واليوم في عرف علماء اللغة من طلوع الشمس إلى غروبها١. ولكنهم يتوسعون في معناه أيضًا، فيقصدون به معاني أخرى، مثل الدهر. أما في الاصطلاح فإنه جزء من أيام الأسبوع والشهر والسنة. وهو ليل ونهار، وهما مجتمعان يكونان اليوم. فاستعمل اليوم على وجهين: أحدهما أن يجعل اسمًا للنهار خاصة. والوجه الآخر أن يكون اليوم اسمًا للمدة الجامعة للزمانين جميعًا، أعني: الليل والنهار٢.
واعتبر الجاهليون مبدأ اليوم من وقت غروب الشمس. وأما انتهاؤه فبابتداء الغروب التالي له. فصار اليوم عندهم بليلته من لدن غروب الشمس عن الأفق إلى غروبها من الغد، فصارت الليلة عندهم قبل النهار٣.
ولهذا السبب غلبت العرب الليالي على الأيام في التاريخ؛ "لأن ليلة الشهر سبقت يومه، ولم يلدها، وولدته، ولأن الأهلة لليالي دون الأيام، وفيها دخول الشهر"٤. والعرب تستعمل الليل في الأشياء التي يشاركه فيها النهار، فيقولون:
_________________
(١) ١ اللسان "١٢/ ٦٤٩" "صادر" "يوم"، صبح الأعشى "٢/ ٣٣٩". ٢ الأزمنة والأنواء، لابن الأجدابي "ص٢٨"، "الدكتور عزة حسن"، "دمشق ١٩٦٤م". ٣ الآثار الباقية "١/ ٥ وما بعدها"، ابن الأجدابي "٢٨". ٤ بلوغ الأرب "٣/ ٢١٦".
[ ١٦ / ٩٨ ]
أدركني الليل بموضع كذا، وصمنا عشرًا من شهر رمضان، وإنما الصوم للأيام، ولكنهم أجازوه إذ كان الليل أول شهر رمضان١.
أما اليونان، فقد عدّوا مبدأ اليوم عند شروق الشمس، وأما منتهاه فابتداء شروق آخر، وذلك بخلاف الرومان الذي عدوا منتصف الليل هو ابتداء اليوم.
ومنتهاه عند منتصف ليل تال له٢. وقد عدّ التقويم العبراني "لوح"، مبدأ اليوم من وقت غروب الشمس. وأما انتهاؤه فابتداء الغروب التالي له٣.
وذكر أن العرب خصصوا من الشهر ليالي بأسماء مفردة كآخر ليلة منه، فإنها تسمى "السرار" لاستسرار القمر فيها، وتسمى "الفحمة" أيضًا لعدم الضوء فيها، ويقال لها: البراء، وكآخر يوم من الشهر، فإنهم يسمونه النحير، وكالليلة الثالثة عشرة، فإنها تسمى السواء، والرابعة عشرة ليلة البدر٤.
وقد عرف اليوم بـ"يوم" في نصوص المسند كذلك. كما وردت فيها لفظة "ليلم"، أي: "ليل" للتعبير عن الليل، أي: اللفظة ذاتها التي تستعملها عربية القرآن الكريم. ووردت فيها لفظة "صبحم" بمعنى صبح وصباح. ولا بد أن تكون في لهجات العرب الجنوبيين مسميات لأقسام الليل والنهار على نحو ما نجده في عربية القرآن الكريم. ولا يستبعد أن يظفر بها الباحثون بعد قيام العلماء بحفريات علمية منظمة في العربية الجنوبية.
وقد أوردت كتب اللغة والأخبار أسماء الأيام التي كان يستعملها بعض الجاهليين، ويتبين منها أن الجاهليين كانوا يسمون الأيام بأسماء مختلفة متباينة بحسب تباين الأماكن والقبائل. وقد ماتت تلك الأسماء الجاهلية، وحلت محلها أسماء متأخرة لم تكن معروفة عند قدماء الجاهليين. فأسماء الأيام عند بعض الجاهليين ممن أخذ علماء اللغة عنهم، هي كما زعموا: "شيار" ويراد به السبت، وأول ويراد به الأحد، وأهون، وأوهد ويراد بها يوم الاثنين، وجُبار ويراد به الثلاثاء، ودبار ويراد به الأربعاء، ومؤنس ويراد به الخميس، وعَرُوبة أو العَرُوبة
_________________
(١) ١ بلوغ الأرب "٣/ ٢١٦". ٢ Dictionary of Classical Antiquities، p. ١١٠. ٣ The Jewish Encyclopaedia، III، p. ٥٠١. ٤ الآثار الباقية "١/ ٦٤".
