هناك نوعان من السنين: سنين بنيت على أساس الشهور القمرية التي تثب بمراقبة القمر، وسنتها سنة قمرية Lunar Year. والتقويم الذي يقوم عليه تقويم قمري. وسنون بنيت على أساس شمسي Solar. والتقويم القائم عليها، تقويم شمسي، شهوره ثابتة لا تتغير. وعدة الشهور عند العرب اثنا عشر شهرًا، سواء كانت السنة شمسية أم قمرية١.
ولقد قلت فيما سبق: يظهر من النصوص الجاهلية، أن أهل العربية الجنوبية كانوا يعملون بالتقويم الشمسي، وفقًا للمواسم الزراعية، لأننا نراهم في هذه النصوص يزرعون ويبذرون ويحصدون في شهور معينة، ويدفعون الضرائب في مواسم ثابتة، كما نرى أن أسماء الشهور، عندهم ذات معان متصلة بالطبيعة، مثل الجفاف، والمطر، والحر، والبرد، والربيع، والخريف، ولو كانت سنتهم سنة قمرية محضة، لما سمّوا أشهرهم بأسماء اشتقت من الحر والبرد واعتدال الجو وحلول الخريف، إذ لا يعقل وقوع المعاني المذكورة مع تغير الشهور وعدم استقرارها على حال من الأحوال. إلا أن تواريخهم بالسنة الشمسية،
_________________
(١) ١ اليعقوبي "١/ ١٧٧".
[ ١٦ / ١٤٣ ]
لم يمنعهم من التوريخ بالتقويم القمري في أمورهم الاعتيادية، كما في وفاء الديون، وأخذ الديات، والبيع والشراء، والأسفار، لوضوح الشهر القمري، وإمكان حساب الأهلة وضبط عددها بسهولة ويسر، فيسهل على المتعاقدين التعاقد بموجب عدد الأهلة، أما الزراعة، وتربية الحيوان ودفع الضرائب وما شابه ذلك، فلا صلة لها بالأهلة، وإنما صلتها بالمواسم والفصول، وهي من مكونات السنة الشمسية.
إذن كان العرب الجنوبيون يؤرخون ويعملون بتقويمين: تقويم قمري، وآخر شمسي.
استعمل العرب الجنوبيون التقوم الشمسي في الزراعة، واستعملوا التقويم القمري للأغراض التي ذكرتها، والتقويم النجمي أي: التقويم الذي يقوم على رصد النجوم لأغراض دينية وللوقوف على الأنواء الجوية لما لها من صلة بالزراعة وبالحياة العامة١.
ويتبين من النصوص الثمودية واللحيانية والصفوية، ومن النصوص النبطية، ومن نص النمارة، أن أصحابها كانوا يتعاملون وفقًا للتقويم الشمسي في الأمور التي لها اتصال مباشر بالطبيعة، ووفقًا للتقويم القمري في الأمور الأخرى، لسهولة ضبط الأهلة، وتحقيق العقود بموجبها. وإذا كان الحال على هذا المنوال عند هؤلاء وعند العرب الجنوبيين، فبإمكاننا القول أن بقية الجاهليين، ممن لم يتركوا لنا نصوص، كانوا يتبعون التقويمين كذلك، جريًا على سنة الناس في ذلك العهد، ومنهم الأعاجم، من اتباعهم التقويمين المذكورين في تنفيذ العقود والالتزامات وفي ضبط الأزمنة.
ومما يؤيد اتباع العرب الشماليين للتقويم الشمسي، ما ذكره الكتاب اليونان واللاتين، من أن العرب كانوا يقيمون طقوسهم الدينية ويؤدون شعائرهم المقدسة كالحج إلى المحجات في أوقات ثابتة، فقد ذكر "أفيفانيوس"، أن للعرب شهرًا يحجون فيه إلى محجاتهم، ويقع ذلك في شهر "تشرين الثاني"٢، كما
_________________
(١) ١ Rhokokanakis، Studien zur Lexikographie und. Grammatik des Altsudarabischen، Band، ٢ S. ١٤٥، Sab. Denkm، S. ٢١، Glaser، Zwei Inschriften، s. ٤٧، Note ٧، ZDMG، ٤٦، ٣٢٢، Glasser، Die Sternkunde der Sudarabischen Qabylen in SBWA، Winckler، AOF، ٢، S، ٣٥١. ٢ Epiphanius، Haer، ٥١، ٢٤، Reste، S. ٨٥، ١٠٠، Ency. Religi، ١٠، p. ١٠.
[ ١٦ / ١٤٤ ]
ذكر "بروكوبيوس"، أن العرب كانوا قد جعلوا شهرين في السنة حرمًا لآلهتهم لا يغزون فيهما ولا يهاجم بعضهم بعضًا، ويقعان في تموز وآب١، وذكر "فوثيوس"، أن العرب كانوا يحتفلون مرتين في السنة بالحج إلى معبدهم المقدس: مرة في وسط الربيع عند اقتران الشمس ببرج الثور، وذلك لمدة شهر واحد، ومرة أخرى في الصيف، وذلك لمدة شهرين٢. وفي هذه الإشارات إلى الأشهر المقدسة، وإلى كونها ثابتة لا تتغير بتغير المواسم، دلالة على سير العرب في تقويمهم، وفقًا للتقويم الشمسي.
