وقد تكوّنت بفعل البراكين، ويشاهد منها نوعان: نوع يتألف من فجوات البراكينن نفسها، ونوع تكوّن من حممها "اللابة" lava التي كانت تقذفها، فتسيل إلى الأطراف ثم تبرد وتتفتت بفعل التقلبات الجوية، فتكون ركامًا من الحجارة البركانية يغطي الأرض بطبقات، قد تكون سميكة، وقد تكون رقيقة، تتبعثر فيظهر من خلال فجواتها وجه الأرض الأصلية.
[ ١ / ١٤٥ ]
وفي مثل هذه الأرضين يصعب السير؛ لانتشار الحجارة ذات الرءوس الحادة فيها، وتقل الاستفادة منها، فتتحول شيئًا فشيئًا إلى مناطق صحراوية، والسائر اليوم في منطقة "اللجاة" في جنوب شرقي دمشق، يلاحظ الطريق الذي سلكته الحمم المقذوفة١.
وقد وصف العلماء العرب الحِرار، فقالوا٢: الحَرَّة أرض ذات حجارة سُود نخرة، كأنها أحرقت بالنار، ويكون ما تحتها أرضًا غليظة، من قاع ليس بأسود، وإنما سوّدها كثرة حجارتها، وتدانيها. وتكون الحرة مستديرة، فإذا فيها شيء مستطيل ليس بواسع، فذلك الكراع، واللّابة واللوبة ما اشتد سواده وغلظ وانقاد على وجه الأرض٣. فيظهر من هذا أن "الحرار" هي أفواه البراكين؛ ولذلك تكون مستديرة. وأما اللّابة أو اللوبة، فإنها المناطق التي غطتها حمم البراكين، وسالت فوقها، ثم جفت. وأما الكراع، فإنها أعناق الحرار٤.
_________________
(١) ١ Moritz، Arabien، Studien zur physikalischen und Historischen Geographie des Landes، Hannover، ١٩٢٣، S، ١٢ l. وسيكون رمزه: moritz "اللجاة اسم للحرة السوداء التي بأرض صلخد من نواحي الشأم، فيها قرى ومزارع وعمارة واسعة"، والبلدان "٧/ ٣٢٣". ٢ البلدان "٣/ ٣٥٦"، تاج العروس "٣/ ١٣٥"، ويقال للحرة المنعزلة في الرمال "بسقه"، الطبري "٣/ ٢٢١"، وللنهير الذي يسيل من الحرار "شرج" و"شراج"، وأحيانًا "سواقي"، البلاذري: الفتوح "١٢"، المراصد "٢/ ١٧٥"، المفضليات "ص٢٤٥، ٤١٥". ٣ لسان العرب "٢/ ٢٤٢"، "لوآبة" "لابة ولوبة"، المفضليات "ص٢٤٥، ٤١٥"، البلدان "٣/ ٣٥٧"، ويقال "حرة سوداء"، الطبري "٢/ ٩٥٩"، وجاء أيضًا "حرة رجلاء"، صفة ص٢٠٥، وقد علل الهمداني ذلك بقوله "سميت الحرة الرجلاء لأنها ترجل سالكها، ولا يقدر فيها على الركوب"، صفة ص٢٠٥، راجع كذلك معلقة الحارث، بيت ٣٨، وجاء "حرة سوداء"، mortiz s، ١١ وجاء كذلك"حامية"، والظاهر أنها من ألفاظ العوام. وقد كتب العلماء في "الحرار"، كتبًا، مثل "كتاب الحرة" المنسوب إلى أبي عبد الله محمد الغلابي، "الفهرست ص١٠٨"، و"كتاب الحرات" لأبي عبيدة "الفهرست ص٥٩"، "طبعة أوربة" "٨٠" طبعة المطبعة الرحمانية، لسان العرب "٢/ ٢٤٢"، وورد أيضًا "لابة سوداء"، "لوابة" و"لوبة"، ابن سعد، الطبقات "١/ ٢، ٢٥"، Mortz، S. ١٢، Anm. ١، Loth in ZDMG، ٢٢، ٣٦٥-٣٨٢ ٤ لسان العرب "٢/ ٢٤٢"، "١٠/ ١٨٢"، القاموس "٣/ ٧٨".