[ ١٦ / ٩٩ ]
أي بالتعريف ويراد به الجمعة١.
وقد جمعت أسماء الأيام القديمة المذكورة في هذين البيتين:
أؤمل أن أعيش وأن يومي بأول أو بأهون أو جبار
أو التالي دبار فإن أفته فمؤنس فالعروبة أو شيار
وهي أبيات يرى بعض علماء اللغة أنها موضوعة٢. وقد زعم "ابن كثير" أن البيتين المذكورين من شعر العرب العرباء المتقدمين٣.
وقد نسب بعض هذه الأخبار هذه الأيام إلى العرب العاربة من بني قحطان وجرهم الأول٤.
ويذكر علماء اللغة أن أيام الأسبوع المعروفة والمتداولة عندنا في الزمن الحاضر، وهي: الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة والسبت، هي أسماء إنما عرفت وظهرت في الإسلام٥. ولكنهم لم يذكروا، ويا للأسف، متى كان ظهورها ولا في أية سنة كان ذلك، أكان ذلك في مكة -أي: قبل الهجرة أم بعد الهجرة إلى المدينة؟ - وقد ذكر "المسعودي" هذه الأيام، ثم قال: "وكانت العرب تسميها في الجاهلية: الأحد أول، والاثنين أهون، والثلاثاء جبار، والأربعاء دبار، والخميس مؤنس، والجمعة عروبة، والسبت شيار"٦.
_________________
(١) ١ المخصص "٩/ ٤٢"، "أسماء الأيام في الجاهلية"، نهاية الأرب، للنويري "١/ ١٤٢"، مروج الذهب "٢/ ١١٠"، الآثار الباقية "١/ ٦٤"، الأيام والليالي والشهور للفراء "ص٦"، شرح القاموس "٢/ ٥٤٩"، "٥/ ٣٠٦"، صبح الأعشى "٢/ ٣٥٤"، نهاية الأرب "١/ ١٤٨"، بلوغ الأرب "١/ ٢٧٣"، المزهر "١/ ٢١٩"، Ency. Iv. P. ١٢١٠ ٢ اللسان "١/ ٥٩٣"، "عرب"، المسعودي، مروج "٢/ ١٩١"، تفسير ابن كثير "٢/ ٣٥٥"، صبح الأعشى "٢/ ٣٦٥"، اللسان "٤/ ٢٧٥"، "دبر"، نزهة الجليس "١/ ٢٩١"، وتجد بعض الاختلاف في النص. ٣ تفسير ابن كثير "٢/ ٣٥٥". ٤ صبح الأعشى "٢/ ٣٦٤". ٥ الآثار الباقية "١/ ٦٣ وما بعدها"، بلوغ الأرب "١/ ٢٧٣ وما بعدها"، الأبحاث "١٩٥٨م" "حـ١ ص٣٣"، نهاية الأرب، للنويري "١/ ١٤٢". ٦ المسعودي، مروج "٢/ ١٩١".
[ ١٦ / ١٠٠ ]
وهناك من اللغويين والأخباريين من يرى أن هذه الأسماء المتداولة مروية عن أهل الكتاب، وأن العرب المستعربة لما جاورتهم أخذتها عنهم، وأن العرب العاربة لم تكن تعرف هذه الأسماء١.
وذكر بعض أهل الأخبار، أن الأيام المذكورة، هي ما نطقت به العرب المستعربة من ولد إسماعيل، وهي مروية عن أهل الكتاب، وأن العرب المستعربة لما جاورتهم أخذتها عنهم، وأن الناس قبل ذلك لم يكونوا يعرفون إلا الأسماء التي وضعتها العرب العاربة، وهي أبجد هوز حطي كلمن سفعص قرشت٢.
ولا يملك الأخباريون دليلًَا مقنعًا يثبت لنا بجلاء أن أيام الأسبوع المعروفة اليوم إنما وضعت في الإسلام. وفي رواياتهم عن يوم الجمعة ما يخالف زعمهم هذا.
ثم إن كلمة "السبت" وردت في آية مكية٣. وورودها في آية مكية دليل على وقوف أهل مكة عليها ومعرفتهم بها. أما لفظة "الجمعة"، قد ودت في سورة مدنية، أي: أنها نزلت بعد الهجرة٤.
