وتتألف السنة عند العرب الشماليين من اثني عشر شهرًا، وقد أشير إلى ذلك في القرآن: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ ١. وهو التقسيم الشائع المعروف عند بقية الساميين واليونان وغيرهم. والمعمول به حتى اليوم. ولم ترد إشارة إلى هذا التقسيم في نصوص المسند، ولكن ورود ذكر السنين والشهور في كتابات
_________________
(١) ١ التوبة، رقم٩، الآية٣٧، ابن الأجدابي "٣٠".
[ ١٦ / ٧٨ ]
المسند، واستعمال العرب الشماليين وغيرهم التقسيم الاثني عشري للسنة، يحملنا على القول إن العرب الجنوبيين كانوا يقسمون السنة إلى اثني عشر شهرًا أيضًا، وإن لم ينص على ذلك في النصوص.
وقد لاحظ "رودوكناكس" أن المزارعين المحدثين في العربية الجنوبية يسيرون بموجب تقويم فلكي Sidereal Calender، يقسم السنة إلى ثمانية وعشرين شهرًا، مدة كل شهر ثلاثة عشر يومًا، فاستنتج من ذلك احتمال كون هذا التقويم من بقايا تقويم عربي جنوبي كان العرب الجنوبيون يسيرون عليه قبل الإسلام. ولهذا رأى أن "ذ فرغ" و"ذا جبي" "ذا جبو"، لا يمثلان شهرين من شهور السنة، وإنما يمثلان وقتًا من أوقات العمل والزرع، بالمصطلح المستعمل الآن في العربية الجنوبية، أي: جزءين من "٢٨" جزءًا من أجزاء السنة١. وذهب "بيستن" إلى احتمال تقسيم العرب الجنوبيين للشهر إلى ثلاثة أقسام، يتكون كل قسم منها من عشرة أيام٢.
ويرى "رودوكناكس" أن سنة العمل عند القبائل تبدأ باليوم الأول من شهر "ذ فرغم" "ذو فرعم" "ذو الفرع"، وتمتد إلى اليوم السادس من "ذ فقحو"، ويرى أن السنة عند الفلاحين، تتكون من "٣٦٠" يومًا، أما الأيام الباقية وهي ما بين "٥"، "٦"، فتضاف إلى أحد الأشهر وتأخذ اسمه، فتكون السنة بهذا العمل سنة شمسية كاملة. ويحتفل الفلاحون عند انتهاء تقويمه الزراعي بانتهاء السنة، حيث يعيدون عبدًا يسمونه "مصب"، "مصوب"، ويعد شهر "فرعم" الشهر الأول من السنة الزراعية، حيث تزهر الأشجار، وتظهر الأوراق. وتختلف هذه السنة عن سني التقويم الرسمي الذي تسير عليه الحكومة في جباية استحقاقها من حاصل الزرع٣.
والإهلال هو المبدأ الذي سار عليه الجاهليون في تعيين أوائل الشهور٤. فإذا اختفى القمر في آخر الشهر ولم يظهر، خرجوا لمراقبة الهلال وتثبيت مبدأ الشهر.
_________________
(١) ١ Beeston، p. ٤، R.B. Serjeant، Star Calendero and and Almanac from South West Arabia، in Anthropos، in Anthropos، Bd. ٤٩، ١٩٥٤، s. ٤٣٣. ٢ Beeston، p. ٥. ٣ Rhodokanakis، Katab. Texte II، s. ١٩ ff. ٤ صبح الأعشى "٢/ ٣٦٩"، نهاية الأرب "٣/ ١٥٦".
[ ١٦ / ٧٩ ]
وقد كانوا يعدون الرؤية من الحوادث المؤثرة في حياة الشخص. من حيث جلب النحس والسعادة للمستهل. ولهذا كانوا ينظرون إلى المناظر الجميلة حين الاستهلال، لاعتقادهم أن ذلك يجلب لهم البركة والخير. والشهر كما جاء في الحديث: "مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين"١، أي: يومًا.
ويعبر عن الشهر بلفظة "ورخ" في العربيات الجنوبية. والجمع "أورخم" "أورخ". ولفظة "ورخ" تعني القمر في عربية القرآن الكريم. وهي من الألفاظ السامية القديمة، وتؤدي معنى "أرخ" وتأريخ أيضًا٢. فكان العرب الجنوبيون إذا أرادوا التأريخ بالأشهر، قالوا: "ورخ كذا"، أي: "شهر كذا". والتوريخ بالشهور لا يعني أن العرب الجنوبيين أو غيرهم من العرب، كانوا لا يؤرخون إلا بالتقويم القمري، وأنهم لم يكونوا يستعملون غير هذا التقويم. فقد كان غيرهم يؤرخون بالشهور القمرية كذلك، وكانوا مع ذلك يؤرخون بالتقويم الشمسي، أو بالتقويمين.
ولا تعني لفظة "ورخ" التي هي "الشهر" أن العرب الجنوبيين كانوا يتبعون تقويمًا قمريًّا، بسبب أن لفظة "ورخ" تعني "قمر" في الأصل، فالانكليز يستعلمون لفظة Month بمعنى الشهر، وهي من أصل Moon أي: القمر، ومع ذلك فإن شهورهم شمسية، ولفظة "الشهر" نستعملها في عربيتنا، هي في معنى "ورخ" في الأصل. فالشهر: القمر، والهلال٣. أي مرادف "ورخ" تمامًا. وقد سمي الشهر به، لأنهم كانوا يوقنون به، فالمدة التي تمضي بين هلال وهلال جديد، هي شهر. نسي المعنى الأصلي للكلمة، وبقي الاصطلاح ومن ذلك قولهم: أشهروا، بمعنى أتى عليهم شهر، وشاهره مشاهرة وشهارًا، استأجره للشهر٤.
ووردت لفظة "شهر" بمعنى هلال في العربيات الجنوبية، وذلك كما في هذه الجملة: "بيوم شهرم ويوم ثنيم ذنم"٥، أي: "بيوم الهلال، وبيوم
_________________
(١) ١ إرشاد الساري "٣/ ٣٥٩". ٢ نص ابنة Rhodokanakis، Stud. II، S. ٤٨، Bruno Meissner Supplement nyu den Assyrischen Worterbuchetn، Leiden، ١٨٩١، S. ١٦. ٣ تاج العروس "٣/ ٣٢١"، "شهر". ٤ تاج العروس "٣/ ٣٢١"، "شهر". ٥ Jamme ٦٥١، ١٩
[ ١٦ / ٨٠ ]
المطر الثاني"، أو بعبارة أخرى "يوم الإهلال، وزمان سقوط المطر الثاني".
