الفصل الثامن عشر بعد المائة: الخزف والزجاج والبلور
الخزف:
ما عمل من الطين وشوي بالنار فصار فخارًا، وبائعه الخزاف١. والفخّار: الخزف. وذكر أنه ضرب من الخزف تعمل منه الجرار والكيزان وغيرها. وورد في القرآن الكريم: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ ٢.
والفِخارة من الحرف المعروفة عند الجاهليين. ومادة الفخار الطين يسوّى على الشكل المطلوب. فإذا جف، فخّر بالنار. وأواني الشرب، أي: الجرار هي من أكثر الفخار استعمالًا حيث يوضع فيها الماء، والكيزان٣. واستعمل الفخار لخزن المواد الغذائية أيضًا، ولحفظ الأشياء الثمينة مثل: الذهب والنقود والحلي، ولأغراض أخرى عديدة، ويكون في كل الأماكن الأثرية مادة مفيدة للآثاريين.
وقد ذهب بعض علماء اللغة إلى أن "الكوز" لفظة معربة، عربت عن الفارسية، وذهب آخرون إلى أنها عربية أصيلة٤، وصانعها هو "الكوّاز". وعرف الخزف بأنه كل ما عمل من طين وشوي بالنار حتى صار فخارًا. أما أما صاحبه، فهو الخزّاف٥.
_________________
(١) ١ اللسان "٩/ ٦٧". ٢ الرحمن، الآية ١٤، اللسان "٥/٤٩ وما بعدها. ٣ شرح القاموس "٣/ ٤٦٦". ٤ شرح القاموس "٤/ ٧٦". ٥ شرح القاموس "٦/٨٤".
[ ١٥ / ٥٨ ]
وقد عثر على جرار على هيئة "الثومة"، أي: ذات عنق طويل، وأما أسفلها فواسع، في مواضع متعددة من جزيرة العرب وفي بلاد الشأم. وتعرف بـ"بقبق" و"بقبقة". وهي "بقبق" "بقبوق" في العهد القديم١.
وللتربة أهمية كبيرة في صنع الخزف، ولهذا اشتهرت بعض المواضع ذات التربة الجيدة بجودة فخارها، فكانت تصدره إلى أماكن أخرى. كما أن للعناية التي يبذلها الفخار في عجن الطين وفي تنقيته من الشوائب أهمية كبيرة في صناعة الفخارة.
ولم يشر أهل الأخبار إلى الآلات التي يستعين بها الخزاف والكواز الجاهلي في صناعته. ولكن سكوتهم هذا لا يكون دليلًا بالطبع على عدم استعانة الفخار والكواز بالآلات، فليس من المعقول صنع أنواع الفخار بغير آلة. فإن عملها باليد وبغير آلة أمر يكاد يكون صعبًا. وكل الخزف الذي عثر عليه يدل على أنه صنع بآلة؛ لأنه على شكل منتظم. والآلة التي يستخدمها الخزاف في صناعته، هي دولاب يدير قرصًا من الخشب، يوضع عليه الطين ثم يحرك، فيدور القرص ويدور الطين الذي عليه معه، ويعالجه الخزاف بيده ليعطيه الشكل الذي يريده. ولصنع خزف جيد لا بد من العناية بالطين، فيختار ترابه من تربة جيدة خالية من الأملاح والرمال، ثم يعجن بعناية، ويترك مدة ليختمر جيدًّا. وإلا كان الخزف رديئًا. وقد يدهن الخزف بعد جفافه بدهن ملون أو ينقش بنقوش، ثم يفخر بالنار.
واستخدم "الأتون"، لتحويل المواد التي صنعها الخزاف من الطين إلى خزف. والأتون هو "كورة" في أسفله موقد توقد فيه النيران، فيرتفع لهيبها وتصعد حرارتها من خلال فتحات تكون في قاع الأتون الذي هو سقف الموقد إلى أعلى مارة بين مصنوعات الطين الموضوعة في باطن الأتون لتشويها فتتحول بذلك إلى خزف وفخار. وتكون الأتونات مرتفعة لها فتحة في أعلاها وفتحة في الجانب تغلق أثناء العمل، وتفتح بعد نضوج الخزف والفخار. ولا يزال الخزافون والفخارون يصنعون بضاعتهم بهذه الأتونات على النحو المذكور. ويذكر علماء
_________________
(١) ١ أرميا، ١٩، ١١٠، "Ency. Bibl. Vol. I، p.٦٠٠.".