وعندي أن أسماء أيام الأسبوع المستعملة عندنا كانت معروفة في يثرب وفي مكة قبل الإسلام. وقد تعلمها أهل يثرب من اليهود، من اختلاطهم بهم. فإن هذا الترتيب للأسبوع مبني على قصة الخلق الواردة في التوراة. ولا بد لذلك لمستعملي هذا الترتيب من أن يكونوا قد تعلموه من مصدر يهودي أو من مصدر له صلة باليهود، أو من النصارى الساكنين بيثرب أو بمكة. فإننا نعرف أن العبرانيين كانوا لا يسمون أيام الأسبوع بأسماء خصوصية، ولكنهم كانوا يعدونها بحسب ترتيبها، فيقولون اليوم الأول والثاني والثالث كما هو في العربية، إلا يوم الجمعة والسبت، فقد كانوا يسمون الجمعة "عريب شبات" Ereb Shabat، ومعناه "مساء السبت" و"عشية السبت". وأما السبت، فهو "شبت" "شبات" ومعناه الراحة Rest، وذلك لاعتقادهم ولما ورد في سفر التكوين: أن الله خلق العالم في ستة أيام، واستراح في اليوم السابع. فسموا هذا اليوم:
_________________
(١) ١ بلوغ الأرب "١/ ٢٧٥". ٢ صبح الأعشى "٢/ ٣٦٥". ٣ النحل: الآية ١٢٤. ٤ الجمعة: الآية٩.
[ ١٦ / ١٠١ ]
"يوم الراحة" "يوم ها -شبات" Yom ha – Shabbat. واختصرت بـ"شبات" أي: السبت١.
ولست أعرف نصًّا من نصوص المسند، ورد فيه اسم معين ليوم من أيام الأسبوع، مثل الجمعة أو السبت أو الأحد وغير ذلك. وكل ما نعرفه من النصوص أن العرب الجنوبيين كانوا يذكرون موقع اليوم من الشهر، فيكتبون في اليوم السابع من الشهر الفلاني، أو في اليوم الخامس عشر منه، أو في اليوم العشرين منه، وهكذا. وذلك لتعيين مكان اليوم من الشهر. وطريقتهم هذه طريقة معروفة عند الساميين وعند غيرهم، وهي لا تزال مستعملة حتى في هذه الأيام كتابة وفي الاستعمال الاعتيادي وفي التوريخ، وذلك للسهولة والاختصار.
ولا نستطيع أن نتحدث عن اليوم المهم في الأسبوع مثل يوم السبت عند اليهود أو يوم الأحد عند النصارى وعند الوثنيين، وإن كان في بعض الروايات ما يفيد أن يوم الجمعة كان من الأيام المعظمة في نظر قريش، وقد عرف عندها بـ"يوم العروبة"، وكانت تجتمع في كل جمعة إلى كعب بن لؤي بن غالب فيخطب فيها، وأنه هو الذي سمى يوم العروبة يوم الجمعة، وذلك لتجمع الناس حوله في ذلك اليوم٢.
وقيل: إن يوم الجمعة لم يعرف بهذا الاسم إلا في الإسلام٣. وأن الأنصار هم الذين بدلوا اسم "يوم العروبة" فجعلوه "الجمعة"، ذلك أنهم نظروا فإذا لليهود يوم في الأسبوع يجتمعون فيه، وللنصارى يوم يجتمعون فيه هو الأحد، فقالوا: ما لنا لا يكون لنا يوم كيوم اليهود أو النصارى، فاجتمعوا إلى سعد بن زُرارة، فصلى بهم ركعتين وذكرهم، فسموا ذلك اليوم يوم الجمعة لاجتماعهم فيه، وأنزل الله سورة الجمعة، فهي على حد قول أصحاب هذه الرواية أول جمعة في الإسلام٤. وقد انتبه بعضهم إلى خطل رأي من ذهب إلى أن يوم الجمعة إنما سمي بهذه التسمية في الإسلام، فقال: إن يوم الجمعة كان يسمى بهذا
_________________
(١) ١ The Jewish Encyclopdia، vol، II، p. ٥٠٢، Art: Calender. ٢ تاج العروس "٥/ ٣٠٦"، بلوغ الأرب "١/ ٢٧٣". ٣ الأيام والليالي "ص٦". ٤ صبح الأعشى "٢/ ٣٦٣"، بلوغ الأرب "١/ ٢٧٤".
[ ١٦ / ١٠٢ ]
الاسم قبل أن يصلي الأنصار الجمعة١.
وقد انتبه علماء العربية إلى اسم "يوم عروبة"، فقالوا: هو اسم قديم للجمعة. "وكأنه ليس بعربي"٢. و"عروبة" بمعنى غروب في السريانية وفي العبرانية، وقد سمي اليوم السابق للسبت "عروبة"؛ لأنه غروب، أي: مساء نهار مقدس٣.