وقد وردت في كتابات المسند أسماء عدد من الأشهر، يتبين من دراستها أن بعضها وارد في نصوص لهجتين مثل لهجة معين وسبأ، ولهجة سبأ وقتبان، مما يدل على أنها كانت مشتركة ومستعملة عند المعينين والسبئيين، أو عند السبئيين والقتبانيين. ولكن الأغلب انفراد كل لهجة بتسمية شهر، بدليل ما نجده في كتابات كل لهجة من اللهجات التي نعرفها من أسماء أشهر لا ترد في الكتابات الأخرى ومن الأشهر المشتركة التي ورد اسمها في كتابات سبئية ومعينية، شهر "ذ دثا" وشهر "ذ سحر"، وقد ورد اسمه في كتابات سبئية وقتبانية، و"ذا أبهى" "ذ أبهو"، وقد ورد في كتابات معينية وسبئية وقتبانية كذلك١.
وعثر على أسماء هذه الشهور في النصوص المعينية: "ذ أبهى" "ذو أبهى"، و"ذ أبرهن"، و"ذ أثرت"، "ذو عثيرة"، و"دثا"، و"ذ حضر"، و"ذ طنفت"، و"ذ نور"، و"ذ سمع"، و"ذ شمس"٢.
ومن الشهور الواردة في كتابات السبئيين المتقدمة: "ورخ ذا بهي"، أي: شهر ذو أبهى، و"ورخ ذ دنم"٣، و"ورخ دثا"، "ذ دثا"، و"ورخ ذ نيلم"، و"ورخ ذ نسور"، و"ورخ ذ سحر"، و"ورخ ذ فلسم"، و"ورخ ذ قيضن"، و"ورخ صربن"، و"ورخ صر"، و"ورخ ذ الالت"، و"ملت"٤، و"ذ عثتر"، و"ذ موصبم"، و"ذ مخضدم"٥. وشهور أخرى.
أما الشهور: "ورخن ذ الألت"، و"ورخ ذ داون" و"ورخو ذ حجتن" و"ورخ ذ خرف" و"ورخو ذو مذران" و"ورخن ذ مهلتن" و"ورخن ذ محجتن" و"ورخ ذ معن" و"ورخ ذ صرين" و"ورخو
_________________
(١) ١ تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي "٥/ ٢٣٤ وما بعدها". ٢ Rohdokanakis، Kataba. I، S. ١٣٣، Beeston، p. ١٠، Rhodokanakis، Studi. II، S. ١٤١، Sab. Denkm. ٢١، CIH ٣٨٠. Beeston، p. ١٠. ٣ "بو رخ ذ دو نم" Rhodokanakis، Studi، II، S. ٧٥ ZDMG. ٢٩. ٤ Beeston، p. ١٢ f. ٥ CIH ٥٤٧.
[ ١٦ / ٨١ ]
ذو قيضن" و"ورخ ذ ثبتن"، فإنها من الشهور الواردة في الكتابات السبئية المتأخرة١.
ويظهر من اسم الشهر "ورخن ذ اللات" "ذ ال ال ت"٢، و"ورخن ذ حجتن"، أن لهما صلة بالحياة الدينية عندهم. فورخن ذ الالت معناه شهر الآلهة. فالظاهر أنه شهر خصص بالآلهة، كانوا يتقربون فيه إليها بالنذور مثلًا أو العبادة. فهو شهر مقدس، ربما يكون مثل شهر "رمضان" في الإسلام.
وأما "ورخن ذ حجتن"، فمعناه "شهر الحج"، فهو شهر يحج فيه إلى الأصنام، على نحو "شهر ذي الحجة" في الإسلام.
أما الشهور القتبانية التي وردت أسماؤها في كتاباتهم، فهي: "ورخس ذ أبهو" و"ورخس ذ برم" و"ورخس ذ بشمم" و"ورخس ذ مسلعت" و"ورخس ذ سحر" و"ورخس ذ عم" و"ورخس ذ تمنع" و"ورخس ذ فرعم"، و"ورخ ذ فقهو"٣. ويلاحظ أن اللهجة القتبانية تضع حرف "و" في نهاية "أبهى" "فقهى"، فتقول: "ذ أبهو"، و"ذ فقهو" بدلًا من "ذا أبهى" و"ذ فقهي"، فتقول: "ذ أبهو"، و"ذ فقهو" بدلًا من "ذ أبهى" و"ذ فقهي" كما هو الحال في اللهجات الأخرى، مما يدل على أن هذا الحرف، هو من خصائص هذه اللهجة٤.
وذكر "بيستن" أن الكتابات الحضرمية لم تذكر من أسماء الشهور إلا اسم شهر واحد، هو "ورخس ذ صيد"٥.
ويلاحظ ورود لفظتي "قد من" و"اخرن" مع أسماء بعض الأشهر كما في هذه الجمل: "ورخ ذ نسور قد من" و"ورخ ذ نسور أخرن"، و"ورخس ذ برم قد من"، و"ذ برم أخرن"٦. ومعناها: "شهر
_________________
(١) ١ Beeston، p. ١٣ f. ٢ Jamme ٦٤٢، ٦، Mahram، p. ١٤١. ٣ Rhodokanakis، Katab. I، S. ٩٦، II، S. ٥، Glaser، ١٣٩٦، ١٣١٠، Die Inschri. An der Mauer von Kohlan – Tamma' ١٩٢٤، S. ١٥، SE٨٠، Beeston، p. ١١ f. ٤ Beeston، p. ٤١، note: ٤. ٥ Beeston، p. ١٥. ٦ Rhodokanakis، Die Inschri. An der Maner von Koblan – Timma' ١٩٢٤، S. ٥٢ ff، Glaser ١٦٠٩، Beeston، pp. ١١، ١٣، REP. ٣٦٨٨، ٣٨٧٩.
[ ١٦ / ٨٢ ]
ذو نسور الأول" و"شهر ذو نسور الثاني" و"ذو نسور الآخر"، و"شهر ذو برم الأول" و"شهر ذو برم الآخر". وذلك أن لفظة: "قد من" تعني "الأقدم" و"الأول". وأما "أخرن"، فتعني "المتأخر والثاني والآخر". وذلك كما نفعل نحن اليوم إذ نقول "شهر ربيع الأول" و"شهر ربيع الآخر" و"جمادى الأولى" و"جمادى الآخرة" في التقويم الهجري، و"كانون الأول" و"كانون الثاني" في التقويم الميلادي.
