أما النفود، وهو اسم لم يكن يعرفه العرب١؛ فهي صحراء واسعة ذات رمال بيض أو حمر تذروها الرياح فتكون كثبانًا مرتفعة، وسلاسل رملية متموجة، تبتدئ من واحة "تيماء"، وتمتد إلى مسافة ٤٥٠ كيلومترًا تقريبًا نحو الشرق، ويبلغ امتدادها من الجوف إلى جبل شمر زهاء ٢٥٠ كيلومترًا تقريبًا. وقد عرفت أيضًا بـ "الدهناء" وبـ "رملة عالج"، ثم تغلب عليها اسم "النفود" وصارت تعرف به٢.
وتعد النفود من الأماكن المائلة أو المنحدرة، ويظهر من القباسات "وإن كانت قليلة جدًا"، إن المنطقة الشرقية من النفود أوطأ من مستوى المنطقة الغربية عند خط طول "٢٧" درجة و"٣٠" دقيقة، بما يزيد على ١٥٠ مترًا، أي أن هذه البادية مرتفعة في الغرب، آخذة في الانخفاض والميل في الشرق٣.
وقد نتج عن هذا الميل والانحدار المتوالي أن الرمال التي كانت الرياح الشمالية أو الشمالية الغربية تحملها، تراكمت في المنخفض؛ فأصبحت الحدود الغربية والشرقية لهذه المنطقة مرتفعة بالنسبة إليها؛ بحيث صار "الحماد" يشرف عليها إشرافًا تامًا٤.
ويغطي وجه "النفود"، كثبان من الرمال متموجة يبلغ ارتفاع بعضها
_________________
(١) ١ فجر الإسلام "١/ ١". ٢ "رمل عالج" باللام المكسورة والجيم، "رملة عالج"، البلدان "٦/ ٩٦"، Moritz، S. ١٥، Handbook of Arabia، vol. P. ١١. ٣ Ency Brit، vol، ٢، P. ١٧٣، Moritz، S. ١٥، Musil، in the Arabian Desert PP. ١٢٤. ٤ Moritz، S.،١٥.
[ ١ / ١٥٢ ]
زهاء "١٥٠" مترًا، ولذلك لا يعد سطح بادية النفود سطحًا مستويًا منبسطًا. وتأخذ هذه المرتفعات مختلف الأشكال، فتكون في أغلب الأحيان على شكل نعل الفرس، ويكون اتجاهها من الغرب نحو الشرق، وتكون أبعادها وأعماقها مختلفة، وتسمى "القعور". وقد تركت أثرًا عميقًا في مخيلة المسافرين ورجال القوافل١.
وبعد الأشتية الممطرة تتحول هذه المنطقة الرملية الموحشة إلى جنة حقيقية فتظهر الرمال وكأنها قد فرشت ببسط خضر، ويزينها الزهر والشقائق ومختلف الأعشاب الصحراوية، وينتجعها الأعراب للرعي. وقد تنمو فيها النباتات المرتفعة ذات السيقان القوية كبعض أنواع "الغَضَي"؛ فتكون أدغالًا يحتطب منها البدو، وقد يحرقونها لاستخراج الفحم منها٢. وهذه الأعشاب والنباتات، لا تظهر إلا في المنطقة ذات الرمال الحمر "نفود سمرًا". أما النفود البيضاء المؤلفة من رمال نشأت من تفتت أحجار" الكوارتز" فإنها في أكثر الأماكن غير منبتة٣.
ولكن هذه الجنة الأرضية جنة قصيرة العمر، لا يدوم عمرها إلا أسابيع قليلة، ثم يحلّ بها الجفاف، وتهب السمائم، فتقضي على كل ما نبت في هذه البادية، فتبدو كالحة عابسة مزعجة منفّرة، وكأن إنسانًا كنس وجهها كنسًا أزال عنه كل أثر لذلك الجمال. وتهب في شهر نيسان رياح حارة من الشرق والجنوب، ورياح في شهور الصيف تحرق البادية حرقًا، حتى تغدو وكأنها جحيم٤.
وفي العربية ألفاظ عديدة لها صلة بالبوادي، كثرت وتعددت لاتصال حياة العرب بها، منها ما لها علاقة بشكل البادية وظاهر وجهها، ومنها ما لها علاقة بطبيعتها وبتركيبها، إلى غير ذلك من مصطلحات، نشأ بعضها من تعدد لهجات العرب ولغاتها؛ إذ تسمى قبيلة البادية باسم ربما لا تعرفه قبيلة أخرى، وهكذا تنوعت التسميات.
_________________
(١) ١ Eufing، in "Zeitschr. der Ges. fue Erdkunde zu Berlin" No. ٥، Tagebuch، ١، ١٤٤. ٢ Moritz، S.، ١٦. ٣ Moritz، S.، ١٦. f.، A Blunt، Pilgrimage to Nejd، ٢، ٥٥. ٤ Handbook of Arabia Vol.، r، P.، ١٢، Moritz، S.، ١٧.
