و"الصائغ": من يحترف الصياغة، وذلك في اللهجة العربية الشمالية، ويشتغل في صياغة الذهب والفضة، وقد كان بين أصحاب الرسول من احترف هذه الحرفة. وقد ورد عن أبي رافع الصائغ، أن عمر بن الخطاب كان يمازحه بقوله: "أكذب الناس الصواغ، يقول اليوم وغدًا"١. وكلام عمر بن الخطاب هذا يدل على أن الصاغة لذلك العهد كانوا يخلفون أيضا في المواعيد، ولا يحافظون على الأوقات.
وقد تحدث بعض الكَتَبَة اليونان عن أثاث وحليّ مصنوعة من الذهب والفضة، ذكروا أن السبئيين كانوا يستعملونها في بيوتهم، ولكننا لم نقف على شيء مهم من ذلك، إلا قطعًا متآكلة من المعدن وصلت إلينا، لتتحدث عن عمل الصاغة والحدادين في العربية الجنوبية، وأكثرها من المصنوعات المعمولة من البرنز. فلدينا مصباح من البرنز مصاب ببعض العطب، عثر عليه في "شبوة"، على طرفه جسم "أيل" جميل، صنع وكأنه متهيئ للوثوب. وهناك قطع أخرى تمثل إحداها جملا، وأخرى حصانا، كما عثر على عصي مصنوعة من البرنز، وعلى ألواح من هذا المعدن أيضا، عليها كتابات، وهي محفوظة في المتاحف الأوروبية. وهذا الذي عثر عليه هو شيء قليل بالطبع بالنسبة إلى ما سيعثر عليه، متى سمح للآثاريين بالبحث عن الآثار والكشف عن المطمور في جزيرة العرب، ولا سيما في العربية الجنوبية، حيث تشاهد تلول من الأتربة منتشرة تضم تحتها كنوزًا ثمينة من الآثار.
ويقال للذهب: الأنضر، وقد ذكر بعض علماء اللغة أن لفظة الأنضر اسم للذهب والفضة، وكذلك النضار. أما النضرة فإنها السبيكة من الذهب، ونُضار الجوهر الخالص من التبر٢.
وقد عرف التبر بأنه الذهب كله، وقيل: هو من الذهب والفضة وجميع جواهر الأرض من النحاس والصفر والشبه والزجاج وغير ذلك مما استخرج من المعدن قبل أن يصاغ ويستعمل. وقيل: التبر هو الذهب المكسور، وقيل: الفتات
_________________
(١) ١ تاج العروس "٦/ ٢٣". ٢ تاج العروس "٣/ ٥٧١".
[ ١٤ / ٢٤٩ ]
من الذهب والفضة قبل أن يصاغا، فإذا صِيغا فهما ذهب وفضة، وورد التبر ما كان من الذهب غير مضروب فإذا ضرب دنانير فهو عين. وقد يطلق التبر على غير الذهب والفضة من المعدنيات؛ كالنحاس والحديد والرصاص، وأكثر اختصاصه بالذهب، وورد في الحديث: "الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها١". وأما "الجذاذ"، فإنه حجارة فيها ذهب، أي: الحجر الذي يقلع من مناجم الذهب، ثم يسحن بالمساحن لاستخلاص الذهب من المواد الأخرى، والمسحنة: حجر يدق به حجارة الذهب٢.
والحلي، ويراد بها ما يزين به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة٣، هي من أهم أعمال الصائغ عند الجاهليين، يقوم بصنعها من الذهب أو الفضة، ويزينها ببعض الحجارة في بعض الأحيان، وقد اشتهر "بنو قينقاع" في منطقة "يثرب" بإجادتهم حرفة الصياغة وإتقانهم لها. ومن هذه الحلي ما يعلق على الصدر، ومنها ما يوضع في الأيدي أو في الأصابع، ومنها ما يوضع حول الساق، وما يعلق في مواضع أخرى من الجسد مثل الأذنين أو الأنف أو على الجبين، كما أن بعضه مما يحلى به الحيوان أو الأشياء النفيسة في البيت.
