وقد جاء ذكر العرب في مواضع من أسفار التوراة تشرح علاقات العبرانيين بالعرب. والتوراة مجموعة أسفار كتبها جماعة من الأنبياء في أوقات مختلفة، كتبوا أكثرها في فلسطين. وأما ما تبقى منها، مثل حزقيال والمزامير؛ فقد كتب في وادي الفرات أيام السبي، وأقدم أسفار التوراة هو سفر "عاموس" "amos"، ويظن أنه كتب حوالي سنة ٧٥٠ ق. م١.
_________________
(١) ١ أحد الأنبياء، وكان راعيًا في "تقوع" "تقوعة" مدينة صغيرة جنوبي يهوذا على بعد نحو "١٢" ميلًا من جنوب القدس. عاش في أيام عزيا ملك يهوذا ويربعام ملك إسرائل نحو سنة ٨٠٠ ق. م. وسفر عاموس هو الثلاثون من أسفار التوراة، قاموس الكتاب المقدس "ترجمة الدكتور جورج بوست" ٢/ ٥٩ Hastings، Dictionary of the Bible، P. ١٤٧. وسأرمز إليه بـ: Hastings
[ ١ / ٥٣ ]
وأما آخر ما كتب منها، فهو سفر "دانيال" "Daniel" والإصحاحان الرابع والخامس من سفر "المزامير". وقد كتب هذه في القرن الثاني قبل المسيح١.
فما ذكر في التوراة عن العرب يرجع تاريخه إذن إلى ما بين سنة ٧٥٠ والقرن الثاني قبل المسيح.
وقد وردت في التلمود "Talmud" إشارات إلى العرب كذلك. وهناك نوعان من التلمود الفلسطيني أو التلمود الأورشليمي "yeruschalmi" كما يسميه العبرانيون اختصارًا، والتلمود البابلي نسبة إلى "بابل" بالعراق، ويعرف عندهم باسم "بابلي" اختصارًا.
أما التلمود الفلسطيني؛ فقد وضع، كما يفهم من اسمه، في فلسطين. وقد تعاونت على تحبيره المدارس اليهودية "academies" في الكنائس "الكنيس". وقد كانت هذه مراكز الحركة العلمية عند اليهود في فلسطين، وأعظمها هو مركز "طبرية" "tiberias"، وفي هذا المحل وضع الحبر "رابي يوحان" "rabbi jochanan" التلمود الأورشليمي في أقدم صورة من صوره في أواسط القرن الثالث الميلادي وتلاه بعد ذلك الأحبار الذين جاءوا بعد "يوحنان" وهم الذين وضعوا شروحًا وتفاسير عدة تكون منها هذا التلمود الذي اتخذ هيأته النهائية في القرن الرابع الميلادي.
وأما التلمود البابلي؛ فقد بدأ بكتابته –على ما يظهر- الحبر "آشي" "rabbi ashi" المتوفى عام ٤٣٠م، وأكمله الأحبار من بعده، واشتغلوا به
_________________
(١) ١ "التلمود" "تعليم" Learning راجع عن التلمود المصادر الآتية: Hastings، P.، ٨٩٠، Ency. Britani.، Vol.، ٢١، P. ٧٦٩، J.Z. Iauterbacli، Mishna and W. Bacher، Talmud، In Jew. ESncy.، Funk، Entstehung-des Talmud، Leipzig، ١٩١٠، Rodkinson، History of the Talmud، New York، ١٩٠٣، Strack، Einleitung in den Talmud، ١٩٠٨. ويتألف التلمود من "المشنة" mishnah، وهو الموضوع ومن "جمارة" "كماره gemara". وهو التفسير. فالمشنة "التكرار" عبارة عن مجموعة تقاليد أعطيت لموسى حين كان على الجبل ثم تداولها هارون وإليعازر ويشوع، وسلموها للأنبياء ثم انتقلت عن الأنبياء إلى أعضاء المجمع العظيم وخلفائهم حتى القرن الثاني بعد المسيح حينما جمعها الحاخام "يهوذا" وكتبها، ومن ثم صار يعد جامعًا للمشنة. و"الجمارة" "الكمارة" "التعليم"، وهو مجموعة المناظرات والتعليم والتفاسير التي جرت في المدارس العالية بعد انتهاء المشنة، قاموس الكتاب المقدس "١/ ٢٩٠، pirqee aboth، ١،١،
[ ١ / ٥٤ ]
حتى اكتسب صيغته النهائية في أوائل القرن السادس للميلاد١. ولكل تلمود من التلمودين طابع خاص به، هو طابع البلد الذي وضع فيه؛ ولذلك يغلب على التلمود الفلسطيني طابع التمسك بالرواية والحديث. وأما التلمود البابلي، فيظهر عليه الطابع العراقي الحر وفيه عمق في التفكير، وتوسع في الأحكام والمحاكمات، وغني في المادة. وهذه الصفات غير موجودة في التلمود الفلسطيني٢.