وقد عرف التاريخ عند الجاهليين، بدليل عثور الباحثين على نصوص كثيرة مؤرخة. وقد زعم علماء اللغة "أن التأريخ الذي يؤرخه الناس ليس بعربي محض، وأن المسلمين أخذوه من أهل الكتاب"٣، وفي كلامهم صحة، إذا كان قصدهم التأريخ العام للعالم، الذي يبدأ وفقًا لما جاء عند أهل الكتاب من الخلق ظهور آدم فالأنبياء والرسل والملوك إلى أيامهم، وفيه خطأ، إذا قصدوا به، التأريخ مطلقًا، أي: تثبيت الوقت، على نحو ما نفهم من قولنا: أرخ الحادث، وأرخت الكتاب، فقد عرف التأريخ عند الجاهليين، بدليل وروده في نصوصهم. واستعمالهم لفظة "بورخ"، للتأريخ. وكلمة "ورخ"، من الكلمات الواردة بكثرة في النصوص، ومنها لفظة "توريخ" و"ورّخ" بمعنى أرخ في عربيتنا. ولفظة "أرخ" نفسها هي من هذا الأصل.
وقد عرف "الجاحظ" أن الجاهليين كانوا يؤرخون إذ قال: "وكانوا يجعلون الكتاب حفرًا في الصخور، ونقشًا في الحجارة، وخلقة مركبة في البنيان؛ فربما كان الكتاب هو الناتئ، وربما كان الكتاب هو الحفر، إذا كان تأريخًا لأمر جسيم، أو عهدًا لأمر عظيم، أو موعظة يرتجى نفعها، أو إحياء شرف يريدون تخليد ذكره، أو تطويل مدته، كما كتبوا على قبة غمدان. وعلى عمود مأرب وعلى ركن المشقر، وعلى الأبلق الفرد يعمدون إلى الأماكن المشهورة، والمواضع المذكورة، فيضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور، وأمنعها من الدروس،
_________________
(١) ١ Procopius، II، P. ١٦ ٢ Reste، ١٠١. Winckler، Alt. Orient. Faroch، II، Reibe، ١ Band، S. ٣٣٦. ٣ تاج العروس "٢/ ٢٥٠"، "أرخ".
[ ١٦ / ١٤٥ ]
وأجدر أن يراها من مرّ بها، ولا تنسى على وجه الدهر"١.
ثم قال: "وكانت العرب في جاهليتها تحتال في تخليدها، بأن تعتمد ذلك على الشعر الموزون، والكلام المقفى، وكان ذلك هو ديوانها ثم إن العرب أحبت أن تشارك العجم في البناء، وتنفرد بالشعر، فبنوا غمدان، وكعبة نجران وقصر مارد، وقصر مأرب، وقصر شعوب، والأبلق الفرد، وفيه وفي مارد، قالوا: تمرد مارد وعز الأبلق، وغير ذلك من البنيان"٢. ثم تعرض لأهمية الكتب ولشأنها في تخليد الذكرى، فقال: "والكتب بذلك أولى من بنيان الحجارة وحيطان المدر، لأن من شأن الملوك أن يطمسوا على آثار من قبلهم، وأن يميتوا ذكر أعدائهم، فقد هدموا بذلك السبب أكثر المدن وأكثر الحصون، كذلك كانوا أيام العجم وأيام الجاهلية، وعلى ذلك هم في أيام الإسلام، كما هدم عثمان صومعة غمدان، وكما هدم الآطام التي كانت بالمدينة، وكما هدم زياد كل قصر ومصنع كان لابن عامر، وكما هدم أصحابنا بناء مدن الشامات لبني مروان"٣.
وتتناسب أساليب التأريخ مع درجة عقلية المؤرخ ومستواه العقلي، لذلك نجد التواريخ بالأمور العادية البسيطة بين الرعاة والأعراب والسوقة من الناس، بينما نجد غيرهم ممن هم فوقهم درجة في العقل والثقافة يؤرخون بمناسبات لها شأن وأهمية، مثل التقاويم العامة المهمة، المثبتة بمبدأ، حيث يؤرخ بموجبها.
وقد تبين لنا من دراسات نصوص المسند، أن أصحابها استعملوا جملة طرق في تأريخهم للحوادث، وتثبيت زمانها، فأرخوا بحكم الملوك، فكانوا يشيرون إلى الحادث بأنه حدث في أيام الملك فلان، من غير تعيينه بسنين، وذلك كما في هذا المثل: "بيوم اليفع يشر ملك معنم"٤، أي "يوم اليفع يشر ملك معين"، و"بيوم يذمر ملك وترال"٥. ومعناهما في "أيام حكم اليفع يشر ملك معين"، أو "وكان ذلك في حكم اليفع يشر ملك معين" بالنسبة للفقرة الأولى و"في أيام يذمر ملك وترايل"، أو" في حكم يذمر ملك ووتر ايل"،
_________________
(١) ١ الحيوان "١/ ٦٨ وما بعدها"، المحاسن والأضداد "٣"، "مجلس الكتابة والكتب". ٢ الحيوان "١/ ٧٢". ٣ الحيوان "١/ ٧٣". ٤ REP. EPI. ٢٨٦٩ ٥ المصدر نفسه الرقم ٢٧٤٠، Beeston
[ ١٦ / ١٤٦ ]
أو "وكان ذلك في أيام حكم يذمر ملك وترابل" بالنسبة للجملة الثانية. فلم يذكرالنص السنة التي دون فيها النص، أو أرخ فيها النص من سني حكم الملك المذكور. وهي سنون قد تكون قصيرة، وقد تكون طويلة. ولفظة "يوم" هو بمعنى" "حكم" و"أيام".