[ ١ / ١٤٦ ]
وتكثر الحرار في الأقسام الغربية من جزيرة العرب، وتمتد حتى تتصل بالحرار التي في بلاد الشام، في منطقة حوران، ولا سيما في الصفاة١، وتوجد في المناطق الوسطى، وفي المناطق الشرقية الجنوبية من نجد حيث تتجه نحو الشرق، وفي المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية؛ حيث تلاحظ الحجارة البركانية على مقربة من باب المندب وعند عدن٢. وقد ذكر علماء العرب أسماء عدد منها٣، كما أضاف إليها السياح أسماء عدد آخر عثروا عليها في مناطق نائية٤.
وقد وردت في الشعر الجاهلي إشارات إليها. وكانت إحدى الحرار، وهي "حرة النار" في عهد الخليفة عمر لا تزال ثائرة تخرج النار منها٥. وقد ذكر أن سحب الدخان كانت تخرج في عهد الخليفة عثمان من بعض الجبال القريبة من المدينة٦. وهذا يدل على أن فعل البراكين في جزيرة العرب، لم يكن قد انقطع انقطاعًا تامًا، وأن باطن الأرض، كان ما زال قلقًا، لم يهدأ.
وكان آخر حدث بركاني في الحجاز في سنة ٦٥٤ للهجرة "١٢٥٦م"؛ إذ ثارت إحدى الحرّات في شرقي المدينة، واستمر هيجانها بضعة أسابيع، وقد وصل ما سال من حممها إلى مسافة بضعة كيلومترات فقط من المدينة التي كان نجاتها من الأعاجيب٧. وكان أواخر القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر الميلاديين عهد زلازل وثوران براكين في مناطق آسية الغربية٨. ومنذ القرن الثالث عشر الميلادي، لم يبقَ أثر لفعل البراكين في مختلف أنحاء بلاد العرب٩.
وقد تركت الأصوات المزعجة، و"الصيحات" المرعبة، والنيران التي كانت ترى من مسافات بعيدة، وسحب الدخان التي كانت ترتفع من أجواف
_________________
(١) ١ MoriU، S-، ١٢، Chr. Phllps Grant، The Syrian Desert، London، ١٩٣٧، P.، ١٢٢، Alioa \ MusU، In the Arabian Desert، New York، ١٩٣٠، PP.، ٣، ٢١. ٢ Ency. Brit.، Vol.، ٢، P.، ١٧٤ ٣ البلدان "٢/ ٢٥٩" "مطبعة السعادة ١٩٠٦"، "حرة أشجع" الإصابة "١/ ٤٦٧". ٣ Doughty، Arabia Deserta، ٢، ٦١٨. f. ٥ البلدان "٣/ ٢٦١"، mortiz، s، ١٣ ٦ الطبري "١/ ٢٩٨" "الطبعة الأوروبية"، ٧ Moritz، S.، ١٣. v ٨ Moritz، S.، ١٤. s ٩ Moritz، S.، ١٩.
[ ١ / ١٤٧ ]
الأرض، و"البريق" الذي كان يظهر من الحرار، مثل حرّة "القوس" التي قيل أنها كانت ترى كأنها حريق مشعل١، و"حرة لبن" التي كان يخرج منها ما يشبه البرق، ويسمع منها أصوات كأنها صياح٢، هذه كلها تركت صورًا مرعبة في نفوس الجاهليين، تتجلى في القصص المروية عنها، وفي عقائدهم بتلك النيران.
ولعل قوة نيران "حرة ضَرْوان" وشدة قذفها للحمم وارتفاع لهيبها، هي التي دفعت أهل اليمن إلى التعبد لها والتحاكم إليها؛ فقد كانوا يذهبون إليها ليتحاكموا عندها فيما يحدث عندهم من خلاف، والرأي عندهم أن النار تخرج فتأكل الظالم وتنصف المظلوم. وقد كانت حرة نشطة عاشت أمدًا طويلًا كما يظهر من وصف "الهمداني" وغيرها لها، وصلت حممها إلى مسافات بعيدة عن الحرة٣.
وقد تسببت أكثر هذه الحرار في هلاك كثير ممن كان يسكن في جوارها وفي هجرة الناس من الأرضين التي ظهرت بها، فتحولت إلى مناطق خاوية خالية. وقد وجد السياح أرضين شاسعة واسعة أصيبت بالحرار، وتأثرت بفعل "اللابة": التي سالت عليها. وللناس الحق كل الحق في إرجاع أسباب هلاك أصحابها إلى العذاب الذي نزل بهم بانفجار الأرض وبخروج النيران منها تلتهم الساكنين عندها. وقد جهلوا أن هذه النيران المتقدة الصاعدة والروائح الكريهة المنبعثة عنها، هي من فعل العوامل الأرضية الداخلية التي تعمل سرا في بطن الأرض.
