وقد عثر المنقبون والباحثون عن الآثار القديمة على رسوم بشر وحيوان ونبات نقشها الجاهليون على الصخور والحجارة، يرمز بعض منها إلى أمور دينية وأساطير قديمة. ويعبر البعض الآخر عن مواهب فنية عند حافري هذه الصور، وعلى مقدرة تقدر في الرسم، وعلى وجود ميول فطرية عند أصحابها في الفن، وفي محاولة إبراز العواطف النفسية والتعابير بلغة فنية يفهمها كل إنسان، هي لغة الرسم والنقش.
وفي أخبار أهل الأخبار أن أهل الجاهلية كانوا يتقربون إلى الصور، كما كانوا يزينون بيوتهم بالصور وبالنسيج المصور، كما كانوا يستعملون ستائر ذات صور، ويلبسون ملابس ذات صور ورسوم. ولما فتح الرسول مكة، أمر بتحطيم ما كان بها من أصنام وأوثان. وقد ذكر أهل الأخبار، أنه كانت في الكعبة حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها، ثم وجد صور الملائكة وغيرهم، فرأى إبراهيم مصورًا في يده الأزلام يستقسم بها، وصورة عيسى بن مريم وأمه، وصورة الملائكة أجمعين. فأمر الرسول بطمس تلك الصور، فغسلت بالماء، ومسحت بثوب بلّ بالماء، فطمست، إلا صورة عيسى بن مريم وأمه، إذ أمر الرسول بإبقائها كما تقول بعض الروايات، فبقيت إلى أيام "عبد الله بن الزبير"، فلما
[ ١٥ / ٨٨ ]
تهدم البيت، تهدمت الصورة معه١.
وفي شعر "امرئ القيس" إشارة إلى التصوير. ففي البيت:
بلى ربّ يومٍ قد لهوت وليلة بآنسة كأنها خط تمثال
إشارة إلى التصوير. فالخط: الكتابة والرسم، والتمثال: الصورة، والصنم، أي التمثال المجسد. والتماثيل: الصور. وقد كانوا يصورون الصورة ويرسمونها قبل الإسلام٢.
ولكننا لا نملك اليوم صورًا زيتية أو صورًا أخرى مرسومة بالألوان أو الحبر أو الصبغ الأسود على أدم أو قراطيس، أو ألواح، فإن مثل هذه الصور لا يمكن أن تعمر طويلًا تحت الأتربة لذلك تبلى، ولا أستبعد احتمال عثور المنقبين في المستقبل على مثل هذه الصور، لما ذكرته من وجود الصور والتصوير عند الجاهليين.
وقد كان الجاهليون يقتنون الصور يضعونها في بيوتهم للزينة، كما كان هناك مصورون يعيشون من بيع الصور التي يرسمونها، وصناع تماثيل، ينحتونها أو يعملونها بالقوالب بجعل عجين الجبس فيها، فإذا جفّ أخذ شكل التمثال، فيباع. وقد أشير إلى التصوير وصنع التماثيل في الحديث، بمناسبة ما ورد فيه من كره الإسلام للتصوير، أو تحريمه كما ذهب إليه البعض، فقد كره في الإسلام تصوير كل ذي روح، مثل: تصوير إنسان أو حيوان، وكره بيع المصورات، واتخاذ التصوير حرفة يتعيش منها. وقد سأل بعض المصورين "ابن عباس" رأيه في التصوير، وهي حرفته التي كان يتعيش منها، فنهاه عنها، إلا إذا صور شجرًا أو شيئًا لا روح فيه. وكانت معيشة هذا المصور من صنعة يده، يصنع التصاوير ويبيعها للناس٣.
_________________
(١) ١ الأزرقي "١/ ١٠٤ وما بعدها"، السيرة الحلبية "٣/٨٧"، ابن هشام، سيرة "٢/ ٢٧٤ وما بعدها"، "حاشية على الروض"، الروض الأنف "٢/ ٢٧٤ وما بعدها"، ابن الأثير "٢/ ١٠٥"، نهاية الأرب "١٧/ ٣١٣"، إمتاع الأسماع "١/ ٣٨٥". ٢ الخزانة "١/ ٣١"، "بولاق". ٣ إرشاد الساري "٤/ ١٠٧"، "باب بيع التصاوير".
[ ١٥ / ٨٩ ]
وقد كانت الوثنية لا تتعارض مع التصوير، بل كانت تشجعه وتشجع الفنون الجميلة. فقد كانت الأصنام عماد سنتهم، وإليها كانوا يتقربون، وكانوا يضعونها في بيوتهم للتقرب إليها والتبرك بها، كما أنهم لم يكرهوا الغناء ولا الموسيقى، لما لهما من صلة بأعيادهما وبالطقوس الدينية.
وقد منع من بيع الأصنام، أي: التماثيل في الإسلام، كما حرم بيع الصور المتخذة من جوهر نفيس١، وكان بين أهل مكة وغيرها من القرى أناس يتعيشون من بيعها، ويتفننون في صنعها، فماتت بذلك هذه الحرفة التي هي من الفنون الجميلة، مثل التصوير.
_________________
(١) ١ إرشاد الساري "٤/ ١١٤"، "باب تحريم بيع الميتة والأصنام".
[ ١٥ / ٩٠ ]