ويتبين من استعمال اللفظتين المذكورتين أن بعض العرب الجنوبيين، ويجوز أن يكونوا كلهم، كانوا كالعرب الشماليين ومثل بعض الساميين، قد استعملوا اسمًا واحدًا لشهرين، وللتفريق بينهما أطلقوا لفظة "قد من" بعد اسم الشهر الأول، لتمييزه عن سميّه الشهر التالي له، ولفظة "أخرن" أي: المتأخر والتالي أو الثاني بعد اسم الشهر الثاني لتمييزه عن الأول المتقدم عليه.
ويظن أن شهر "ذ برم أخرن"، "ذ برم الآخر" "ذ برم التالي" أو "الثاني" إنما هو من شهور "الكبس"، ولهذا فهو لا يكون في كل سنة، بل في السنين المكبوسة فقط١.
ويظهر من دراسة بعض الأسماء أن لبعضها معاني ذات علاقة بالجو، ولبعض آخر بالحياة الدينية أو بالناحية الزراعية. ومن النوع الأول: "ذ دثا"، "ذو دثا" وله معنى الربيع، وهو مثل شهر "ربيع الأول" أو "ربيع الآخر" في التقويم الهجري فـ"دثا" هو الربيع في المسند٢. وأما شهر "ذ خرف" فإن له صلة بموسم الخريف، وقد يكون من شهور هذا الموسم. و"خرف" بمعنى "الخريف" الموسم المعروف بلغتنا، وبمعنى سنة٣. وأما شهر "ذ قيضن" فإنه من أشهر القيظ، والقيظ هو الحر، فهو شهر من أشهر الصيف.
و"القيض"، بمعنى الصيف كذلك، والموسم الذي تنضج أثمار الصيف فيه٤.
ومن الشهور التي لها علاقة بالزراعة، شهر "ذ مذرن"، "ذ مذران".
_________________
(١) ١ Beeston، p. ١٢. ٢ Jamme ٦١٠، ٦١٥، ٦١٨، ٦٢٣، ٦٢٧، ٦٢٨، ٦٥٠، ٦٦١، ٦٦٦، ٧٠٤. ٣ Mahram، p. ٤٣٧. ٤ Mahram، p. ٤٤٧.
[ ١٦ / ٨٣ ]
"ذو مذران"، ومعناه شهر البذر، ولعله دعي بذلك؛ لأن الزراع كانوا يبذرون بذورهم للزرع فيه. وشهر "ذ صربن"، "ذو صربن". وهو من أشهر الخريف، قد يكون في أوله وقد يكون في أواخره، أي: في ابتداء الشتاء، وهو يقابل شهر "صراب" من الأشهر المستعملة في العربية الجنوبية في أيامنا هذه. و"صربن" "صراب"، بمعنى أثمار الخريف وحاصل الخريف، أي: غلة الخريف١.
ويرى بعض الباحثين أن لشهر "ذ ثبتن" علاقة بالزراعة كذلك، وأنه يعني الشهر الذي تتهاطل فيه الأمطار، وتجمع فيه السيول لخزنها في السدود، وأن لشهر "ذ مهلتن" علاقة بالزراعة كذلك، وأن في معناه "المهلة" أي: التأخير في عمليات الزرع أو جمع الحاصل٢.
ويظن أن للشهرين "ذ دونم" "ذ دنم"٣ و"ذ نيلم" علاقة بالزراعة كذلك. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن معنى "دونم" "دينم" الدين، وأن المراد بها الشهر الذي تجمع فيه ديوان المعبد. أي: ضرائب المعبد. وذهب بعض آخر إلى أن اللفظة من أصل "دون"، ومعناها الإرواء والإسقاء، وأن لهذا الشهر علاقة إذن بشئون الري. وأما "ذ نيلم"، فإنه شهر حصاد الغلات وجمع الحبوب٤.
ومن الشهور التي لها علاقة بالحياة الدينية، "ذ عثتر" و"ذ الالت" و"ذ حجتن" و"ذ محجتن" و"ذ شمسي" وغيرها. وشهر "ذو عثتر" منسوب إلى الإله "عثتر"٥. وأما "ذ الالت"، فبيّن الدلالة على المعنى الديني كذلك. فإنه يعني شهر الآلهة. وأما "ذ حجتن" و"ذ محجتن"، فهو مثل شهر "ذي الحجة في التقويم الهجري وفي معناه. وأما "ذ شمسي" "ذو شمس" فيجوز أن يكون نسبة إلى الآلهة الشمس من الناحية الدينية، ويجوز أن يكون نسبة إلى الشمس من ناحية تأثيرها في الجو، أي: من ناحية تأثير حرارة
_________________
(١) ١ Jamme ٥٩٤، ٦١٧، ٦٣١، ٦٥١، ٦٥٥، ٧١٩. ٢ Beeston، p. ١٧. ٣ "ورخ ذ دنم". Jamme ٦٣٣، ١٦' ٤ Beeston، p. ١٧. ٥ Jamme ٦١١، ٧-٨، Mahram، p. ١٠٨.
[ ١٦ / ٨٤ ]
أشعتها في الناس وفي المزروعات. وذلك بكونه من أشد الشهور حرًّا. فيكون هذا الشهر بذلك من أشهر الصيف.
ويفهم من جملة: "ورخ ذ هبس وعثتر"، أن هناك شهرًا اسمه شهر "هوبس وعثتر"، أو شهرًا اسمه "هوبس"، نسبة إلى الإله "هوبس" وشهرًا آخر اسمه "عثتر"، نسبة إلى الإله "عثتر"١. وورد اسم الشهر "ورخ ذ عثتر" في جملة نصوص٢.
والأشهر التي لها صلة بالحياة الدينية، هي: "شهر الآلهة" "ورخ ذ ال الـ ت" "ذ الالت"، و"شهر ذ حجتن"، "ورخ ذ حجتن"، و"شهر ذ محجتن"، "ورخ دمحجتن"، أي: شهر المحجة. ويصعب في الوقت الحاضر علينا تثبيت أوقات هذه الأشهر المقدسة بالنسبة للمواسم ولترتيب الشهور، لعدم وجود أدلة يمكن أن نستخرجها من النصوص لتثبيت زمن الحج عندهم مثلًا، أو زمن الشهر المخصص للآلهة.
ونجد أسماء بعض الشهور مثل: "ذ سمع"، تمثل صفة من صفات الآلهة.
فـ"ذ سمع" يعني: "ذو السمع"، فالآلهة تسمع الناس تجيب دعواتهم. كما نجد أسماء شهور أخرى تشير إلى أمور دينية وطقوس. مثل شهر "ذ حضر"، فإنه شهر الأضاحي، من "حضر" بمعنى ضحى، أي: ذبح ذبيحة للآلهة، ومثل شهر "أبر"، ومعناه "شهر حرق البخور"، أو تقديم النذور، أو النذور التي تقدم لمحارق الآلهة. وربما أدى اسم شهر "ذ نور" هذا المعنى أيضًا.
