ويرد مع قوم "عاد" ذكر نبي منهم، هو "هود"، وقد نعت في القرآن الكريم بـ "أخي عاد": ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ١. كما نعت القرآن عادًا بقوم هود: ﴿أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ ٢. ﴿قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ ٣. وقد نسبه الناسبون إلى "الخلود بن معيد بن عاد"٤، وإلى "عبد الله بن رباح ابن جاوب بن عاد بن عوص بن إرم"٥، وإلى "عبد الله بن رباح بن الخلود ابن عاد بن عوص بن إرم"٦، ومن أهل الأنساب من زعم أنه "عابر بن شالخ ابن أرفخشذ بن سام بن نوح"، إلى غير ذلك من روايات٧.
وقد وردت قصته مع قومه ونهيه لهم عن عبادة الأصنام في القرآن الكريم٨.
وقد ضُرب المثل بكفر رجل من عاد، اسمه "حمار"، فقيل: "أكفر من حمار"، قالوا: "هو رجل من عاد، مات له أولاد، فكفر كفرًا عظيمًا، فلا يمر بأرضه أحد إلا دعاه إلى الكفر، فإن أجابه، وإلا قتله"٩. وذلك على نحو ما ذكرته عنه قبل قليل. وهي قصة واحدة، رويت بطرق متعددة،
_________________
(١) ١ الأعراف ٧، آية ٦٥، سورة هود، ١١، آية ٥٠، الشعراء، ٢٦، آية ١٢٤. ٢ هود، ١١، آية ٦٥. ٣ هود، ١١، آية ٨٩. ٤ نهاية الأرب "١٣/ ٥٢"، الإكليل"١/ ٩٣". ٥ المعارف "١٤". ٦ الطبري "١/ ٢١٦" "دار المعارف". ٧ الطبري "١/ ٢١٦"، ابن خلدون "٢/ ٢٠"، البداية والنهاية، لابن كثير "١/ ١٢٠" ٨ سورة هود، ١١ آية ٦٥، ٧٩، الشعراء، ٢٦، آية ١٢٤، الأعراف ٧، آية ٦٥. ٩ اللسان "٥/ ٢٩٥".
[ ١ / ٣١٠ ]
تختلف في التفاصيل، لكنها متفقة من حيث الفكرة والجوهر، وعليها طابع قصص الوعّاظ وأهل الأخبار. وقد ذكر أصحاب الأخبار أن غالبية "عاد" كفرت بنبوة "هود"، ولم تؤمن به، لهذا أصابها العذاب والهلاك. ولم ينجَ منهم إلا من آمن بـ "هود" واتّبعه وسار معه حين ترك قومه: قوم عاد.
وقد نبّه المستشرقون إلى وجود شبه بين هود و"هود" الواردة في القرآن أيضًا بمعنى "يهود"١: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ ٢. وأشاروا إلى أن "هودا" تعني التهوّد، أي الدخول في اليهودية، كما لاحظوا أن بعض النسّابين قالوا إن هودا هو "عابر بن شالح بن أرفكشاد" جدّ اليهود، فذهبوا إلى أن هودًا لم يكن اسم رجل، وإنما هو اسم جماعة من اليهود هاجرت إلى بلاد العرب، وأقامت في الأحقاف، وحاولت تهويد الوثنيين، وعُرفوا بيهوذا، ومنها جاءت كلمة "هود"٣، وأنها استعملت من باب التجوّز عَلَمًا لشخص٤.
وزعم الرواة أن هودا ارتحل هو ومن معه من المؤمنين بعد النكبة التي حلّت بقومه الكافرين من أرض عاد إلى الشحر. فلما مات دفن بأرض حضرموت٥. ويدّعي الرواة أنه قبر في وادٍ يقال له "وادي برهوت" غير بعيد عن "بئر برهوت"التي تقع في الوادي الرئيسي للسبعة الأودية٦. وهي من الآبار القديمة
_________________
(١) ١ اللسان "٤/ ٤٥١"، القاموس "١/ ٣٤٩"، Enc، vol ٢، P. ٣٢٧. f. Hirschfeld، Beitraege zu Erklaerung des Koran Leipzig، ١٨٨٦، S. ١٧، Note، ٤. ٢ البقرة، ٢، آية ١١١، ١٣٥، ١٤٠ ٣ الهلال، ٢٣، سنة ٦، جزء اب، ١٨٩٨ "ص٨٩٤". ٤ "والهود: جمع هائد، وهو التائب، والهود،: اليهود، قال الله تعالى: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ . التهويد: المشي الرويد، وفي حديث عمران بن حصين: إذا متّ فخرجتم بي فأسْرِعوا المشي ولا تهوّدوا كما تهوّد اليهود والنصارى"، "وهوّد الإنسان ولده: أي جعله على دين اليهود"، منتخبات "ص١١١ ما بعدها"، enc،vol،،٢، p،، ٣٢٨. ٥ "قال الواقدي: "ما يعلم موضع قبر نبي من الأنبياء، إلا ثلاثة: قبر إسماعيل فإنه تحت الميزاب بين الركن والبيت، وقبر هود، فإنه في حقف من الرمل تحت جبل من جبال اليمن عليه شجرة تندى وموضعه أشد الأرض حرا، وقبر رسول الله، ﷺ، فإن هذه قبورهم بحق"، الطبقات، القسم الأول من الجزء الأول" ص٢٥"، "تحقيق سخو"، نهاية الأرب "١٣/ ٦٠"، forster، vol،،٢، pp،، ٣٧٤. ٦ البكري، تأريخ حضرموت السياسي "١/ ٦٥ فما بعدها".