ومن الحلي المشهورة عند الجاهليين القلادة، وتصنع من الذهب أو الفضة في الغالب، وقد تكون من ربط حجارة أو عظام أو خرز بعضها إلى بعض، وتربط حول العنق، وتتدلى على الصدر، على أن القلادة في اللغة لفظة عامة تطلق على أمور كثيرة. وقد كان الجاهليون يضعون قلادة في عنق البدن، مثل عروة مزادة، أو خلق نعل، أو غير ذلك؛ ليعلم أنها هدي. كما كانوا يقلدون الإبل بلحاء شجر الحرم، ويعتصمون بذلك من أعدائهم٤.
والأسورة من أدوات الزينة كذلك، وقد استعملها أهل الجاهلية، تضعها المرأة في يديها. ويذكر علماء اللغة أن "السوار" الفظة معربة، عربت من الفارسية وأصلها في الفارسية "ستوار"، فأخذها العرب وعربوها، واشتقوا منها "سوَّرت
_________________
(١) ١ اللسان "٤/ ٨٨". ٢ المعاني الكبير "٢/ ٨٤٨". ٣ تاج العروس "٦/ ٢٣". ٤ تاج العروس "٢/ ٤٧٥"، "جامع الأصول "٥/ ٤٠٩".
[ ١٤ / ٢٥٠ ]
الجارية" و"جارية مسوّرة"١. على أن بعض المحاربين كانوا يستعملون الأسورة، ويتباهون بها في الحروب.
وأما "العصمة"، فقيل: إنها القلادة، وقيل: إنها شبه السوار، توضع حول اليد. وأما المعصم، فإنه موضع السوار من اليد أو الساعد٢. وأما القرط، فمن حلي الأذن يعلق بشحمة الأذن٣، سواء أكان درّة أم ثومة من فضة أم معلاقًا من ذهب٤.
والخلخال من أدوات الزينة التي تستعملها النساء، يوضع على الساق، يصاغ من الذهب أو الفضة٥. وقد يحشى بالقار، كما تحشى الأسورة أيضا في بعض الأحيان لتبدو غليظة، ويستعمل القير والقار في طلي السفن؛ لمنع الماء من الدخول فيها. والعرب تسمى الخضخاض قارا، وهو قطران وأخلاط تهنأ بها الإبل. وقد ذكر أنه صعد يذاب، فيستخرج منه القار٦. ولا يزال أهل البادية والقرى يتحلون بالخلخال، وللأجراس الصغيرة التي تعلق به رنين خاص ونغمات. وهو من أدوات الزينة المستعملة بين شعوب الشرق الأوسط منذ القديم، وقد أشير إليه في التوراة٧.
وقد نهى الإسلام عن تبختر النساء بالخلاخل، وإثارتهن نغماتها؛ لما في ذلك من إثارة للرجال وتأثير عليهم٨.
والخاتم من عمل وصنع الصائغ، وهو من حلي الإصبع، ويحلى بالحجارة الكريمة في الغالب، مثل الياقوت والماس والشذر وغير ذلك. ويستعمل الخاتم للختم كذلك، أي: للطبع بدلًا من التوقيع، وذلك بحفر رمز أو كلمة أو عبارة أو اسم صاحب الخاتم على الخاتم، فإذا أريد كتابة كتاب أو تصديق قرار أو وثيقة ختم به على
_________________
(١) ١ تاج العروس "٣/ ٢٨٣"، المفردات "ص٢٧٤"، جامع الأصول "٥/ ٤٠٨". ٢ تاج العروس "٨/ ٤٠٠". ٣ جامع الأصول "٧/ ٥٢٦"، المغرب "٢/ ١١٧". ٤ تاج العروس "٥/ ٢٠٢". ٥ قال امرؤ القيس: كأني لم أركب جوادًا للذة ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال تاج العروس "٧/ ٣٠٩". ٦ المعرب "ص٢٦٦". ٧ Hastings، Dict. Of the Bible، I، p. ٩٩ ٨ السورة ٢٤، الآية ٣١.
[ ١٤ / ٢٥١ ]
الشيء المراد ختمه، فيقوم إذ ذاك مقام التوقيع والاعتراف بصحة المذكور. ويقال لما يوضع على الطينة وما يختم على اللبنة الخاتم كذلك١؛ ولذلك عد الخاتم عند الشعوب القديمة رمزًا للتفويض والتصديق والملك. وختم الملك يدل على إرادة الملك ورضائه وأمره؛ ولذلك قيل: خاتم الملك٢.