فـ"نور" بمعنى نار. فيكون المعنى شهر النيران.
وقد ورد اسم الشهر "ورخ ذ ملت"، "ورخ ذ مليت" في عدد من النصوص٣. وهو من الأشهر التي لها صلة بموسم الزرع والمواسم. وهذه الأشهر هي: "ذ دثا"، و"ذ ملت" "ذ مليت"، و"ذ قيضن"، و"ذ دنم" "ذ دونم"، و"ذ نيلم".
ومن الشهور الواردة في نصوص "هرم"، شهر "ذ سلام" "ور خ ذ س ل ام".
_________________
(١) ١ راجع السطر ٧-٨ من النص: Jamme ٦١١، MaMB ٢٧٧. ٢ Jamme ٥٦٧، ٦-٧، ٦٠٧. ٣ Jamme ٦١٣، ١٠، ٦٥٣، ١٠، ١٤.
[ ١٦ / ٨٥ ]
وهناك احتمال بأن: "ذ مو ص ب م"، و"ذ عثتر"، و"ذ مخضدم"، هي أسماء شهور كذلك. وقد ورد: "حين ذ مخضد قد متن"، مما يدل على أن اسم هذا الشهر هو مؤنث، وهو الشهر الأول، لوجود لفظة "قد متن" وأن هنالك شهرًا آخر، يمكن تسميته بـ"حين مخضدم الثاني"١.
ويظهر من أسماء هذه الشهور المتقدمة، أن العرب الجنوبيين، كانوا يسمون بعض أشهرهم بما يقع فيها من حوادث مهمة، مثل موسم جمع الديون أو التعبد للآلهة أولإله معين، أو للحج إلى المعابد، أو بالظواهر الطبيعية التي تمتاز بها مثل الحر أو البرد، أو بموسم الصيد.
وقد حاول "بيستن" تثبيت بعض شهور العرب الجنوبيين بالنسبة إلى المواسم وإلى الأشهر المستعملة في الوقت الحاضر، فذهب إلى أن شهر "ذ ثبتن" قد يكون هو شهر آذار أو شهر نيسان، وأن شهر "ذ قيضن"، أي: شهر القيظ، بمعنى الحر، الذي يقابل "رمضان" قد يكون شهر "مايس" أو حزيران، وأن شهري "ذ خرف"، و"ذ مذرن" قد يكونا تموز إلى أيلول، وأن شهر "ذ داون"، قد يكون شهر "أكتوبر" "تشرين الأول"، وأن شهر "ذ صربن" قد يكون شهر "نوفمبر" "تشرين الثاني"، وأن شهر "ذ معن" قد يقابل شهر "دسمبر"، أي: "كانون الأول"٢.
وليس في إمكاننا في الزمن الحاضر وضع تقاويم ثابتة كاملة للشهور في العربية الجنوبية. نعم، يمكننا تثبيت بعضها استنادًا إلى معاني أسمائها كما رأينا ذلك فيما تقدم، وذلك بأن نجعل الشهر الفلاني في الفصل الفلاني من فصول السنة مثلًا.
ولكننا عاجزون عن ترتيب كل الشهور الاثني عشر ترتيبًا زمنيًّا صحيحًا لنقص في علمنا بالشهور. ومن أجل الوصول إلى ذلك، لا بد من أن نتريث حتى تتهيأ لنا نصوص كثيرة جديدة، قد تكون من بينها نصوص فلكية، أو نصوص أخرى ترد فيها أسماء شهور جديدة، وأسماء شهور مرتبة ترتيبًا زمنيًّا يساعدنا على ترتيبها وتنظيمها في تقاويم منتظمة لمختلف القبائل العربية الجنوبية ودويلاتها. ولا بد لي هنا من الإشارة إلى وجوب الاستعانة بالتقاويم المستعملة عند بقية الساميين
_________________
(١) ١ Beeston، p. ١٢. ٢ Beeston، p. ٢٤.
[ ١٦ / ٨٦ ]
وعند القبائل العربية الشمالية، وعند القبائل الإفريقية التي كانت لها صلات بالعرب الجنوبيين، لمطابقة شهورها على شهور التقاويم العربية الجنوبية وتثبيتها عندئذ على هذا الأساس.
ولم ترد في كتابات المسند أسماء الشهور المستعملة عند الشعوب السامية الشمالية، وهي: نيسان ومايس وحزيران وتموز وآب وأيلول وتشرين الأول وتشرين الثاني وكانون الأول وكانون الثاني وشباط وآذار.
ويظهر أن سنة العرب الجنوبيين، كانت تتكون من "٣٦٠" يومًا، مقسمة على اثني عشر شهرًا، ولأجل جعل هذه السنة سنة طبيعية كاملة، متفقة مع الدورة السنوية الحقيقية للأرض، كانوا يعالجون ذلك بالكبس. إما بكبس بقية الأيام على السنة نفسها، ويتم ذلك في كل سنة، وإما بإضافة شهر إضافي على التقويم في نهاية كل ثلاث سنين١.
وربما يدل اسم الشهر "ذ برم اخرن"، "ذو برم الآخر"، وهو من شهور قتبان، على أنه شهر كبس، يضاف إلى سنة الكبس لتكون سنة شمسية تامة. وربما أدى اسم الشهر: "ذ نسور أخرن"، وهو من شهور السبئيين هذا المعنى كذلك. وهناك شهر اسمه "بين خرفنهن" أي: "بين الشهرين"، ربما يدل على الكبس، وإضافة شهر بين الشهرين، لتكون السنة كاملة، أي: كبس شهر على السنة الاعتيادية، فتكون عدتها ثلاثة عشر شهرًا، وذلك بعد السنين اللازمة، لإصلاح التقويم، حتى يكون مطابقًا لدورة الأرض حول الشمس٢.
وقد كان العبرانيون يضيفون شهرًا على تقويمهم بسبب أن الشهور الاثني عشر القمرية لم تكن إلا "٣٥٤" يومًا وست ساعات، فنقصت بذلك السنة اليهودية أحد عشر يومًا عن الرومانية، ولسبب ذلك أدخل اليهود شهرًا ثالث عشر كل ثلاث سنوات، سموه "فيادارا"، أي: "آذار الثاني، وهكذا جعلوا طول السنة القمرية يعادل الشمسية تقريبًا٣.