[ ١٥ / ٥٩ ]
العربية أن الأتون لفظة معربة. وأنها تطلق على أخدود الجبار والجصاص وأتون الحمّام١.
وقد كان الجاهليون يدهنون الجرار أحيانًا، لسدّ مساماتها لمنع السوائل من السيلان منها، فكانوا يضعون النبيذ فيها مثلًا والسمن وأمثالهما. وصانعها هو الجرّار٢. وقد كان أهل يثرب يحملون الخمر في جرار حمر، يطلقون عليها اسم "الحنتمة"، وذكر أن "الحنتم" الخزف الأخضر أو كل خزف٣. وورد: الحنتم جرار مدهونة خضر كانت تحمل إلى المدينة فيها الخمر ثم اتسع فيها فقيل للخزف كله حنتم. وقد نهي عن الدباء والحنتم. وإنما نهي عن الانتباذ فيها؛ لأنها تسرع الشدة فيها لأجل دهنها. وقد أشير إليها في شعر للنعمان بن عدي:
من مبلغ الحسناء أن حليلها
بميسان يسقى من رخام وحنتم٤
وطالما استعملت الجرار لخزن الأشياء النفيسة فيها مثل: الذهب والنقود والحلي وما شاكل ذلك، إذ توضع هذه الأشياء في داخل جرة ثم تسد وتدفن حتى لا يقف عليها اللصوص والطامعون في المال. وقد عثر الجاهليون والمسلمون على كنوز كانت مخبأة في جرار طمرت تحت التراب.
والقلال من صنع الخزف. وعرفت القلة بأنها الحب العظيم، وقيل: الجرة العظيمة، أو الجرة عامة. وقيل: الكوز الصغير. وذكر أنها إناء للعرب كالجرة الكبيرة، إلى غير ذلك من آراء، يظهر من غربلتها أن القُلة جرة كبيرة، بدليل ما ورد عنها في الحديث من إشارات تفيد كلها أن القُلة كبيرة. وقد اشتهرت "هجر" بقلالها، فقيل: "قلال هجر". وهجر قرية قريبة من المدينة، وليست هجر البحرين. وكانت تعمل بها القلال. واشتهرت الأحساء بقلالها أيضًا٥.
وعرف "الحُب" بالجرة الضخمة وبالحابية، وبأنه الذي يجعل فيه الماء. وذكروا
_________________
(١) ١ اللسان "٧/ ١٣". ٢ تاج العروس "٣/ ٩٢". ٣ المغرب "ص١٤٢"، "الحنتم: الجرار الخضر، كانوا يحملون فيها الخمر"، جامع الأصول "٥/ ٥٠٠". ٤ تاج العروس "٨/ ٢٦٤ وما بعدها". ٥ اللسان "٥٦٥/ ١١".
[ ١٥ / ٦٠ ]
أنه فارسي معرب١. وعرفوا "الحابية" بالحُب، سمي بالحابية؛ لأنه يستر الشيء ويخفيه٢.
وقد عثر المنقبون على قلل وجرار وكئوس من خزف، وجدت على بعضها كتابات، عثر على كثير منها في المقابر، مما يدل على أنها دفنت مع الموتى في القبر. وقد يستنتج من ذلك أن أصحاب الموتى كانوا يتصورون أن موتاهم سيحتاجون إليها في حياتهم الثانية لشرب الماء بها، ولذلك دفنوها معهم، وقد يدل دفنها معهم، على أنهم أرادوا بذلك وضع ما كان يستعمله الميت في حياته لإظهار تقديرهم للميت، وأنهم يتنازلون عنها إليهم، ولذلك دفنوا معه حليِّه وسلاحه وما كان عزيزًا عنده، فقد عثر في المقابر على رءوس حراب، وعلى سيوف وخناجر، وسكاكين، ولا يعقل دفن هذه الأشياء مع الميت وفي قبره عبثًا، بل لا بد وأن يكون لهم رأي فيه.
