نسل "عاد بن عوص بن إرم". وأما ثمود فمن نسل "ثمود بن غاثر بن إرم". وأما "طسم"، فمن نسل "طسم بن لاوذ". وأما "جديس"، فمن نسل "جديس بن غاثر بن إرم"، في رواية أو من نسل "جديس بن لاوذ بن سام" على رواية أخرى١. وأما "أميم"، فإنهم من نسل "أميم بن لاوذ بن سام"٢. وأما "جاسم"، فمن نسل "جاسم"، وهو من العماليق أبناء "عمليق"، فهم إذن من نسل "لاوذ بن سام". وأما "عبيل"، فإنهم من نسل "عبيل بن عوص بن إرم"٣. وأما "عبد ضخم"، فمن نسل "عبد ضخم" من نسل "لاوذ"، وقد جعلوا من صُلْب "أبناء إرم" في رواية أخرى. وأما "جرهم الأولى"، فمن نسل "عابر"، وهم غير جرهم الثانية، الذين هم من القحطانيين٤. وأما العمالقة، فإنهم أبناء "عمليق بن لاوذ"، وأما "حضورا"، فإنهم كانوا بالرّسّ، وهلكوا.
نرى مما تقدم أن أهل الأخبار قد رجعوا نسب العرب البائدة إما إلى "إرم"، وإما إلى "لاوذ"، باستثناء "جرهم الأولى" الذين ألحق بعض النسابين نسبهم بـ "عابر". وهذه الأسماء هي أسماء توارتية، وردت في التوراة، وأخذها أهل الأخبار من منابع ترجع إلى أهل الكتاب، وربطوا بينها وبين القبائل المذكورة، وكوّنوا منها الطبقة الأولى من طبقات العرب.
و"إرم"، هو شقيق "لاوذ" في التوراة، وأبوهما هو "سام بن نوح"، وقد ترك "سام" هذا من الأولاد "أشور" asshur و"أرفكشاد" و"لود"و"إرم" و"عيلام". كما ورد في التوراة٥. وقد أجرى أصحاب الأخبار بعض التحوير والتغيير في هذه الأسماء، بأن صيّروا "أشور" "أشوذ" و"انشور" و"أرفكشاد" "أرفخشذ"، و"لود" "لاوذ"، و"عيلام" "عويلم". أما "إرم"، فقد أبقوه ولم يغيّروا في شكله٦.
_________________
(١) ١ "وولد للاوذ بن سام: طسم وجديس"، الطبري "١/ ٢٠٤، ٢٠٦"، "دار المعارف". ٢ الطبري: ١/ ٢٠٣، "دار المعارف". ٣ الطبري ":١/ ٢٠٣ وما بعدها"، "عوض"، الكامل "١/ ٣١"، مروج "١/ ٢٤". ٤ ابن خلدون "٢/ ٧، ٣٠"، صبح الأعشى "١/ ٣١٤". ٥ "آشور" "أشور" asshur أرفكشاد، أرفخشن، arpachshad لود، lud لوديم، ludim إرم aram "عيلام"، elam ٦ الطبري "٢٠٣"، "دار المعارف".
[ ١ / ٢٩٦ ]
ولا نجد لـ "لود" أي "لاوذ" ولدًا في التوراة. فأولاده المذكورون هم هدية من أهل الأخبار قدمت إليه. أما "إرم"، وهو "آرام" في التوراة، فإن له من الأولاد "عوص" و"حول" و"ماش" و"كيثر"١. ولم تذكر التوراة ولدًا لهؤلاء الأبناء الأربعة، فالأولاد الذي ذكرهم أهل الأخبار، على أنهم ولد "عوص" و"كيثر" "غاثر" "كاثر"، هم هبة من الأخباريين قدموها إلى هذين الأخوين.
وأما "لود" الذي صار "لاوذ"، عند أهل الأخبار، فإن آراء الباحثين في التوراة مختلفة في المراد منه. وقد ظن بعضهم أنه جدّ "اللوديين"، وذكر هؤلاء "اللوديين" مع "كوش" و"فوط"، وبين "فارس" و"فوط".