وقد يؤرخ بحكم موظف من كبار موظفي الحكومة من حملة درجة "كبر" "كبير"، مثلًا، أو غيرها من الدرجات العالية في الحكومة أو في المجتمع.
كما أرخوا بأيام الرؤساء والسادات وأرباب الأسر. وليس العرب الجنوبيون بدعًا في هذا الباب، فقد كان غيرهم يؤرخ بهذه الطرق. وذلك قبل توصلهم إلى اتخاذ تقويم واحد ثابت له بداية معينة تؤرخ به.
والغالب ذكر اسم الشهر مع حكم الكبير أو الرئيس أو إنسان آخر، كما في هذا المثال: "بورخ ذ طنفت ذ كبر ايتم ذ عرقن"١، ومعناها "بشهر ذو طنفت من كبارة أيتم ذو عرقن"١، وبعبارة أوضح "بشهر ذو طنفت من حكم الكبير أيتم ذو عرقن"، و"ذو طنفت"، اسم شهر من الشهور.
والكتابات المؤرخة بهذه الطريقة، على أنها أحسن حالًا في نظرنا من الكتابات المهملة التي لم يؤرخها أصحابها بتأريخ، إلا أننا قلما نستفيد منها فائدة تذكر.
إذ كيف يستطيع مؤرخ أن يعرف زمانها بالضبط، وهو لا يعرف شيئًا عن حياة الملك الذي أرخت به الكتابة، أو حكمه، أو زمانه، أو زمان الرجال الذين أرخ بهم؟ لقد فات أصحاب هذه الكتابات أن شهرة الإنسان لا تدوم، وأن الملك فلانًا، أو رب الأسرة فلانًا، أو الزعيم فلانًا سينسى بعد أجيال، وقد يصبح نسيًا منسيًّا، لذلك لا يجدي التأريخ به شيئا، وذاكرة الإنسان لا تعي إلا الحودث الجسام. لهذا السبب لم نستفد من كثير من هذه الكتابات المؤرخة على وفق هذه الطريقة، إن استفدنا منها في أمور أخرى لا صلة لها بتثبيت تواريخها.
وقد تجمعت لدينا أسماء أشخاص أرخ الناس بأيامهم لأنهم كانوا أصحاب جاه ونفوذ، لكننا لا نعرف اليوم من أمرهم شيئًا، لأن النصوص لم تذكر شيئًا.
_________________
(١) ١ REP. EPI. ٣٦٠٩، ٣، Beeston، P. ٢٦
[ ١٦ / ١٤٧ ]
عنهم، وعن أيامهم، منهم: "عم علي" من "آل رشم" من عشيرة "قفعن"١، و"موهم ذ ذرحن"، أي "موهب ذو ذرحان"٢. و"غوث إيل" من "آل بيحان" "بيحن"٣. و"شهر يجر"٤، و"ذران" ذرءان"٥، و"أب علي بن شحز"، أي "أبو علي" من قبيلة" شحر"٦. وكل هؤلاء الذين أرخ بهم هم من قتبان.
ومن الأسر التي أرخ بأيامها أسرة "نبط" و"مبحظ"٧ و"حزفرم كبر خلل" "حزفر كبير خليل" و"حذمت" و"فضحم"٨.
كما تجمعت لدينا أسماء عدد من الأشهر في اللهجات العربية الجنوبية المختلفة، تحتاج إلى دراسة لمعرفة ترتيبها بالنسبة للمواسم والسنة. ويظهر أنهم كانوا يستعملون أحيانًا مع التقويم الذي يؤرخ بحكم الرجال، تقويمًا آخر هو التقويم الحكومي، وتختلف أسماء شهور هذا التقويم عن أسماء شهور التقاويم التي تؤرخ بالرجال٩.
وقد تغير الحال في كتابات المسند منذ سنة "١١٥" قبل الميلاد، على رأي غالبية الباحثين، أو السنة "١٠٩" على رأي "ريكمنس"، إذا أرخت بتقويم ثابت أرخت بموجبه إلى قبيل الإسلام. مبدأه سنة سقوط حكومة سبأ وتكوين حكومة "سبأ وذي ريدان"، على رأي بعض علماء العربيات الجنوبية، فأرخ
_________________
(١) ١ السطر الثاني والعشرون من النص المنشور في: Rep. Epig، VI، I، p. ٢١٨، Glaser، Alt. Nachr، s. ١٦٢. ff. Grundriss، S. ٣٣، Glaser ٢٥٦٦. ٢ راجع نهاية الفقرة ٦ وأول الفقرة ٧ من النص. Glaser ١٦٠١ Rhodokanalds، K.T.B.، I، S. ٨. If. ٣ Rep. Epig.، ٣٦٩٣، Tome VI، II، p. ٢٧٥. ٤ Rhodokanalds، K.T.B. I، S. ١٢٢. f.، Rip. Epig. ٣٦fl٣، Tome VI، II،p. ٢٥٩. ٥ SE. ٨٠a، Glaser ١٣٩٨، ١٦٠٩، Rep. Epig. ٣٨٧٩، Vol.، VI، II، p. ٣٣٤. ٦ Halevy ٥٠٤، Rhodokanalds، K. T.B.، I، S. ٣٤، II، S. ٧. ٧ ٧AJP.L. Beeston، Eplgraphic South Arabian Calenders and Datlngs، London، ١٩٥٦، A.G. Lundin، Eponymat Sabeen et Chronologle Sabfiene، ٢٦، Congr. Intern، des Orientalistes، Conf. Pres. par la delegation de ١١JRSS، Moseou، ١٩٦٣، Le Mus٦on، ١٩٦٤، ٣-٤، p. ٤٢٩. ٨ Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، p. ٤٩٦. ٩ Rhodokanakis، KTB.، I، S. ٨١. f.