وقد يصنع الخاتم من الشبه أو الصفر أو الحديد، ويعمل على صور وأشكال متعددة متنوعة. وقد كان خاتم رسول الله من حديد ملوي، عليه فضة٣.
وفي المتاحف وعند الناس عدد كبير من الأختام، عثر عليها في مواضع متعددة من جزيرة العرب. وهي تكون عند علماء الآثار دراسة خاصة؛ لما كان لها من أهمية عند الشعوب القديمة، ولما في بعضها من دقة في الصنعة ومن تفنن وإبداع. وبعض هذه الأختام مستورد من الخارج وبعضه متأثر بالأختام الأجنبية، مثل: الأختام العراقية أو الأختام اليونانية أو الفارسية.
ويقوم الصائغ بعمل الزينة للرأس، ومنها التيجان، وقد كان ملوك الحيرة يضعون التيجان على رءوسهم. وقد ورد في شعر لمالك بن نويرة أن تاج النعمان بن المنذر كان من الزبرجد والياقوت والذهب٤.
ومن حلي النساء الفتخ والخُرص والسخاب والحلق، وقد حلي بها الأولاد كذلك٥، وكذلك المسكة من ذهب والسلسلة والأطواق والأجراس والجلاجل. ويراد بالفتخ الخواتيم الضخام، يكون في اليد والرجل، بفص وبغير فص. وقيل: الخاتم أيًّا كان، أو حلقة من فضة٦. وأما المسكة، فسوار من ذبل أو عاج، فإذا كانت من غيرهما أضيفت إلى ما هي منه٧، وتوضع السلسلة في العنق، وأما الأجراس فتوضع في الأرجل٨.
_________________
(١) ١ تاج العروس "٨/ ٢٦٦"، اللسان "١٢/ ١٦٣"، "صادر". ٢ Smith، Vol. III، p. ١٠٤٤ ٣ جامع الأصول "٥/ ٤٠٢". ٤ لن يذهب اللؤم تاج قد حييت به من الزبرجد والياقوت والذهب المعرب "ص٣٥٦"، تاج العروس "٢/ ١٢". ٥ جامع الأصول "٥/ ٤٠٤ وما بعدها". ٦ جامع الأصول "٥/ ٤٠٨"، تاج العروس "٢/ ٢٧٠". ٧ جامع الأصول "٥/ ٤٩٣". ٨ جامع الأصول "٥/ ٤١٠".
[ ١٤ / ٢٥٢ ]
ومن الحلي: "الحُبلة": ضرب من الحلي يصاغ على شكل ثمرة "الحبلة"، يوضع في القلائد في الجاهلية١.
ويقال للنقوش والزينة المزوقة والتصاوير المموهة بالذهب "الزخرف". وذكر علماء اللغة أن "الزخرف" الذهب، وهو الأصل، ثم قيل لكل زينة زخرف، وكذلك كل شيء مُوّه به. وقد ورد في كتب الحديث والأخبار أن الكعبة كانت قد زينت بالزخرف، أي: بنقوش وتصاوير، وكانت بالذهب. فلما كان يوم الفتح، لم يدخل الرسول الكعبة، حتى أمر بالزخرف فنحي، وبالأصنام فكسرت، فدخل بعد ذلك الكعبة٢.
وقد ألف أهل مكة وغيرهم استعمال الآنية المصنوعة من الذهب والفضة، فاستعملوا الأكواب والأباريق والكئوس والقوارير والأواني، وبعضها عليه صور مرسومة أو محفورة. وقد أشير في القرآن الكريم إلى هذه الأواني، وذكرت في كتب الفقه، وقد ورد النهي عن الشرب بأواني الذهب في الحديث٣، وفي ذلك دليل على وجودها واستعمالها عند العرب قبل الإسلام.
وقد ذكر علماء اللغة أن من الأواني المستعملة من الفضة الجام٤، وعرفوا الكوب بأنه كوز لا عروة له، أو هو المستدير الرأس الذي لا خرطوم له. وقد ذكر في شعر عدي بن زيد العبادي٥، وفي شعر نفر آخر من الشعراء الجاهليين ممن ألفوا الحضارة. وورود "أكواب" جمع "كوب" في القرآن الكريم، دليل على استعمال أهل مكة للأكواب.