وقد ورد في النصوص اللحيانية اسم "منر"، يظهر أنه اسم شهر، يقال
_________________
(١) ١ Beeston، P. ١٨ ٢ Beeston، p. ١٨ ٣ قاموس الكتاب المقدس "١/ ٦٣٩ وما بعدها".
[ ١٦ / ٨٧ ]
له "منر"، أي "منير"١. واسم آخر هو "سمر"، يظهر أنه اسم شهر كذلك.
أما النصوص العربية الشمالية، فهي بخيلة كل البخل في إيراد أسماء الشهور، فلم يرد في النصوص العربية الخمسة المدونة بعربية قريبة من عربية القرآن الكريم من أسماء الشهور، إلا اسم شهر واحد، هو "كسلول". وقد ورد اسمه في "نص النمارة". ويقابل هذا الشهر، كانون الأول. ويدل استعمال النص لهذه التسمية على أن العرب الشماليين، كانوا يستعملون التقويم البابلي في التاريخ.
و"كسلول"، هو الشهر التاسع من الشهور المتداولة في العراق وفي بلاد الشأم. وأصله "كسلو"، وهو بابلي. وهذه الشهور هي: نيسان، وزيو، وسيوان، وتموز، وآب، وأيلول، وأيثانيم، وبول، وكسلو، وطيبيت، وشباط، وآذار. وهي الشهور المقدسة عند العبرانيين٢. ويقال لشهر نيسان: شهر "أبيب"، ولشهر "زيف" "أيارا"، وأما "سيوان" فهو "سيوان" وتموز هو تموز، وآب هو آب، وأما أيلول فهو أيلول، وأما إيثانيم فهو تشري "تسري" و"تشرينو"، وأما "بول" فهو مرشوان، وكسلو هو "كسلو"، و"طيبت" هو "تبت"، ويسمى بـ"تمطرو" أيضًا.
وأما "شباط" فهو "سبت" "شبات"، وأما "أذار" فهو آذار٣.
وقد ذكر الأخباريون أسماء أشهر ترك استعمالها في الإسلام، ذكروا أنها كانت مستعملة عند قدماء الجاهلية، وهم العرب العاربة، كما ذكروا أسماء شهور قالوا: إنها كانت أسماء الشهور عند ثمود، وأسماء شهور قالوا: إنها الشهور التي كان يستعملها العرب عند ظهور الإسلام.
أما الشهور التي زعموا أنها كانت شهور العرب العاربة، فهي: المؤتمر، وقد زعموا أنه في مقابل المحرم، وناجر، وهو في موضع صفرن وخوان "وروي حوّان" ويقابل ربيعا الأول، ووبصان "ويقال: صوان وبصان"، وهو في مقابل ربيع الآخر، والحنين أو شيبان، وهو جمادى الأولى، وملحان وهو
_________________
(١) ١ Caskel، Lihyan، S. ١٢٩، ١٢٧ ٢ قاموس الكتاب المقدسي "١/ ٦٣٩"، "شهر"، Hastings، p. ٩٣٦ ٣ The Bible Dictionary Vol. II، P. ١٨٢
[ ١٦ / ٨٨ ]
جمادى الآخرة، والأصم، وهو شهر رجب، وعاذل "عادل"، وهو شعبان، وناتق، وهو شهر رمضان، ووعل وهو شوال، ورنة، وهو ذو القعدة، وبرك وهو ذو الحجة. وذكر بعضهم أن خوانًا اسم يوم من أيام الأسبوع، وأن شيبان اسم كانون الأول، وأن ملحانًا هو كانون الثاني. وهذا الترتيب الذي ذكرته هو كما جاء في رواية ابن سيدة١.
وذكر الفراء أن من العرب من سمى المحرم المؤتمر، وصفر ناجرًا، وربيع الأول خوانًا، وربيع الآخر بصان أو وبصان أو بوصان، وجمادى الأولى الحنين٢، وجمادى الآخرة ورنة "ورنى"، ورجب الأصم، وشعبان وعلًا، ورمضان ناتقًا، وشوَّال عاذلًا، وذو القعدة هُواعَا، وذ الحجة بركا٣. وذكرها غيره على هذا النحو: المؤتمر وهو المحرم. وناجر وهو صفر. وخوّان، وهو ربيع الأول، ووبصان وهو ربيع الآخر، وحنين وهو جمادى الأولى.
وربي وربة لجمادى الآخرة. والأصم وهو رجب. وعادل وهو شعبان وناتق وهو رمضان. ووعل وهو شوال، وورنة وهو ذو القعدة، وبرك وهو ذو الحجة٤.
ورتب المسعودي أسماء الشهور الجاهلية على هذا النحو: ناتق، وثقيل، وطليق، وناجر، وسماح "أسلخ"، وأمنح "أميح"، وأحلك، وكسع، وزاهر، وبرط، وحرف، ونعس وجعلها في مقابل المحرم، وصفر، فبقية الشهور. وذكر أن "نعسًا" هو ذو الحجة٥.
ورتبها البيروني على هذا النحو: المؤتمر، وناجر، وخوان "حوان"، وصوان، وحنتم أو حنين، وزبّاء، والأصم، وعادل، ونافق، وواغل، وهواع أو رنة، وبُرك٦.
_________________
(١) ١ المخصص "٩/ ٤٣"، الأيام والليالي والشهور، للفراء، القاهرة، ١٩٥٦م "ص ١٨"، المزهر "١/ ٢١٩". ٢ بالفتح وبالضم، المرزوقي "١/ ٢٧٩ ومابعدها"، المزهر "١/ ٢٢٠"، نزهة الجليس "١/ ٢١٨". ٣ الأيام والليالي والشهور، للفراء، "ص١٧ وما بعدها". ٤ صبح الأعشى "٢/ ٣٧٨ وما بعدها"، تاج العروس "٣/ ٢٠"، "أمر". ٥ مروج الذهب "٢/ ١١٠"، "٢/ ١٩١"، "دار الأندلس". ٦ الآثار الباقية "١/ ٦٠" "طبعة سخاو"، "لا يبزك ١٨٧٦م"، التقاويم "ص١٦٧".
[ ١٦ / ٨٩ ]
ورتبها آخرون على هذا النحو: مؤتمر، وناجر، وحوّان "بالحاء المهملة والخاء المعجمة"، وصوان ويقال فيه: وبصان، ورُبى، وأيدة، والأصم، وعادل، وناطل، وواغل، وورنة، وبرك١. أو على هذا النحو: ناتق، ونقيل، وطليق، واسنح، وانخ، وحلك، وكسح، وزاهر، ونوط، وحرف، ويغش.