[ ١٦ / ١٤٨ ]
بهذا الحادث، ولا سيما في الكتابات الرسمية المتأخرة١. ويرى "بيستن" أن مبدأ هذا التقويم غير مضبوط، وأن مبدأه فيما بين السنة ١١٨- ١١٠ قبل الميلاد.
ويرى أيضًا أن العرب الجنوبيين لم يؤرخوا به في هذا العهد؛ لأن النصوص التي تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد كانت لا تزال تؤرخ بالتأريخ القديم، أي: بالتواريخ الغير الثابتة، مثل التأريخ بأيام الملوك والكبراء والكهنة وأمثالهم، فلو كانوا يؤرخون به لما أهملوه. ويرى أنهم إنما أرخوا به بعد ذلك، في حوالي القرن الثالث للميلاد.
وقد ساعدنا هذا التقويم على تثبيت تواريخ عدد من النصوص أرخت بموجبه، وعلى معرفة تأريخ هذه الحقبة التي أرخت بها. ولكن النصوص المؤرخة قليلة العدد، ثم إننا لا نملك نصًّا واحدًا منها من ابتداء العهد بالتأريخ به، كذلك لا نملك نصوصًا مؤرخة يعود عهدها إلى قبيل الميلاد، أو إلى القرن الأول أو الثاني منه.
وأقدم نص مؤرخ بهذا التقويم، هو النص الموسوم بـCIH، وتأريخه سنة "٣٨٥" من هذا التقويم، وهو يساوي السنة "٢٧٠" أو "٢٧٦" للميلاد.
وهو من أيام الملك "يسرم يهنعم" "ياسر يهنعم" ملك سبأ وذي ريدان وابنه "شمر يهرعش". ويراد بهما "ياسر يهنعم" الثاني و"شمر يهرعش" الثالث على رأي "فون وزمن"٢. ونص آخر للملك "ياسر يهنعم"، تأريخه سنة "٢٧٤" أو "٢٨٠" للميلاد. والنص الموسوم بـ CIH ٤٤٨ = MM ١٥٠، وهو يساوي سنة "٢٨١" أو "٢٨٧" بعد الميلاد.
وهناك نصوص مؤرخة أخرى من أيام الملك "شمر يهرعش"، ونصوص من بعد أيامه حتى أيام تملك الحبشة لليمن. أما ما بعد أيام الحبشة في اليمن، أي: أيام استيلاء الفرس عليها ثم أيام دخولها في الإسلام، فلم يصل إلينا منها نص، لا مؤرخ ولا غير مؤرخ٣.
_________________
(١) ١ Mordtmann und Eugen Mitwoch، Sabaische Inschriften، Hamburg، ١٩٣١، S. I. ٢ Le Museon ١٩٤٦، ٣-٤، P. ٤٨٤، Jamme، Sabaean Inscription، P. ٣٥٣. ٣ Mordtmann und Eugen Mittwoch، Sabaishe Inschriften، Hamburg، ١٩٣١، s. L.
[ ١٦ / ١٤٩ ]
وآخر هذه النصوص المؤرخة، هو النص الموسوم بـ CIH ٥٢٥، وتاريخه سنة "٦٦٩" من التأريخ الحميري، وهو يقابل سنة "٥٥٤" للميلاد. ويمكن أن نقول إن هذا النص هو آخر نص مؤرخ عثر عليه لا في المسند وحده، بل في كل اللهجات العربية الأخرى، وهو أقرب تلك الكتابات عهدًا بالإسلام.
ويلاحظ أن بعض الكتابات المؤرخة تذكر لفظة "بورخ" أو "ورخسن" "ورخ"، ثم تذكر بعدها اسم الشهر الذي أرخ النص به، ثم عدد السنين بالنسبة للتقويم. ويراد بها معنى "شهر"، وذلك كما في هذه العبارة: "ورخس ذو سحر"، أي: "في شهر ذو سحر"، و"بورخ ذو خرف"، أي: "بشهر ذو الخريف"، أو "بورخ ذ معن"، أي: "بشهر ذي معان" "بشهر ذي معين"، "بشهر ذي معون"، وهناك كتابات مؤرخة استعملت لفظة "ورخهو" بمعنى "وتأريخه". كما في هذه الجملة: "ورخهو ذ لثني وسثي وسث ماثم"١، أي: "وتأريخه لاثني وستين وست مئة"، وبعبارة أوضح: "وتأريخه لسنة اثنين وستين وست مئة". فاستعملت لفظة "ورخهو" إذن، بالمعنى العلمي الذي نستعمله اليوم حين نؤرخ عهودنا ووثائقنا، فتقول: "أرخت بـ" أو "تأريخها".