واللفظة من الألفاظ المعربة عن اليونانية، وتقابل لفظة Cup في الإنجليزية. وقد أخذت من هذا الأصل اليوناني.
والكوب، هو في معنى "كوس" عند العبرانيين، أي: كأس في عربيتنا. وتصنع الكئوس من المعدن، كما تعمل من الطين، وعُمِلَتْ كئوس الملوك وكبار
_________________
(١) ١ اللسان "١١/ ١٤٠". ٢ تاج العروس "٦/ ١٢٦". ٣ شمس العلوم "١/ ١٠٣". ٤ تاج العروس "٨/ ٢٣٤". ٥ متكئًا تصفق أبوابه يسعى عليه العبد بالكوب تاج العروس "١/ ٤٦٤".
[ ١٤ / ٢٥٣ ]
الأغنياء من الذهب والفضة. ولبعضها يد أو علَّاقة ليحمل الكأس بها١، وقد ذكرت لفظة "كأس" في القرآن الكريم.
واستعمل أهل مكة الأباريق المصنوعة من الذهب والفضة كذلك. وقد ذهب علماء اللغة إلى أن لفظة "إبريق" لفظة معربة، أصلها فارسي هو: "آب رى". وقد وردت لفظة "الأباريق" في القرآن، كما وردت لفظة "إبريق" في شعر منسوب إلى عدي بن زيد العبادي٢.
وأخذ تجار مكة من الفارسية بعض الألفاظ الحضارية التي لها علاقة بالصياغة، بحكم اتصالهم بالعراق، مثل لفظة "زركش"، وهي من أصل فارسي معناه: الراسم والناقش على الذهب٣.
وصاغ الصياغ خرزًا من الفضة، جعلوه على أمثال اللؤلؤ، وعرف عندهم باسم "الجمان"، وقد وردت لفظة "جمانة" في شعر منسوب للبيد. وذكر الجواليقي أن اللفظة معربة من أصل فارسي، وأنها تكلمت بها العرب قديمًا٤.
ويصنع الصائغ إطارات للمرائي، جمع المرآة، وهي ما تراءيت فيه، وما ترى فيه صور الأشياء٥. وقد يصنع الصائغ المرآة على هيئة سبيكة مصقولة من الفضة، إذا نظر إليها بان وجه الإنسان. وقد ذكر العلماء نوعًا من المرائي دعوه "السجنجل"، وقد وردت هذه اللفظة في معلقة امرئ القيس، وذكر العلماء أن اللفظة معربة من أصل رومي٦.
وقام الصائغ بعمل كل ما طلب منه، فعمل قبيعة السيف من الذهب والفضة وزين السيوف بالذهب والفضة. بل صنع بعضهم أنوفًا من ذهب لمن أُصيبت
_________________
(١) ١ Smith، Vol. I، p. ٣٧٢ ٢ ودعا بالصبوح يومًا فقامت قينة في يمينها إبريق تاج العروس "٦/ ٢٨٦"، وورد "فجاءت"، المعرب "ص٢٣"، شمس العلوم "١/ ١٤٥". ٣ مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق "ص٣٨١، تموز ١٩٦٠". ٤ المعرب "١١٥"، تاج العروس "٩/ ١٦٣". ٥ تاج العروس "١٠/ ١٣٩". ٦ المعرب "ص١٧٩". مهفهفة بيضاء غير مفاضة ترائبها مصقولة كالسجنجل تاج العروس "٧/ ٣٧١".
[ ١٤ / ٢٥٤ ]
أنوفهم. فذكر أن صائغًا صنع أنفًا من ذهب لعرفجة بن سعد، وكان قد أصيب أنفه يوم الطلاب في الجاهلية١.
وزينت الدروع والدرق بالذهب كذلك، ووجد الصائغ عملًا مهمًّا له في المعابد، إذ أمدها بزخارف مموهة بالذهب وضعت على أبوابها، وعلى الأماكن المقدسة فيها. كما أمدها بالتماثيل المصنوعة من الإبريز وبالقناديل والمصابيح المصنوعة من الذهب والفضة.
ومن أدوات الصاغة المهمة التي يستعملونها في صناعتهم "الحماليج"، وهي المنافيخ، وتستخدم في إيقاد النار وفي زيادة لهبها؛ كي تتمكن من صهر المعدن أو جعله لينًا، ليحوله الصائغ على الشكل الذي يريده٢.