وبهذا يكمل التلمود أحكام التوراة، وتفيدنا إشارته من هذه الناحية في تدوين تأريخ العرب. أما الفترة بين الزمن الذي انتهى فيه من كتابة التوراة والزمن الذي بدأ فيه بكتابة التلمود؛ فيمكن أن يستعان في تدوين تاريخها بعض الاستعانة بالأخبار التي ذكرها بعض الكتاب، ومنهم المؤرخ اليهودي "يوسف فلافيوس" "جوسفوس فلافيوس "josephUs flavius" الذي عاش بين سنة ٣٧ و١٠٠ للمسيح تقريبًا. وله كتاب باللغة اليونانية في تأريخ عاديات اليهود "Joudaike archaioloigia"، تنتهي حوادثه بسنة ٦٦ للميلاد، وكتاب آخر في تأريخ حروب اليهود٣ "peri tou JOUDIAKOU POLEMOU" من استيلاء "أنطيوخس أفيفانوس" "Antiochus epiphanos" على القدس سنة ١٧٠ قبل الميلاد، إلى الاستيلاء عليها مرة ثانية في عهد "طيطس" "titus" سنة ٧٠ بعد الميلاد، وكان شاهد عيان لهذه الحادثة. وقد نال تقدير "فسبازيان" "vespasIan" و"طيطس" وأنعم عليه بالتمتع بحقوق المواطن الروماني٤.
وفي كتبه معلومات ثمينة عن العرب، وأخبار مفصلة عن العرب الأنباط، لا نجدها في كتاب ما آخر قديم. وكان الأنباط في أيامه يقطنون في منطقة واسعة تمتد من نهر الفرات، فتتاخم بلاد الشام، ثم تنزل حتى تتصل بالبحر الأحمر٥. وقد عاصرهم هذا المؤرخ؛ غير أنه لم يهتم بهم إلا من ناحية علاقة الأنباط بالعبرانين، ولم تكن بلاد العرب عنده إلا مملكة الأنباط٦.
_________________
(١) ١ Hastings، P.، ٨٩١. ٢ Hastings، P.، ٨٩١. ٣ Peri tou Joudalkon Polemou، De Bello Judiaco. ٤ Harvey The Oxford Companion to Classical Literature، P.، ٢٢٨، Simon Dubnow، Weltgeschichte des Judischen Volkes، BD.، ٢، s.، ٨٣. «-، BD. ٣، s.، ١٠٥، Ency. Brita. Vol.، ١٣، P.، ١٥٣. ٥ Josephus، AntiquiUes، BK.، XTV، Ch.، ١٤، I، The Jewish War، BK.، I، ch. ١. ٣. ٦ Ch. ٤. ٢.
[ ١ / ٥٥ ]
هذا وإن للشروح والتفاسير المدونة على التوراة والتلمود قديما وحديثًا، وكذلك للمصطلحات العبرانية القديمة على اختلاف أصنافها أهمية كبيرة في تفهم تاريخ الجاهلية، وفي شرح المصطلحات الغامضة التي ترد في النصوص العربية التي تعود إلى ما قبل الإسلام؛ لأنها نفسها وبتسمياتها ترد عند العبرانيين في المعاني التي وضعها الجاهليون لها. وقد استفدت كثيرًا من الكتب المؤلفة عن التوراة مثل المعجمات في تفهم أحوال الجاهلية، وفي زيادة معارفي بها، ولهذا أرى أن من اللازم لمن يريد درس أحوال الجاهلية، التوغل في دارسة تلك الموارد وجميع أحوال العبرانيين قبل الإسلام.
[ ١ / ٥٦ ]