وترد لفظة "خرفن"، أي: سنة، قبل عدد السنين في بعض النصوص، مثل: "خرفن ذ لثلئت وأربعي وخمس ماتم"٢، ومعناها: "السنة الثالثة والأربعين بعد الخمس مائة"، وقد تلحق لفظة "خرفتم"، بعد عدد السنين. كما في هذا المثال: "ورخهو ذ حجتن ذل أربعي وسث ماتم خرفتم"٣. ومعناه: "تأريخه أو شهره ذو الحجة لأربع وستمائة سنة". وتقابل هذه السنة سنة "٤٨٩" أو "٤٩٥" للميلاد.
ويلاحظ أن النصوص السبئية المؤرخة قد أرخت بتقويمين: تقويم عرف بـ"خريفتم بن خريف نبط"، "خرفتم بن خرف نبط"٤، أي: بـ "سنين
_________________
(١) ١ CIH ٥٤١، Glaser ٦١٨. ٢ Ryckmans ٥٣٤، Beeston، p. ٥٧. ٣ CIH ٦٢١، Beeston، p. ٣٧، Glser، Die Abessinier in Arabien und Afrika، ١٨٩٦، S. ١٥٢ Zwei Inschriften، S. ٨٦. ٤ REP. EPIGR. ٤١٩٦.
[ ١٦ / ١٥٠ ]
من سنة نبط"، ومعناه أن هذه السنين المذكورة، هي وفقًا للتقويم الجاري على سني "نبط"، أو تقويم "نبط"، وتقويم آخر قدرت السنين فيه وفقًا لسني "مبحض بن أبحض"، "ذ بخرفن ذل بن خرف مبحض بن أبحظ"١. ويشير ذلك إلى وجود مبدأين للتأريخ عن السبئيين: التأريخ بتقويم "نبط"، والتأريخ بتقويم "مبحض بن أبحض". وذلك في الكتابات التي تعود إلى القرن الثالث ونهايته لما بعد الميلاد. كالكتابات التي تعود إلى أيام "ياسر يهنعم" و"شمر يهرعش"، أما الكتابات المتأخرة، فقد اختفت منها هاتين التسميتين، ويظن أنهم أخذوا بالتأريخ بتقويم "مبحض" ولذلك أهملوا الإشارة إلى الاسم. لأنه كان معلومًا عندهم. ويرى "بيستن" أن الفرق بين التقويمين هو قرابة نصف قرن أو ثلاثة أرباع قرن٢.
وأسلوب التوريخ في النصوص السبئية المتأخرة هو أن تذكر لفظة "ورخن" أولًا، ثم اسم الشهر من بعده، ثم السنة، كأن تقول: "ورخهن ذ مذرن ذل ٣١٦ خرفتم بن خرف نبط"٣، أي "وبشهر ذ مذران لـ٣١٦ سنة من سنة نبط"، أو "وبتأريخ ذ مذران من سنة ٣١٦ من سني نبط"، أو مثل "ورخهو ذ داون ذ لخرفين ذل أربعت وسبعي وخمس ماتم"، أي: "وشهره ذ داوان للسنين التي هي ٥٧٤"٤، أو وتأريخه ذ داوان للسنة ٥٧٤"، ومثل: "خرفن ذل ثلثت وأربعي وخمسمس ماتم"، أي: "سنة ٥٤٣"٥، ومثل: "وخرفهو ذ حجتن ذل أربعي وسث ماتم خرفتم"٦، أي: "وشهره ذو الحجة لأربعين وستمائة سنة"، أو "وتأريخه ذوالحجة الموافق لـ٦٤٠ سنة مضت"، ومثل: "وخرفهو ذل ثني وسثي وسث ماتم"٧، أي: "وتأريخه لاثنين وستين ومائة"٨.
_________________
(١) ١ CIH ٤٦، ٤٤٨، REP. EPIGR. ٣٨٦٦، Beeston، p. ٣٦. ٢ Beeston، p. ٣٦. ٣ REP. EPIG. ٤١٩٦. ٤ Ryckmans ٥٢٠. ٥ Ryckmans ٥٣٤. ٦ CIH ٦٢١. ٧ Ryckmans ٥٠٦. ٨ Beeston، p. ٧٣.
[ ١٦ / ١٥١ ]
ومن الغريب أن أهل الأخبار قد أغفلوا الإشارة إلى هذا التقويم فلم يذكروا عنه شيئًا، ولم يشيروا إلى أن العرب الجنوبيين كانوا يؤرخون به، مع أهميته وكونه تقويمًا رسميًّا.
هذا، وإن في استطاعتنا القول بأن اليمن لم تسر رسميًّا على التقويم العبراني أو التقويم النصراني، حتى في أيام احتلال الحبش الأخير لليمن، أو في أيام استيلاء الفرس عليها، وذلك بدليل توريخ أبرهة عامل الحبشة على اليمن، وهو نصراني، نصوصه بالتقويم اليماني المستعمل في اليمن الذي تحدثت فيما سلف عن مبدئه، مع أنه حاكم اليمن وممثل الحبش فيها وهو نصراني. وبدليل توريخ عدد من كتابات المسند المتأخرة من عهد لا يبعد كثيرًا عن الإسلام بهذا التقويم.
وليس بالتقويمين المذكورين، أو بأي تقويم آخر من التقاويم المستعملة عند الشرقيين.