وذكر أهل الأخبار، أن كل أربعاء يوافق أربعًا من الشهر، مثل أربع خلون، وأربع عشرة خلت، وأربع عشرة بقيت، وأربع وعشرين، وأربع بقين، فهي: "أيام نحسات"٤. ونظرًا لورود الإشارة إلى هذه الأيام في كتب أهل الأخبار، ولاعتقاد الجاهليين بالنحس، وبوجود نجمين للسعد وللنحس، كما في قول الشاعر:
يومين غيمين ويومًا شمسًا نجمين بالسعد ونجمًا نحسًا٥
فإن في استطاعتنا القومل بوجود الأيام النحسات عند الجاهليين.
ويقسم النهار والليل إلى اثني عشر قسمًا، كل قسم منها ساعة، فيكون مجموع ساعات اليوم أربعًا وعشرين ساعة. وساعتنا المعروفة مأخوذة من الساعة السومرية البابلية، فقد قسّم البابليون الليل والنهار إلى ساعات متساوية هي اثنتا عشرة ساعة لكل من الليل والنهار، وجرى الناس على هذا التقسيم حتى اليوم٦.
وذكر بعض علماء اللغة أن "الآناء" الساعات. وكان الجاهليون إذا شغلوا إنسانًا بالساعات، قالوا لذلك: "المساوعة"٧.
ويروي الأخباريون أن العرب وضعت لساعات النهار والليل أسماء غير مستعملة عندنا، فأما ساعات النهار، فهي: "الذرور" "الدرور" ثم البزوغ "البزاغ"، ثم الضحى، ثم الغزالة، ثم الهاجرة، ثم الزوال، ثم الدلوك، ثم العصر، ثم الأصيل، ثم الصبوب، ثم الحدود، ثم الغروب. ويقال فيها أيضًا: البكور
_________________
(١) ١ صبح الأعشى "٢/ ٣٦٣". ٢ اللسان "١/ ٥٩٣"، "عرب". ٣ الأبحاث، السنة "١٩٥٨م"، "جـ١ ص٤٨". ٤ المسعودي، مروج "٢/ ١٩١". ٥ تفسير الطبري "٤/ ٦٧". ٦ Alfred Jeremias، Handbuch derAltorientalischen Geisteshultur، Leipzig، ١٩٢٩، S. ٢٩. ٧ المخصص "٩/ ٤٤".
[ ١٦ / ١٠٣ ]
ثم الشروق، ثم الإشراق، ثم الرأد، ثم الضحى، ثم المتوع، ثم الهاجرة، ثم الأصيل، ثم العصر، ثم الطَّفل، ثم العشي، ثم الغروب١.
وأما ساعات الليل، فهي على حد قولهم: الشاهد٢، ثم الغسق، ثم العتمة، ثم الفحمة، ثم الموهن، ثم القطع، ثم الجوسر "الجوس" "الجوشن"، ثم العبكة، ثم التباشير، ثم الفجر الأول، ثم المعترض، ثم الإسفار. وأسماء أخرى يذكرها اللغويون٣، حيث يروون أن الجاهليين كانوا يقسمون اليوم إلى أربع وعشرين ساعة. غير أن من الصعب العثور على دليل يفيد وجود هذا التقسيم عندهم٤.
ويقول أهل مكة بوجود فجرين، أحدهما قبل الآخر. فالفجر الأول هو الفجر الكاذب، ويسمى "ذنب السرحان" لدقته. والفجر الثاني هو الفجر الصادق، ويقال له: "المستطير"، ومنه الحديث" ليس بالمستطيل، يعني الفجر الأول، ولكن المستطير" يريد المنتشر الضوء. ومع طلوعه يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود٥.
وهناك شفقان، أحدهما قبل الآخر: الشفق الأحمر، والشفق الأبيض. وهو يغرب في نصف الليل٦.
ويقال لليوم الذي يسبق اليوم الذي نحن فيه. يوم أمس، أو الأمس، ونهار أمس. أما البارحة، فيراد بها أقرب ليلة مضت، أي: الليلة الماضية. وأما اليوم الذي يلي اليوم الذي نحن فيه، هو نهار الغد، والغد، وبكرة.
_________________
(١) ١ بلوغ الأرب "١/ ٢٧٤"، صبح الأعشى "٢/ ٣٤٨"، نهاية الأرب "١/ ١٤٧". ٢ "الشاهد يوم الجمعة وصلاة الشاهد صلاة المغرب"، تاج العروس "٢/ ٣٩٢". ٣ بلوغ الأرب "١/ ٢٧٤"، "الهتكة"، صبح الأعشى "٢/ ٣٤٨". ٤ Ency.، IV، P. ١٢١٠ ٥ الأنواء "ص١٤٣". ٦ الأنواء "ص١٤٣ وما بعدها".
[ ١٦ / ١٠٤ ]