[ ١ / ٣١١ ]
التي اشتهرت في الجاهلية بكونها شر بئر في الأرض، ماؤها أسود منتن، تتصاعد من جوفها صيحات مزعجة، وتخرج منها روائح كريهة، ولذلك تصور الناس أنها موضع تتعذب أرواح الكفار فيه١.
ويذهب السياح الذين زاروا هذا المكان ودرسوه إلى أنه موضع بركان قديم، يظهر أنه انفجر، فأهلك من كان حوله. ويؤيده هذا الرأي ما ورد في الكتب العربية من أنه كان يسمع لهذا المكان أصوات كالرعد من مسافات، وأنه كان يقذف ألوانًا من الحمم يُسمع لها أزيز راعب٢. ومن هنا نشأت قصة قبر هود، وعذاب عاد في هذا الموضع، على رأي المستشرق "فون كريمر"٣.
ولا يزال هذا الموضع الذي يقال له "قبر هود"، يزار حتى الآن يقصده الناس من أماكن بعيدة في اليوم الحادي عشر من شعبان للزيارة، وربما كان من الأماكن التي كان يقدسها الجاهليون٤.
وفي هذه المناطق آثار مدن بائدة، وقرى جاهلية، وتشاهد كهوف ومغاوِر على حافتي الوادي، وكتابات وصور منقوشة على الصخور تدل كلها على أنها كانت من المناطق المأهولة، وأنها تركت لسبب آفات وكوارث طبيعية نزلت بهذه الديار٥.
ورأى نفر من المستشرقين أن هذا المكان الذي فيه قبر "هود" هو الموضع الذي سماه الكتّاب اليونان styx أو stygis، والذي زعم الرومان أن قبيلتين من قبائل جزيرة "اقريطش" "كريت" وهما قبيلة minos و"رودومانتس"
_________________
(١) ١ البلدان "٢/ ١٥٧"، "خير بئر في الأرض زمزم، وشر بئر في الأرض برهوت"، منتخبات "ص٧"، "برهوت واد معروف قيل هو بحضرموت، وفي حديث علي ﵇: شر بئر في الأرض برهوت. هي بفتح الباء والراء، بئر عميقة بحضرموت لا يستطاع النزول إلى قعرها. ويقال: برهوت بضم الباء وسكون الراء"، اللسان "١/ ١٤٣"، "٢/ ٣١٤". ٢ تأريخ حضرموت السياسي "١/ ٦٧". ٣ "ويفيض وادي ثوبة إلى بلد مهرة، وحيث قبر هود النبي، صلى الله عليه، وقبره في الكثيب الأحمر، ثم منه في كهف مشرف في أسفل وادي الأحقاف، وهو واد يأخذ من بلد حضرموت إلى بلدة مهرة مسيرة أيام، وأهل حضرموت يزورونه هم وأهل مهرة في كل وقت"، صفة "ص٧"، von kremer، uber die suedarabische sage، s،، ٢١ ٤ تأريخ حضرموت السياسي "١/ ٦٢"، enc،، vol،،i،،p،، ٦٣٤. ٥ تأريخ حضرموت السياسي "١/ ٦٢، الهلال: الجزء السادس عشر، السنة السادسة، نيسان ١٨٩٨ "ص٦٠٥".
[ ١ / ٣١٢ ]
rhodomantys تركتا موطنهما الأصلي، وارتحلتا إلى هذا المكان الذي ضم مئات من القبائل العربية، فكانتا من أقواها. وقد سكنتا في رأيهم، على مقربة من موضع سماه "بلينيوس" stygis aguniae fossa١.