وأما "لود" أبوهم، فإنه ابن "مصرايم" أي مصر٢. ويحملنا هذا على التفكير في أنهم شعب من شعوب إفريقيا. ولكن هذا الرأي يخالف ما جاء عن "لود" من أنه ابن "سام"، وأنه شقيق لإخوته المذكورين الذين تقع أملاكهم في الهلال الخصيب، ومقياسًا على هذه المواضع يجب أن يكون ملكه في هذه الأرضين أيضا. ومهما يكن من شيء، فإن آراء العلماء متباينة في مواضع نسله، ولم ينوّه أحد منهم أنها في جزيرة العرب٣.
وأما عوص، فإن آراء العلماء متباينة كذلك في المكان المنسوب إليه، فذهب بعضهم إلى أن أرض "عوص" يجب أن تكون على تخوم "أيدوم"٤ أو تخوم العربية الشمالية، وذهب بعض آخر إلى أنها المناطق التي على نهر الفرات، وذهب بعضهم إلى أنها في منطقة "حوران" وذهب بعض آخر إلى أنها أرض "دمشق" و"اللجاة" "اللجاء"٥، وذهب آخرون إلى أنها في الحجاز أو في نجد٦. ورأى بعض أهل الأخبار أن منزل "عوص" هو "الأحقاف"٧.
_________________
(١) ١ "عوص" uz "حول" hul ماش mazh كيثر –كاثر- جاثر-غاثر- gether التكوين، الإصحاح العاشر، الآية ٢٣. ٢ "مصرايم"، mizraim ٣ قاموس الكتاب المقدس "٢/ ٢٩٩"، hastings، p،، ٥٥٧ ٤ "أيدوم"، "idumaea" "edom". ٥ trachonitis. ٦ قاموس الكتاب المقدس "٢/ ١٢٦"، hastings، p،، ٩٥٦. ٧ الطبري "١/ ٢٠٦"، "دار المعارف.
[ ١ / ٢٩٧ ]
وأرض "عوص" هي موطن "أيوب" الشهير صاحب السفر المعروف باسمه، والذي ورد ذكره في القرآن الكريم، وضُرب به المثل في الصبر.
وأكاثر "جاثر" "gether"، فلا يعلم من أمره شيء١، ويجب أن تكون مواطن "الكاثريين" في الهلال الخصيب، أو في بادية الشام، أو في التخوم الشمالية لجزيرة العرب، وذلك نظرًا لوروده مع "عوص" و"ماش".
وقد جعل أهل الأخبار "النبط" من نسل "نبيط بن ماش"، وجعلوا أهل الجزيرة والعال من ولد "ماش" كذلك٢. أما النبط في التوراة، فإنهم "نبيوت"٣ نسبة إلى الابن الأكبر لأبناء "إسماعيل" المسمى بـ "نابت" عند أهل الأخبار٤ وليس ل "ماش" علاقة به وبالنبط. وأما "ماش"، فإنه كناية عن موضع سكنه جماعة عُرفوا بهذا الاسم، لعله "بادية ماش" "صحراء ماش" المذكورة في الكتابات الأشورية، وهي في البادية الكبيرة المسماة "بادية الشام"٥.
_________________
(١) ١ hastings، p،، ٢٩٢. ٢ الطبري "١/ ٢٠٧". ٣ "نبيوت"، nebaioth. ٤ التكوين، الإصحاح الخامس والعشرين، الآية ١٣، أخبار الأيام الأول، الأيام الأول، الإصحاح الأول، الآية ٢٩، hastings، P.، ٦٤٨ ٥ التكوين، الإصحاح العاشر، الآية ٢٣، أخبار الأيام الأول، الإصحاح الأول، الآية ١٧، hastings، p،، ٥٩٠.
[ ١ / ٢٩٨ ]