وذكرها بعض آخر على هذا النحو: مؤتمر، وناجر، وخوّان، وصوان، أو "وبصان"، و"حنين" ورُبيّ، وأيدة، والأمم، وعادل، وناطل، وواغل، وورنة، وبرك، أو هي: ناتق، ونقيل، وطليق، وأسنح، وأنخ، وحلك، وكسح، وزاهر، ونوط، وحرف، ويغش. وهناك من يقول: مؤتمر، وناجر، وخوان، وصوان، وحنتم، وزبا، والأصم، وعادل، وناقق، وواغل، وهواع، وبرك، وما شاكل ذلك وهناك آراء أخرى في ترتيب هذه الشهور وفي ضبط هذه الأسماء٢.
وذكر علماء اللغة أن الخالص من الشتاء عند العرب شهران، يطلقون عليهما "قماحًا"، ويقال للشهرين: ملحان وشيبان٣.
ويسمّون شهري القيظ الذي يخلص فيهما حره، شهري ناجر، وذكر أنهما: وقدة وعكان. وهذان الشهران هما بيضة الصيف٤.
وذكر علماء اللغة كذلك، أن شهرا "قماح" شهرا الكانون؛ لأنهما يكره فيهما شرب الماء إلا على ثقل. قال مالك بن خالد الهذلي:
فتى ما ابن الأغر إذ شتونا وحب الزاد في شهري قماح٥
و"ملحان" اسم شهر جمادى الآخرة، سمي بذلك لابيضاضه، قال الكميت:
_________________
(١) ١ نهاية الأرب "١/ ١٥٧". ٢ وسيان وبصان إذا ما عددته وبرك لعمري في الحساب سواء صبح الأعشى "٢/ ٣٦٨ وما بعدها"، تاج العروس" ٤/ ٤٤٤"، اللسان "٨/ ٣٧٤". ٣ الأنواء "ص١٠٥ وما بعدها"، المرزوقي "١/ ٢٧٩". ٤ الأنواء "ص١٠٦ وما بعدها". ٥ تاج العروس "٢/ ٢٠٩".
[ ١٦ / ٩٠ ]
إذا أمست الآفاق حمرًا جنوبها لشيبان أو ملحان واليوم أشهب
شيبان جمادى الأولى، وقيل: كانون الأول، وملحان كانون الثاني١. وورد أن "شيبان"، شهر فيه برد وغيم وصراد، و"قماح" أشد الشهور بردًا. وهما اللذان يقول من لا يعرفهما: كانون الأول وكانون الثاني٢.
ويتبين من البيت المنسوب إلى "الكميت" أنهما كانا معروفين في أيامه.
وأما شهور ثمود على حد زعم الأخباريين، فهي: موجب، وموجر، ومور "مورد"، وملزم، ومصدر، وهوبر، وهوبل، وموها، وذيمر "ديمر"، ودابر "دابل"، وحيقل، ومسيل "مسل"٣. وضبطها بعض آخر على النحو: موجب، وموجز، ومورد، وملزج، ومصدر، وهوبر، ومويل، وموهب، وذيمر، وجيقل، ومحلسن ومسبل٤. وموجب هو المحرم وموجر هو صفر. ويذكرون أنهم كانوا يبدأون في تقويمهم بذيمر، وهو شهر رمضان، فيكون أول شهور السنة عندهم٥.
وذكر أن "مُصْدِر" من أسماء جمادى الأولى٦.
ونحن لا نستطيع في الوقت الحاضر التأكيد على أن هذه الشهور، هي شهور "ثمود"، كما لا نريد أن نقف منها موقفًا سلبيًّا، فنقول: إنها من مخترعات أهل الأخبار، وضعوها على لسانهم وضعًا. وعندي أن من الخير لنا في الوقت الحاضر وجوب البحث عن كتابات ثمودية علنا نجد فيها أسماء أشهرهم.
أما الشهور التي ذكر الأخباريون أنها كانت مستعملة عند العرب حين ظهور الإسلام، فهي: المحرم، وصفر، وربيع الأول، وربيع الثاني، وجمادى
_________________
(١) ١ تاج العروس "٢/ ٢٣٠"، "ملح". ٢ وقد أعاد ذكر بيت الكميت ولكن على هذه الصورة: إذا أمست الآفاق حمرًا جنوبها بشيبان أو ملحان واليوم أشيب تاج العروس "١/ ٣٢٨"، "شاب". ٣ بلوغ الأرب "٣/ ٧٦ وما بعدها"، الآثار الباقية "١/ ٦٣"، صبح الأعشى "٢/ ٣٦٨". ٤ المرزوقي "١/ ٢٨٣". ٥ بلوغ الأرب "٣/ ٧٦ وما بعدها". ٦ اللسان "٤/ ٤٥٠"، "صدر".
[ ١٦ / ٩١ ]
الأولى، وجمادى الآخرة، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة. زعموا أن أسماءها وضعت على هذه الصورة باتفاق حال وقعت في كل شهر منها، فسمي الشهر بها عند ابتداء الوضع. وذكروا التعليل الذي رووه عن كل تسمية. وذكروا أيضًا أن أول من سماها بهذه الأسماء هو كلاب بن مرة. ومن هذه الشهور أربعة حرم لا يجوز فيها غزو ولا قتال١. وقال "الطبري": "وكان المشركون يسمون الأشهر: ذو الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع، وربيع، وجمادى، وجمادى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة٢.
ويذكر الأخباريون أن الاسم القديم للمحرم هو صفر، وأنه كان يعرف عندهم بـ"صفر الأول"، ثم قيل له: "المحرم". وقد عرف الشهران: المحرم وصفر لذلك بـ"الصفرين"٣. ويظن أن هذه التسمية الجديدة: أي المحرم لصفر الأول إنما ظهرت في الإسلام٤. وذهب بعض علماء اللغة إلى أن لفظة "موجب" هي الاسم العادي للمحرم. أي التسمية القديمة لهذا الشهر عند قدماء العرب٥. فلفظة "محرم" إذن، لم تكن تسمية لذلك الشهر، وإنما كانت صفة له، لحرمته، ثم غلبت عليه، فصارت بمنزلة الاسم العلم عليه. وأما اسمه عند الجاهليين، فهو: صفر، أي: صفر الأول، تمييزًا له عن صفر الثاني، الذي اختص بهذه التسمية أي: "صفر" بعد تغلب لفظة "المحرم" على صفر الأول.
بحيث صار لا يعرف إلا به، فصار صفر لا يعرف بعد ذلك إلا بـ"صفر".