[ ١ / ١٥٣ ]
خاصة، وصيرت معظم أهلها بدوًا بالرغم منهم، فأقول لك: إن الرأي المنتشر أن هذه الصحاري تكوّنت من تفتت الأحجار الرملية بتأثير الرياح والجفاف فيها١. ويؤيد وجود مثل هذه الأحجار في الشمال الغربي من بلاد العرب هذا الرأي كثيرًا، ويظهر أنه رأي علمي ينطبق على بعض الصحاري انطباقًا كبيرًا، غير أنه لا يحل مشكلة مصدر الرمل الأحمر المتكوّن من أحجار غير رملية الذي يغطي مساحات واسعة من صحراء النفود، بينما الرمل الناشيء من الأحجار الرملية لا يغطي إلّا مساحات ضيقة بالنسبة إلى المناطق الأخرى. وهذا يدل دلالة صريحة على أن رمال "النفود" لم تتكون من تفتت الأحجار الرملية حسب، بل من عوامل أخرى كالتقلبات الجوية وتأثيرها في قشرة الأرض٢.
يكون ظاهر التربة الأجرد معرضًا لحرارة الشمس والتغيرات الجوية مباشرة؛ إذ لا أشجار تحميه، ولا أعشاب تحافظ على تماسك ذراته وحفظها من تلك التغيرات. فإذا انقطعت الأمطار، جفت التربة، فتفتتت تدريجيًّا، وتستطيع الرياح أن تعبث فيها بكل سهولة، وتتمكن الرياح التي سرعتها ١٨ كيلومتر في الساعة من إثارة الطبقات الرملية الخفيفة والأتربة الباقية المبعثرة على سطح الأرض.
وإذا هبت الرياح بسرعة ٣٣ كيلومترًا في الساعة، امتلأ الجو بالغبار، فإذا ازدادت السرعة، استحالت إلى عواصف تؤثر تأثيرًا كبيرًا في سطح الأرض فتحمل ما عليه من أتربة، وتعرض الطبقات السفلى التي كانت تحت هذه الأتربة لفعل الجو المباشر؛ ليحدث لها ما حدث في الطبقة التي كانت فوقها، وهكذا تتحول هذه المناطق إلى صحاري، وتتكون الرمال حينئذ من التربة المتفتتة لا من تهشم الأحجار الرملية أو الكلسية وحدها٣.
وتهب مثل هذه الرياح في الشمال الغربي من جزيرة العرب من نهاية شهر "آذار" مارس حتى نهاية شهر "أيار" مايس، وتهب في أغلب الأحيان هبوبًا فجائيًّا، وتستمر يومين أو ثلاثة أيام، وتنتهي في بعض الأحيان برعد
_________________
(١) ١ Moritz، S. ١٧. ٢ المصدر نفسه ٣ Moritz، S.، ١٧، Arabia Deserta، Vol.، ٢، P.، ٦٥٦.
[ ١ / ١٥٤ ]
وبرق. وعند حدوث هذه الزوابع يغبر الأفق ويكفهر وجه السماء، ثم تهب بعد لحظات عواصف شديدة وأعاصير، تضفي على الجو لونًا قاتمًا، وأحيانًا مائلًا إلى الصفرة أو الحمرة بحسب لون الرمال التي تحملها الرياح، وتختفي الشمس، وتؤثر هذه "العجاجة" في النبات والأشجار تأثيرًا كبيرًا. وإذا استمرت مدة طويلة، سببت تلف قسم كبير من المزروعات في الأماكن المزروعة١.
وقد أشار الكتّاب اليونان والرومان إلى البادية كما عرفها العبرانيون. ولكلمة "حويلة havilah"، ومن معانيها الأرض الرملية٢، أي تخم بني إسماعيل -وأولادهم وهم البدو- ولهذا المدلول علاقة كبيرة بمعنى صحراء٣. وقد ذهب بعض علماء التوراة إلى أنها تعني النفود٤.
وتفصل العراق عن بلاد الشام بادية واسعة، تُعرف بـ "بادية الشام" أو "البادية"، أو "خساف"، ويقال للقسم الجنوبي منها -وهو القسم الذي بين الكوفة والسماوة من جهة، وبينها وبين الشام من جهة أخرى- "بادية السماوة"٥، ويسميها العامة "الحماد" أو "حماد"٦.
_________________
(١) ١ Moritz، S. ١٧. Moritz. S. ١٧، Diodorus، ٢، ٥٤، Strabo. XVI، ٣. ٣ التكوين، الإصحاح الثاني، الآية ١١، الإصحاح العاشر الآية ٧، الإصحاح ٢٥، الآية ١٨. ٤ قاموس الكتاب المقدس "١/ ٣٩٨"، Hastinga، P. ٣٣٣، Ency. Bibl. P. ١٩٧٤، Glaser، skizze، ٢، S. ٣٢٣ E. Meyer، Geshuchte des Alterthums، Bd.، ١، S.، ٢٢٤ Delitzsch، Wo lag des Paradies؟ ٥ البلدان "٣/ ٤٣٦"، "٥/ ١٢٠". ٦ Handbook of Arabia، ١، P. ١٢، Ency. Brit، vol ٢، P. ١٧٣. ٧ البلدان "٤/ ١٤"، القاموس المحيط "٢/ ٢١"، "كتاب الدارات" للاصمعي بعناية "أوغست هفنر"، في مجلة المشرق، السنة الأولى، الجزء الأول سنة ١٨٩٨ ص ٢٤ وما بعدها.
[ ١ / ١٥٥ ]