وقد استعملوا القدور المصنوعة من الحجر، كقدور "البُرَم" المصنوعة من حجر صلد قوي يستخرج من موضع يسمى "المعدي" لا يبعد كثيرًا عن الطائف٣.
والأعراب أقل من أهل المدر استعمالًا للفخار، وذلك بسبب وضعه وطبيعة حياته. فالفخار ثقيل وهو سهل الكسر، ويجب بذل عناية في حفظه، وحياة الأعرابي حياة تنقل، ولا توجد لدية أوعية لحفظ الفخار من الكسر، ولهذا استخدم الأدوات المصنوعة من الجلود والمعدن والخشب بدلًا من الفخار.
ومن أواني الشرب "الراقود"، وهو دنّ، يسيع باطنه بالقار. وذكر "الجواليقي" أن اللفظة من الألفاظ الفارسية المعربة٤. و"القافزة"، وهي "القاقوزة" و"القازوزة". وهي مشربة أو قدح، أو الصغير من القوارير والطاس٥.
_________________
(١) ١ اللسان "١/ ٢٩٥". ٢ اللسان "١/ ٦٢". ٣ ابن المجاور "٢٥/ ١". ٤ المعرب "ص١٦٠"، تاج العروس "٢/ ٣٥٦". ٥ المعرب "ص٢٧٣".
[ ١٥ / ٦١ ]
يوجد صورة يراد سحبها على الاسكانر
أدوات مصنوعة باليد، تمثل كفاءة وقدرة العامل اليماني ودقته في الصنعة من كتاب اليمن "Yemen" لمؤلفه: "Günther Pawelke" "ص١٦١".
ولا بد أن يكون بين الجاهليين أناس تخصصوا بصنع الزجاج وعمله، فقد عثر على أواني معمولة من الزجاج وعلى قطع زجاج. وقد ذكر علماء اللغة أسماء أدوات من الزجاج، مثل "الباطية"، وهو إناء واسع الأعلى ضيق الأسفل١.
وذكر بعض العلماء أن الباطية شيء من الزجاج العظيم، يملأ من الشراب ويوضع
_________________
(١) ١ المعرب "ص٨٣".
[ ١٥ / ٦٢ ]
بين الشَّرب يغرفون منها١ وهو "الناجود" على رأي بعض علماء اللغة٢. وتصنع الأقداح والقوارير والقناديل والأسرجة من الزجاج أيضًا، والمصباح، هو السراج يصنع من الزجاج كذلك، وفيه موضع لوضع الفتيلة عليه، لتأخذ وقودها الذي يساعد على إدامة اشتعالها منه. وهذا الوقود هو الزيت٣.
وقد ذكر الزجاج في القرآن الكريم: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ٤. وذكر علماء اللغة أن الزجاج: القوارير، وأن الزجاجة القنديل٥. وأن القوارير: أواني من زجاج في بياض الفضة لصفائها٦.
والمصباح: السراج، وهو قرطه الذي تراه في القنديل وغيره٧. وعرف السراج، بأنه المصباح الزاهر الذي يسرج بالليل، والمسرجة التي فيها الفتيل٨.
و"القنديل"، لفظة معربة، عربت عن اللاتينية من لفظة "Candela". وتعني مصباح وسراج ونبراس. وتقابل لفظة "نبراس" لفظة "نبرشتا" "Nebrastha" في لغة بني إرم. ولفظة "منوراه" "منوره" "Manorah" في العبرانية٩.
القنديل، لفظة أعجمية تخصصت بالمصابيح المحمولة. وقد يعلق القنديل وقد يتصل برجل تحمله. وتقابله لفظة "نبرشتا" في لغة بني إرم. أي: "النبراس" في عربيتنا. و"منوره" "مينوره" في العبرانية. وقد أشير إلى القناديل في التوراة. وتستعمل في المعابد وفي بيوت الأغنياء. وقد تصنع من الذهب والفضة والبرنز، على أشكال متنوعة١٠.