ولكن ما أذكره لا يعني بالطبع عدم احتمال توريخ يهود اليمن أو نصاراها أو غيرهم بتقاويم أخرى، مثل التقويم العبراني أو الميلادي، أو غيرهما. وما أقوله هو عن التقويم الرسمي المدون في المسند، وربما سيعثر في المستقبل على نصوص تعود إلى عهد احتلال الحبش لليمن، يرد فيها التأريخ بأيام الحبش فيها، أو بالتأريخ الرسمي الذي كان يتبعه الأحباش في مملكتهم.
أما العرب الشماليون، عرب العراق وبادية الشام وبلاد الشام، فلم يرد إلينا من نصوصهم المؤرخة إلا عدد محدود، منها نص النمارة الذي يعود عهده إلى السنة "٣٢٨" للميلاد. وهو مؤرخ بتقويم بصرى، وبصرى مركز مهم، كان يقصده عرب الحجاز للاتجار وقد وصل إليه النبي. وكان عرب هذه المنطقة يؤرخون به. ويبدأ هذا التقويم بدخول بصرى في حوزة الروم سنة "١٠٥" أو "١٠٦" للميلاد، أي: السنة التي تم فيها القضاء على حكومة النبط وإلحاق "بترا" بـ"الكورة العربية"١.
ولهذا فإذا أردنا تحويل سنة من السنين التي أرخ بها وفقًا لتقويم بصرى،
فعلينا إضافة الرقم "١٠٥" أو "١٠٦" على سني تقويم بصرى، فيكون حاصل
_________________
(١) ١ Die Araber، II، S. ٣١٩.
[ ١٦ / ١٥٢ ]
الجمع السنة وفقًا للتقويم الميلادي تقريبًا. فتأريخ نص النمارة هو سنة "٢٢٣" من تقويم بصرى، وقد أضفنا إليه الفرق وهو "١٠٥"، فصار الحاصل "٣٢٨"، وهو ما يقابلها من سني الميلاد.
وقد أرخت كتابة "حرّان" اليونانية بسنة أربع مئة وثلاث وستين من الأندقطيّة الأولى، وهي تقابل سنة ٥٦٨ للميلاد، والأندقطية هي دائرة ثماني سنين عند الرومانيين، وكانت تستعمل في تصحيح تقويم السنة. أما النص العربي فقد أرخ بسنة "٤٦٣"، بعد مفسد خيبر بعام. ويراد بجملة: "بعد مفسد خيبر بعم"، غزوة قام بها أحد أمراء غسان أو غيره لخيبر، وذلك في رأي الأستاذ "ليتمان"١. وعندي أن السنة "٤٦٣"، التي أرخ بها النص العربي، هي من سني تقويم بصرى، بدليل أننا لو أضفنا إليها الرقم "١٠٥" المذكور، صار الحاصل "٥٦٨"، وهو كناية عن سني الميلاد، المقابلة لسني بصرى. وعلى ذلك يكون تدوين هذا النص قد تم بعد غزو خيبر بعام، أي: أن هذا الغزو قد وقع سنة "٥٦٧" للميلاد. وقد كان "الحارث بن جبلة" يحكم "غسان" آنذاك، فتصدق رواية "ابن قتيبة" حينئذ التي تذكر أنه غزا خيبر، وسبا أهلها ثم أعتقهم بعدما قدم الشام٢.
وقد استعمل التقويم الذي يؤرخ بحكم "الإسكندر" تقويمًا عند اليونان وفي بلاد الشأم، وعند عرب بلاد الشأم أيضًا. ومبدأه الأول من شهر نيسان لسنة "٣١١" قبل الميلاد٣، ونجد أثر التأريخ بهذا التقويم في الروايات التي يرويها أهل الأخبار عن عرب بلاد الشأم والعراق. وقد بقي الناس يؤرخون به إلى أن حل التقويم الميلادي محله، فنسي ذلك التقويم. وذكر "المسعودي" أن ما بين الإسكندر إلى المسيح ثلاثمائة سنة وتسع وستون٤.
وقد كان الصفويون مثل غيرهم يؤرخون بالحوادث التي يكون لها شأن عندهم،
_________________
(١) ١ جواد علي، تأريخ العرب قبل الإسلام "١/ ١٨"، السامية "١٩٢"، Rivista degli stud. Orientali، ١٩١١، p. ١٩٥. ٢ المعارف "٦٤٢". ٣ Die Araber، II، S. ٢٣٦، Hastings، extra Volume، ١٩٠٤، p. ٤٨٣. ٤ مروج الذهب "٢/ ١٨٣ وما بعدها"، "ذكر شهور السريانيين".
[ ١٦ / ١٥٣ ]
مثل حروبهم بعضهم مع بعض، أو حروبهم مع غيرهم مثل النبط أو الروم.
وقد أرخ بعضها بحوادث ذات صفة خاصة وعائلية، مثل "سنة قتله خاله"، أو "سنة وفاة والده". وهي حوادث لا يمكننا الاستفادة منها في استنباط تأريخ منها؛ لأننا لا نعرف من أمرها شيئًا. غير أن هنالك نصوصًا مؤرخة أفادتنا بعض الإفادة في الوقوف على التوقيت عند الصفويين. ففي نص لرجل اسمه "أنعم بن فخش"، ما يفيد أنه استولى على غنائم "سنة الحرب مع النبط".