وكثرة الحرار في جزيرة العرب، وانتشارها في مواضع متعددة منها؛ دليل على أن باطنها كان قد تعرض لامتحانات عسيرة قاسية، ولتقلبات كثيرة ولضغط شديد في المناطق الشمالية والغربية والجنوبية، وقد ظهر أثر ذلك الضغط في وجهها فبان اليوم وكأنه حب الجُدَرِيّ، ويتحدث عن ذلك المرض القديم.
_________________
(١) ١ قال عرعرة النميري: بحرة القوس وجنبي محفل بين ذراه كالحريق المشعل البلدان "٣/ ٢٥٩". ٢ "لبن"، بضم اللام وتسكين الباء الموحدة، قال الشاعر: بحرة لبن يبرق جانباها ركود ما تهد من الصياح البلدان "٣/ ٢٦٠". ٣ الإكليل"١/ ٣٣".
[ ١ / ١٤٨ ]
وقد اشتهرت بعض مناطق الحرار بالخصب والنماء وبكثرة المياه فيها، ولا سيما حرار الحجاز التي استُغلت استغلالًا جيّدًا، ومنها "خيبر"، التي مُيّزت على سائر القرى، فقيل عنها إنها "خير قرى عربية"١؛ غير أن ظهور العيون فيها بكثرة، جعلها موطنًا من مواطن الحمّى، اشتهر أمرها في الحجاز حتى قيل: "حمى خيبر"٢. واستفاد الجاهليون من الحرار باستخراج الأحجار منها، كأحجار الرحى والمعادن، فكانت موطنًا من مواطن التعدين القديمة فيها٣.
ويدرس علماء طبقات الأرض بعناية بلاغة توزيع الحرار في جزيرة العرب، وتقصي أنواع الحجارة التي يكثر وجودها مثل الحجارة الكلسية والغرانيتية والرملية وتوزّعها، والينابيع الحارة في الأحساء٤، لما في هذه الدراسات من أهمية بالنسبة إلى اكتشاف الموارد الطبيعية، والثروات الكامنة في الأرض.
ويظن أن فعل البراكين كان له أثر خطير في العصور ال "أيوسينية" "eocene"؛ إذ ثارت براكين عديدة في جزيرة العرب وفي الحبشة وفي السواحل الإفريقية المقابلة لجزيرة العرب. وقد أثرت هذه البراكين بالطبع في شكل الأرضين التي ثارت فيها وفي شكل الأرضين القريبة منها، وقد ظهرت براكين فعّالة نشيطة في العصور "البليوسينية" "pliocene" أيضًا، أثرت كذلك في شكل سطح الأرض، بأن أحدثت فيها تضاريس، لا تزال آثارها تشاهد حتى الآن٥.
وفي جزيرة العرب عيون وينابيع، تخرج منها مياه حارة؛ ففي عسير وفي الحجاز وفي اليمن وفي حضرموت وعمان والأحساء والهفوف وفي مواضع أخرى
_________________
(١) ١ "خير قرى عربية خيبر"، ابن سعد، الطبقات "١/ ٥٠" "قسم ٢" zwemer، arabia، p، ٢٣، mortiz، s، ١٢ ٢ كأن به -إذ جئته- خيبرة يعود عليه وردها وملالها قلت لحمى خيبر: استعدي هاك عيالي فاجهدي وجدي وباكري يصالب وورد أعانك الله على ذا الجند البلدان "٣/ ٤٩٧"، الحماسة "طبعة فرايتاك" "ص٦٤"، صفة ١١٨، نقائض جرير ٦٢٠. ٣ مثل حرة سليم، وحرة الرفاع على ساحل البحر الأحمر شمالي غربي ينبع، البلدان "٣/ ٢٥٨"، "٨/ ٥٢٦"، تاج العروس "٣/ ٦٣٥" ٤ ENcy. Brit. Vol. ٢، P. ١٧٤. ٥ Naval، PP.، ١٩.
[ ١ / ١٤٩ ]
غيرها، مواضع تخرج منها مياه حارة كبريتية في الأكثر، ويستشفي بمياهها الناس بالاستحمام. وانتشارها على هذه الصورة وبهذه الكثرة يلفت النظر، وهي من آثار التقلبات الجوفية التي حدثت في جزيرة العرب منذ القدم١.
_________________
(١) ١ Naval، P. ٢١
[ ١ / ١٥٠ ]