_________________
(١) ١ المغرب "ص٤١". ٢ شرح القاموس "٣٧/ ١٠"، "٢/ ٥١١". ٣ شرح القاموس "٢/ ٥٢، ١٧٥". ٤ النور الآية ٣٥. ٥ اللسان "٢/ ١٨٧". ٦ اللسان "٥/ ٨٧". ٧ اللسان "٢/ ٥٠٦". ٨ اللسان "٢/ ٢٩٧". ٩ "Ency. Bibl. Vol. I، p. ٦٤٤.". ١٠ شرح القاموس "٨/ ٨٨"، "Ency. Bibl. Vol. I، p. ٦٤٤.، ff. Hastings، Vol. I.، p. ٣٤٨.".
[ ١٥ / ٦٣ ]
ومن مصنوعات الزجاج "المرآة". وهي "مرات" في العبرانية أيضًا. وقد صنعت من المعادن المصقولة كذلك. مثل: النحاس. ووردت في التوراة لفظة "هجلونيم" فسرت بمعنى "مرآة اليد"١، وتعني "المجلاة" في عربيتنا. والكأس، هو إناء الشرب، يشرب به. ويصنع من مواد مختلفة فقد يكون من الزجاج وقد يكون من معدن مثل: الذهب أو الفضة أو الحديد وقد يكون من فخار. ويقال له: "كوس" عند العبرانيين٢. وقد ينقش ويحلى بزخارف وباللؤلؤ والحجارة الكريمة. وقد ذكر "الكأس" في القرآن الكريم.
والراووق، المصفاة، وقيل: الباطية والناجود. وذكر بعض علماء اللغة أن الراووق الكأس. وقد وردت اللفظة في شعر لعدي بن زيد العبادي:
قدمته على عقار كعين الديك صفى سلافَهُ الراووقُ٣
وقد عرف أهل العربية الجنوبية "البلور" لوجوده في اليمن وفي أماكن أخرى. وهم يستخرجونه من نوع خاص من الحجر ويصقلونه بعناية، والغالب عليه اللون الأبيض غير أن بعضه ذو ألوان أخرى، هو لون الحجر الذي أخذ منه.
ولا يزال أهل اليمن يمارسون صقل الحجارة الكريمة التي يستخرجونها من بعض الجبال، مستعملين في ذلك الماء والتراب الناعم على حجارة رملية ويصنعونها بأشكال مختلفة ويستعملونها في صنع الحلي. وهي ذوات ألوان متعددة: بيِض وسُود وخُضر وزرق وصفر وحمر، ومنها ما يجمع عدة ألوان متمازجة. ويعد جبل نقم وجبل الغراس من أهم المواطن التي تستخرج منها مثل هذه الحجارة على مقربة من صنعاء٤.
وقد عُني العرب الجنوبيون بشق الطرق وتمهيدها، وبعمل القناطر والجسور وقد بلطوا بعض الطرق بالحجارة وبمادة تشبه "السمنت"، وترى اليوم بقايا قناطر عملوها في الأودية للعبور عليها، وقد دمر الكثير منها بسبب الحروب
_________________
(١) ١ "Hastings، Dict. Vol. II، p. ١٨١.". ٢ "Hastings، Dicti of the Bible. Vol. I، p. ٥٣٣.. ٣ شرح القاموس "٦/ ٣٩٣". ٤ العظم "الصفحة ١٣٦".
[ ١٥ / ٦٤ ]
والإهمال. ونرى في الصورة بقايا قناطر جاهلية وقد تطرق إليها الخراب من كبر العمر. وقد عملت على واد يفصل بين الجبال.
يوجد صورة يراد سحبها على الاسكانر
منظر طريق جبلي قديم
من كتاب: "jemen" "ص ١٣٦".
[ ١٥ / ٦٥ ]