ويقصد بسنة الحرب مع النبط، السنة التي قضى فيها الرومان على مملكة النبط، وهي سنة "١٠٥" أو "١٠٦" للميلاد. وقد صارت هذه السنة مبدءًا للتأريخ في "بصرى"، وعند العرب الصفويين١.
ولدينا نص صفوي آخر، أرخ بـ"سنت حرب همدي ال روم"، أي: "سنة محاربة الميديين الروم"، أو "سنة حرب الميدين الروم". ويرى "ليمان" أنه قد توصل إلى ضبط تأريخ هذه الحرب. هناك نص أرخ بـ "سنت قتل ال حمد"، ويظن أنه يشير إلى معركة دارت على قبيلة تسمى "آل حمد".
وصاحب النص رجل من قبيلة تسمى "الرحبة"٢، ولا زال الأعراب يؤرخون بأيام قتالهم بعضهم مع بعض.
ونحن لا نعلم اليوم كيف كان يؤرخ أهل الحيرة أو الغساسنة، لعدم ورود نصوص مدونة عن ذلك سوى ما ذكرته من نص النمارة المؤرخ بموجب تقويم بصرى. ولا أستبعد احتمال استعمال أهل الحيرة التقاويم العراقية أو الفارسية التي كانت شائعة عندهم في ذلك العهد أساسًا للتأريخ. وقد يكون من بينها التقويم النصراني بالنسبة للنصارى، وينطبق ذلك على نصارى الغساسنة أيضًا، كما لا أستبعد استعمال الغساسنة لتقويم الروم. وللتقاويم العربية المألوفة التي تستعمل الأساليب المحلية في تثبيت التواريخ. ويظهر من تأريخ "ابن الكلبي" لحوادث الحيرة وعرب العراق بتقويم الساسانيين لتواريخ ملوكهم، أن أهل الحيرة كانوا قد دونوا تواريخهم بموجبها، ولكن هذا لا يمنع من احتمال أخذ ابن الكلبي أقواله في تواريخهم من تواريخ الفرس ومن رواتهم رأسًا، فلا يكون عندئذ ذكره
_________________
(١) ١ رينيه ديسو، العرب في سوريا قبل الإسلام "ص١٠٣". ٢ العرب في سوريا قبل الإسلام "ص١٠٥".
[ ١٦ / ١٥٤ ]
لتواريخهم دليلًا على تأريخ أهل الحيرة بتقويم الفرس.
ويروي أهل الأخبار أن العرب كانوا يؤرخون بالحوادث العظام التي تحدث لهم، من ذلك عام الحُنان. وهو عام وقع فيه كما يقولون مرض خطير عضال فتك بالناس وبالإبل، فأرخوا به، ورووا في ذلك شعرًا للنابغة الجعدي١. وقد وقع زمن الخنان في عهد المنذر بن ماء السماء، وماتت الإبل منه. فصار ذلك تأريخًا لهم٢. ويظهر أنه كان وباء فتك بالناس وبالإبل، وانتشر في العراق وفي نجد، فأرخ به لأهميته بالنسبة لهم، والتأريخ بالأوبئة شيء مألوف، وأهل بغداد كانوا يؤرخون بطاعون وقع عندهم في عهد العثمانيين وقبل الحرب العالمية بسنوات ولا زال الشيبة يؤرخون به.
وكان أهل مكة يؤرخون بما يقع عندهم من أحداث جسيمة، فإذا أرخوا بحادث ومضى عهد عليه، ووقع له حادث آخر أكثر أهمية وشعبية منه، أرخوا به. فتوالت لهم عدة تواريخ، نسخت بعضها بعضًا، فأرخوا كما يذكر أهل الأخبار بعام رئاسة عمرو بن ربيعة المعروف بعمرو بن لحي، وهو الذي يقال: إنه بدل دين إبراهيم، وحمل من مدينة البلقاء صنم هُبَل، وعمل إسافًا ونائلة، وذلك كما يقال في زمن "سابور ذي الأكتاف". وأرخوا بعام موت كعب بن لؤي إلى عام الغدر، وهو الذي نهب فيه بنو يربوع ما أنفذه بعض ملوك حمير إلى الكعبة من الكسوة، ووثب بعض الناس على بعض في الموسم. ثم أرخوا بعام الغدر إلى عام الفيل الذي أرخوا به٣. قال "الجاحظ": "ومن الخبطاء القدماء كعب بن لؤي، وكان يخطب على العرب عامة، ويحض كنانة على البر، فلما مات أكبروا موته، فلم تزل كنانة تؤرخ بموت كعب بن لؤي إلى عام الفيل"٤.
_________________
(١) ١ فمن يحرص على كبري فإني من الشبان أيام الخنان بلوغ الأرب "٣/ ٢١٤ وما بعدها". ٢ تاج العروس "٩/ ١٩٣" "خنن"، بلوغ الأرب "٣/ ٢١٤"، اللسان "١٣/ ١٤٣" "صادر"، "خنن". ٣ الآثار الباقية "١/ ٣٤". ٤ البيان والتبيين "١/ ٣٥١".
[ ١٦ / ١٥٥ ]
وذكر "اليعقوبي". أن قريشًا كانوا يؤرخون بالسنين، يؤرخون بموت "قصي" لجلالة قصي عنده، فسنة وفاته هي مبدأ تاريخهم إلى أن كان عام الفيل، فأرخوا به لاشتهار ذلك العام١.