وقد تغلبت لفظة "محرم" عليه، لأنه شهر من الأشهر الحرم، فهو "صفر"
_________________
(١) ١ بلوغ الأرب "٣/ ٧٨"، صبح الأعشى "٢/ ٣٦٤ وما بعدها"، نهاية الأرب "١/ ١٥٨". ٢ تفسير الطبري "١٠/ ٩٢"، صبح الأعشى "٢/ ٣٧٤ ومابعدها". ٣ "اللهم إني قد أحللت لهم أحد الصفرين. الصفر الأول، ونسأت الآخر العام المقبل" ابن هشام "١/ ٤٥"، "أول من نسأ الشهور"، اللسان "٦/ ١٣٣"، البخاري "٢/ ٢٥٧"، تاج العروس "٣/ ٣٣٦". ٤ تاج العروس "٣/ ٣٣٦". Reste، S. Raccolta، vol، V، p. ١٦٩، Winckler، zur Altarabischen Zeitrechnaung، in Altorientalische Farschugen، II، Reihe Bd. ٢، S. ٣٢٤، ١٩٠٠، Arabisch-Orientalish، Berlin، ١٩٠١، S. ٨١، in MVG، VI، ٤-٥، ١٩٠١. ٥ تاج العروس "١/ ٥٠٢".
[ ١٦ / ٩٢ ]
المحرم، تمييزًا له عن "صفر" الثاني، الذي لم يكن من الأشهر الحرم. ثم غلب المحرم عليه، وماتت لفظة صفر منه. قال "السخاوي": "إن المحرم سمي بذلك لكونه شهرًا محرمًا، وعندي أنه سمي بذلك تأكيدًا لتحريمه؛ لأن العرب كانت تتقلب به فتحله عامًا وتحرمه عامًا"١.
وذكر أن المحرم لم يكن معروفًا في الجاهلية، "وإنما كان يقال له ولصفر: الصفرين، وكان أول الصفرين من أشهر الحرم، فكانت العربُ تارة تحرّمه، وتارة تقاتل فيه، وتحرم صفر الثاني مكانه"، "فلما جاء الإسلام، وأبطل ما كانوا يفعلونه من النسيء، سماه النبي، ﷺ، شهر الله المحرم"٢.
ويتبين من دراسة أسماء هذه الشهور أن منها ما هو تكرار للاسم الواحد، وهي ربيع الأول وربيع الثاني وجمادى الأولى وجمادى الآخرة، ومجموعها أربعة أشهر، فهي ثلث السنة إذن. وتقع في النصف الأول من السنة وعلى التوالي، تليها أشهر مفردة، ثم شهران يبتدئ اسماها المركبان بكلمة "ذو"، وهما: ذو القعدة وذو الحجة، وهما آخر شهور السنة. وإذا صحت رواية من قال: إن الاسم القديم للمحرم هو صفر الأول، كانت الأشهر المكونة للنصف الأول من السنة أشهرًا مزدوجة تتألف من ثلاثة أزواج، هي: صَفَران ورَبيعان وجماديان٣.
وإذا درسنا أسماء هذه الشهور الجاهلية التي ذكرها أهل الأخبار، وجدنا أنها لا تشبه أسماء الشهور البابلية ولا الشهور السريانية والعبرانية. وهي لا تشبه كذلك أسماء الشهور الواردة في المسند. فليس في الذي بين أيدينا من أسماء للشهور العربية الجنوبية على اختلافها ما يشبه هذه الشهور.
وقد انتبه علماء العربية إلى أن أسماء بعض الأشهر التي استعملت في الإسلام، مثل رمضان، لا تنطبق مع المعاني التي يفهم منها، فرمضان من الرمض، وهو الحر الشديد، مما يدل على أنه من أشهر الصيف، بينما هو شهر متنقل، يأتي في كل المواسم، فلجأوا إلى تعليل مصطنع، على عادتهم عند وقوفهم على اسم لا يعرفون عن أصله شيئًا، قالوا: "يقال: إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير "٢/ ٣٥٤". ٢ المزهر "١/ ٣٠٠". ٣ Reste، S. ٩٥، Shorter، P. ٤٠٩
[ ١٦ / ٩٣ ]
القديمة سمّوها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق شهر رمضان أيام رمض الحر، فسمي بذلك"١، ولم يعرفوا أن ذلك بسبب اتباع الإسلام التقويم القمري، مما دعا إلى تحرك الشهور وتنقلها في الفصول، لكون الشهور القمرية غير ثابتة على نمط الشهور الشمسية.
ويبدأ الجاهليون بالمحرم، فهو أول السنة عندهم٢، وهو أيضًا الشهر الأول من شهور السنة الهجرية في الإسلام. وأرى أن اتخاذ المسلمين للمحرم، مبدءًا للسنة الأولى من الهجرة، وجعله الشهر الأول من التقويم الهجري، هو من الأمور التي أبقاها الإسلام من أمور الجاهلية، لأن هجرة الرسول إلى المدينة لم تكن في شهر "محرم" حتى نقول: إن المسلمين جعلوا "المحرم" الشهر الأول من السنة الهجرية، لهذه المناسبة، إذ كانت الهجرة في شهر ربيع الأول، وأرخ بها٣، لذلك يكون الابتداء بشهر محرم، هو إقرار لما كان عليه الجاهليون من ابتدائهم بـ"محرم"، مبدءًا لشهور السنة. وقد قيل: إن وصوله المدينة كان يوم الاثنين الثامن من ربيع الأول، وقيل: لثنتي عشرة منه، وقيل: دخل لهلال ربيع الأول، وقيل: غير ذلك٤.
وقد أورد العلماء شروحًا وتفسيرات لمعاني الشهور المتقدمة الجاهلية، والشهور التي استعملت في الإسلام واقترنت بالتقويم الهجري. فذكروا مثلًا أن المؤتمر معناه أن يأتمر بكل شيء مما تأتي به السنة من أقضيتها. وناجر من النجر، وهو شدة الحر، وخوان من الخيانة، وصوان من الصيانة، والزباء بمعنى الداهية العظيمة المتكاثفة سمي بذلك لكثرة القتال فيه وتكاثفه، والبائد سُمي لأنه كان يبيد فيه كثير من الناس، وكانوا يستعجلون فيه ويتوخون بلوغ ما كان لهم من الثأر والغارات قبل دخول شهر رجب وهو شهر حرام، والأصم لأنهم كانوا يكفون فيه عن القتال فلا يسمع فيه صوت سلاح. والواغل الداخل على شراب ولم يدعوه، وذلك لهجومه على شهر رمضان، وكان يكثر في رمضان شربهم
_________________
(١) ١ المزهر "١/ ٢٢٠". ٢ مروج الذهب "٢/ ١٨٨"، "ذكر سني العرب وشهورها وتسمية أيامها ولياليها". ٣ تاريخ الطبري "٤/ ٣٨"، اليعقوبي "١/ ١٣٥"، "أيام عمر بن الخطاب"، ابن هشام، سيرة "٢/ ١٥"، "حاشية على الروض". ٤ إمتاع الأسماع "١/ ٤٤".