أما الأخباريون الذين زعموا أن "هودًا" اعتزل قومه بعد يأسه من قبول دعوته، وأنه ذهب مع من آمن به إلى مكة؛ فقد ذهبوا إلى أنه عاش فيها أمدًا، ثم مات هناك، فقبره بمكة مع قبور ثمانية وتسعين نبيًّا من الأنبياء٢.
وذكر جماعة أنه بدمشق في المسجد الأموي٣. ولعلّ القصص الوارد عن "دمشق"، وأنها "إرم ذات العماد" هو الذي أوحى إلى هؤلاء فكرة جعل قبر "هود" بدمشق. ومهما يكن من شيء فإن هناك جماعة من أهل الأخبار قبرت بعض الأنبياء في هذه المدينة، واختارت المسجد الأموي نفسه مقبرة لهم. ولعلّ ذلك بسبب أن هذا المسجد كان كنيسة معظّمة قديمة عند أهل دمشق قبل دخولهم في الإسلام، وكان قد قبر فيها جماعة من قديّسيهم ورجال دينهم؛ فلما تحوّلت الكنيسة إلى جامع تحوّلت قبور هؤلاء بعواطف الناس القديمة إلى قبور أنبياء. وقد ظهر مثل هذه الروايات التي تمجد الجامع الأموي في الوقت الذي تحصن فيه "ابن الزبير" بمكة، وتحزّب أهل الحجاز على الأمويين.
وقد اتخذ القحطانيون هودًا جدًّا من أجدادهم، وألحقوا نسبهم به، وتفاخروا به٤. فعلوا ذلك بدافع العصبية والمفاخرة على العدنايين الذين كانوا يقولون إن فيهم الأنبياء، ولم يكن في قحطان نبيّ، فأوجد نسّابوهم نسبًا يوصلهم إلى الأنبياء، كما أوجدوا لهم نسبًا احتكر لهم العروبة، وجعلهم الأصل والعدنانيون من الطارئين عليهم، كما سيأتي الحديث عن ذلك.
_________________
(١) ١ enc، vol، i، p، ٦٥٤، wensinck، p، ١٧٥. ٢ أخبار مكة، للأزرقي "١/ ٣٠ ما بعدها"، enc، vol ٢، p، ٣٢٧ ٣ رحلة ابن بطوطة "١/ ٢٠٥"، "٢/ ٢٠٣" "طبعة باريس". ٤ "هود النبي، ﵇، المرسل إلى عاد المذكور في القرآن، هو أبو قحطان قحطان بن هود. قال حسان: أبونا نبي الله هود بن عابر وهو هود بن عابر بن أرفخشذ بن سام بن نوح النبي"، ابن خلدون "٢/ ٢٠"، نهاية الأرب "١٣/ ٥١"، ديوان النابغة مع شرحه للبطليوسي "ص٦٣ فما بعدها" التنبيه والإشراف ص٧١" "طبعة الصاوي".
[ ١ / ٣١٣ ]
وإذا صحّ أن الشعر المنسوب إلى حسّان بن ثابت الذي افتخر فيه بانتسابه إلى "هود بن عابر"، وبأن قومه وهم من "قحطان" منهم، هو لهذا الشاعر حقا، يكون لدينا أول دليل يثبت أن هذا الانتساب كان معروفًا عند ظهور الإسلام١. وأن أهل "يثرب"، وهم من الأوس والخزرج، وهم من قحطان في عُرف النَّسّابين، كانوا قد انتسبوا إليه قبل الإسلام. أخذوا ذلك من اليهود النازلين بينهم، الذين كانوا يحاولون التقرب إلى أهل يثرب، للعيش معهم عيشة طيبة. فأشاعوا بين الناس أن "عابرا"، وهو جدّ العبرانيين، ووالد ولدين هما "فالغ" و"يقطان" كان جدّهم وجدّ أهل يثرب، لأن أصلهم من يقطان، وأن علاقتهم لذلك بهم هي علاقة أبناء عمّ بأبناء عمّ. ولما نزل الوحي بخبر "هود"، وتفاخر المكّيّون على أهل يثرب الإسلام، استعار أهل يثرب "هودا"، وصيّروه "قحطانًا"، أو ابنًا له، وانتسبوا إليه، ليظهروا بذلك أنهم كانوا أيضا من نسل نبي، وأن نبوءة قديمة كانت فيهم، وقد كان "حسان بن ثابت" من المتعصبين للأزد قوم أهل يثرب، والأزد من قحطان، وكان من المتباهين بيمن وقحطان.
_________________
(١) ١ "أبونا نبي الله هود بن عامر"، وسأتكلم عن ذلك في موضع آخر من هذا الكتاب وعندي أنه متحول، وأنه حمل عليه.
[ ١ / ٣١٤ ]