وذكروا أنهم أرخوا بعام وفاة هشام بن المغيرة المخزومي، وهو والد أبي جهل، وكان من رؤساء بني مخزوم، وله صيت عظيم بمكة، كما كان سيد قريش في زمانه٢. وقد مات بالرعاف، ذكر أنه كان آخر من مات به من سادة قريش. وزعموا أن الرعاف من منايا "جرهم" أيام جرهم، وأنه أهلكهم، فأرخوا به قال بشير بن الحجير الإيادي:
ونحن إياد عبادُ الإلَه ورهط مناجيه في سُلم
ونحن ولاة حجاب العتيق زمانَ الرعاف على جرهم٣
وورد "زمان النخاع" في موضع "زمان الرعاف"، وهو داء أيضًا، زعم أنه فتك بجرهم، فهلك منهم ثمانون كهلًا في ليلة واحدة سوى الشبان٤. فهو وباء أيضًا زعم أن الناس أرخوا به.
وأرخوا بعام الفيل، بقوا يؤرخون به إلى أن أرخ بالهجرة٥. وقد ترك الحادث أثرًا مهمًّا في ذاكرة قريش، ولهذا ذكروا به في القرآن، حتى يتعظوا به. ويجعلون عام الفيل في الثانية والأربعين من ملك كسرى أنوشروان، وقبل ولاية النعمان بن المنذر المعروف بـ"أبي قابوس" بنحو من سبع عشرة سنة،
_________________
(١) ١ اليعقوبي "٢/ ٤"، "مولد رسول الله". ٢ بلوغ الأرب "٣/ ٢١٥"، "واتخذت قريش موته تأريخًا. وله يقول بجير بن عبد الله بن عامر بن سلمة بن قشير: فأصبح بطن مكة مقشعرًا كأن الأرض ليس بها هشام المحبر "١٣٩". ٣ الحيوان "٦/ ١٥١" ٤ الحيوان "٦/ ١٥١" ٥ بلوغ الأرب "٣/ ٢١٥".
[ ١٦ / ١٥٦ ]
وهي إحدى وثمانين وثمانمائة لغلبة الإسكندر على دارا، وهي ستة ألف وثلاثمائة وستة عشر لابتداء ملك بخت نصر١. وهو العام الذي ولد فيه الرسول على أغلب الروايات.
وأرخت قريش بيوم الفجار وبحلف الفضول.
وكانوا يسمون السنين بالحوادث الخطيرة الجليلة التي تقع فيها. وقد فعل ذلك المسلمون أيضًا في صدر الإسلام، فسموا كل سنة مما بين الهجرة والوفاة باسم مخصوص بها مشتق مما اتفق فيها للنبي. فسموا السنة الأولى للهجرة سنة الأذن، والثانية سنة الأمر بالقتال، والثالثة سنة التمحيص، والرابعة سنة الترفئة، والخامسة سنة الزلزال، والسادسة سنة الاستئناس، والسابعة سنة الاستغلاب، والثامنة سنة الاستواء، والتاسعة سنة البراءة، والعاشرة سنة الوداع، فكانوا يستغنون بذكرها عن عددها من لدن الهجرة٢.
وأما الأعراب، فتواريخهم برئاسة ساداتهم، وبالأحداث التي تقع لهم من أفراح وأتراح، ومن غزو أو نكبة، وبالعوارض الطبيعية، مثل سقوط مطر غزير، أو انحباسه مدة طويلة، أو هزة أرضية، أو ظهور جراد، أو وقوع وباء، وما أشبه ذلك من أمور. وهم على هذا النوع من التأريخ حتى اليوم.
وليس في الذي رواه أهل الأخبار عن أهل الجاهلية ما يشير إلى وقوف العرب على كتب في التأريخ يونانية أو لاتينية أو سريانية أو عبرانية، أو على معربات لها. وليس في كل الذي ذكروه اسم مؤرخ من المؤرخين الذين نجلتهم الشعوب المذكورة. غير أن هذا لا يمكن أن يكون دليلًا على عدم وقوفهم على تواريخ تلك الأمم وأخبارهم، ففي القصص المنسوب إلى الجاهليين، قصص يدل على أنه مأخوذ عن تلك الأمم مستورد منها. ثم أن أهل الأخبار أنفسهم أشاروا إلى نفر ذكروا عنهم أنهم نظروا في كتب الأساطير ورووا منها أخبار العجم، وإلى نفر ذكروا عنهم أنهم نظروا في الكتب القديمة وحذقوا لغات أهل الكتاب، ورووا في شعرهم أو في كلامهم شيئًا مقتبسًا من قصص أهل الكتاب، يضاف
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع "١/ ٤". ٢ الآثار الباقية "١/ ٣٤".
[ ١٦ / ١٥٧ ]
إلى ذلك وجود الكنائس والنصرانية في بلاد العرب. والتأريخ، ولا سيما تأريخ الكنيسة موضوع مهم من الموضوعات التي استعان بها المبشرون ورجال الدين في الوعظ والإرشاد. ولا يستبعد أن تكون كتب التأريخ التي كتبها آباء الكنيسة، مثل "أوسبيوس القيصري" وأمثاله، في جملة الكتب التي استعانت بها الكنيسة لإفهام الناس تأريخها وتطورها وتطور العالم على نحو ما دنوه بالاستناد إلى التوراة والإنجيل.
[ ١٦ / ١٥٨ ]