[ ١٦ / ٩٤ ]
للخمر، لأن ما يتلوه شهور الحج، وناطل مكيال للخمر، سمي لإفراطهم في الشرب وكثرة استعمالهم لذلك المكيال، والعادل من العدل، لأنه من أشهر الحج، وكانوا يشتغلون فيه عن الناطل، والرنة كانت الأنعام ترن فيه لقرب النحر، وبرك سمي لبروك الإبل إذا أحضرت المنحر١.
وعللوا تسمية المحرم بهذا الاسم، لكونه من جملة الحرم، وصفر بالأسواق التي كانت باليمن تسمى الصفرية، وشهري الربيع للزهر والأنوار وتواتر الأندية والأمطار، وهو نسبة على طبع الفصل الذي نسميه نحن الخريف، وكانوا يسمونه ربيعًا، وشهري جمادى لجمود الماء فيهما، ورجب لاعتمادهم الحركة فيه، لا من جهة القال، أو لخوفهم إياه، يقال: رجبت الشيء، إذا خفته، وشعبان لتشعب القبائل فيه، ورمضان للحجارة ترمض فيه من شدة الحر، وشوال لارتفاع الحر وادباره، وذي القعدة للزومهم منازلهم، وذي الحجة لحجهم فيه٢.
وعلل بعضهم تسمية الأشهر بقوله: سمي المحرم محرمًا تأكيدًا لتحريمه، لأن العرب كانت تتقلب به، فتحله عامًا وتحرمه عامًا، وسمي صفر بذلك، لخلو بيوتهم منهم حين يخرجون للقتال والأسفار. وشهر ربيع الأول، سمي بذلك، لارتباعهم فيهم، والارتباع الإقامة في عمارة الربع، وربيع الآخر كالأول. وجمادى: سمي بذلك لجمود الماء فيه. ورجب من الترجيب، وهو التعظيم. وشعبان من تشعب القبائل وتفرقها للغارة. ورمضان من شدة الرمضاء، وهو الحر. وشوال من شالت الإبل بأذنابها للطراق، وذو القعدة، لقعودهم فيه عن القتال والترحال، وذو الحجة. لإيقاعهم الحج فيه٣.
ويظهر من تفسير أسماء بعض الأشهر وتعليلها أن لتسمياتها علاقة بالمواسم وبالعوارض الطبيعية الجوية مثل البرد والحر والاعتدال في الجو، وأن مسمياتها، أي: الشهور المسماة بها، كانت شهورًا ثابتة في الأصل، وإلا فلا يعقل تفسيرها
_________________
(١) ١ الآثار الباقية "١/ ٦١"، المرزوقي "١/ ٢٧٥ وما بعدها". ٢ الآثار الباقية "١/ ٦٠"، الفراء "ص٩ وما بعدها"، بلوغ الأرب "٣/ ٧٨"، المسعودي، مروج "٢/ ١٨٨ وما بعدها"، "سني العرب وشهورها وتسمية أيامها ولياليها"، وتجد تفسيرات عديدة أخرى في تعليل تسمية هذه الأشهر، تدل على أنها مما وضعه الرواة فيما بعد، حينما احتاج الناس إلى التعرف على سبب التسميات، صبح الأعشى "٢/ ٣٧٥ وما بعدها". ٣ ابن كثير "٢/ ٢٥٤"، المسعودي، مروج الذهب "٢/ ١٨٨ وما بعدها".
[ ١٦ / ٩٥ ]
بغير هذا التفسير. فكيف يسمى رمضان رمضان مثلًا لرمض الحجارة من شدة الحر فيه، إن لم يكن ثابتًا وشهرًا من أشهر الصيف الحارة؟ وكيف يسمى جمادى بجمادى لجمود الماء فيه، إن لم يكن هو والشهر التالي له والمسمى بجمادى الآخرة ثابتين، ومن أشهر الشتاء؟ وهكذا يجب أن يقال عن بقية الشهور، وإلا لم يصح ما قيل فيها من التفاسير١. وقد فطن "المسعودي" إلى ذلك فقال: "وجمادى، لجمود الماء فيهما في الزمان الذي سميت به هذه الشهور؛ لأنهم لم يعلموا أن الحر والبرد يدوران فتنتقل أوقات ذلك"٢. فأدرك أن شهور العرب في الجاهلية كانت أشهرًا تمثل ظواهر طبيعية مثل الحرارة والبرودة في الأصل، لكنه لما وجد -كما وجد غيره أيضًا- أن أوقات الشهور هي متغيرة، بحيث لا تستقر على قرار في المواسم، ذهب إلى أن الجاهليين لم يكن لهم علم بأن الحر والبرد يدوران، مع أنهم كانوا على علم تام بذلك، فكانت أشهرهم ثابتة، ولم يفطن المسعودي إلى ذلك، لأنه أخذ حكمه من الوضع الذي كانت عليه الأشهر في الإسلام، ولم يفطن إلى أن إبطال النسيء في الإسلام، هو الذي أطلق هذه الحرية للأشهر فصارت تدور بحرية وتدخل في كل المواسم، ولم تتقيد بالوقت الذي خصصت به. ولما تكلم "المسعودي" عن الشهور قال: "شهور الروم مرسومة على فصول السنة دون شهور العرب: وشهور العرب ليست مرتبة على فصول السنة ولا على حساب سنة الشمس، بل المحرم وغيره من الشهور العربية قد يقع تارة في الربيع وتارة في غيره من فصول السنة"٣.
ويعد شهر شوال أول شهر من أشهر الحج، وكانت العرب تتطير من عقد المناكح فيه، وتقول: إن المنكوحة تمتنع من ناكحها، ولذلك كانت الجاهلية تكره التزويج فيه لما فيه من معنى الإشالة والرفع إلى أن جاء الإسلام بهدم ذلك٤.
_________________
(١) ١ الآثار الباقية "١/ ٦٢". ٢ المسعودي، مروج "٢/ ١٨٩"، تفسير ابن كثير "٢/ ٣٥٤ وما بعدها". ٣ مروج "٢/ ١٩٢". ٤ تاج العروس "٧/ ٤٠١"، "شول"، صبح الأعشى "٢/ ٣٧٦".
[ ١٦ / ٩٦ ]