ومن الأدوات المصنوعة من الحديد ومن النحاس والبرنز أيضًا "التور"٣ و"الطست"٤ و"الطاجن"٥، وهي أوانٍ يوضع فيها الماء في الغالب. وذكر بعض علماء اللغة أنها كلها ألفاظ معربة من الفارسية٦.
وقد عرف التور بأنه إناء من الأواني، وقيل: إنه إناء من صفر أو حجارة كالإجانة، وقد يتوضأ منه٧.
ومن الأدوات التي يصنعها النحاسون "القمقم"، ذكر بعض علماء اللغة أنه الجرة أو ما يستقى به من نحاس٨. واللفظة ما تزال حية معروفة في العراق،
_________________
(١) ١ جامع الأصول "٥/ ٤١٠ وما بعدها"، اللسان "٨/ ٢٥٩". ٢ المعاني الكبير "٢/ ٧٦٣". ٣ المعرب "ص٨٦"، تاج العروس "٣/ ٧٠". ٤ المعرب "ص٨٦"، تاج العروس "١/ ٥٦٣"، المغرب "٢/ ١٤"، فرائد اللغة "ص٢٣٨". ٥ "الطجن: القلو، دخيل في العربية والمطجن، كمعظم: المقلو في الطاجن"، تاج العروس "٩/ ٢٦٨". ٦ المعرب "ص٨٦". ٧ اللسان "٤/ ٩٦". ٨ المعرب "ص٢٦٠": والقمقم كهدهد: الجرة عن كراع، وأيضًا آنية من نحاس وغيره، يسخن فيه الماء، ويكون ضيق الرأس. قال الأصمعي: هو رومي معرب "كمكم" بكافين عجميتين. وقال عنترة: وكان ربا أو كحيلا معقدا حش القيان به جوانب قمقم ومنه استعير لإناء صغير من نحاس أو فضة أو صيني يجعل فيه ماء الورد، تاج العروس "٩/ ٣٣".
[ ١٤ / ٢٥٥ ]
تطلق على وعاء يوضع فيه ماء الورد، يسكب منه في المآتم خاصةً.
وقد اشتهرت بعض مواضع اليمن بالمعادن، وتُعرَف الأرضون المحتوية على خاماتها بـ"مَعْدِن" عند أهل الأخبار. ويذكر بعد هذه اللفظة اسم المكان الذي يوجد فيه المعدن ثم نوعه، فقد ورد مثلًا "معدن عشم" و"معدن ضنكان"، وقد اشتهرا بالذهب، وذكر أن ذهبهما من النوع الجيد الجليل. أما "معدن القفاعة" ففيه ذهب كذلك، لكنه دون ذهب المعدنين المذكورين، وهو خير من ذهب "معدن بني محيد"١.
وقد استغل الناس مناجم الذهب والفضة والحديد، وعثر عند بعضها على أدوات استخدمت في إذابة المعدن؛ لاستخلاصه من المواد الغريبة العالقة به. وقد ذكر "فؤاد حمزة" في كلامه على جبل "تَهْلَل" بجوار السودة في عسير، وبه معدن الحديد٢، أنه عثر فيها على آثار عشرات النقر لإذابة المعادن. وقد كانوا يضعون خام الحديد المستخرج من منجمه في هذه النقر ومعه الخشب والأغصان التي توقد لإيجاد النار الكافية لإذابة المعدن، واستخلاصه من المواد الغريبة المختلطة في خامه. فإذا ذاب المعدن وخلص من المواد الغريبة التي كانت ممتزجة به، عُولِج معالجةً خاصةً لتنقيته ولاستخراج فحمه والمواد الأخرى التي تجعله هشًّا قابلًا للكسر والثلم بسهولة. وقد يعالج جملة مرات إن أريد استعماله في أمور تستدعي استعمال حديد نقي صافٍ، في مثل السيوف الجيدة التي بجب صنعها من هذا الحديد.
واستعمل الأتون أيضا في إذابة المعادن لتنقيتها وإذابتها ولإحالتها إلى الشكل المطلوب. وتوقد النيران في أسفل الأتون؛ لتذيب المعدن وتحيله إلى سائل يسيل من فتحة تقع في جانبه ليحوله المعدن إلى الشكل الذي يريده. ويخرج الدخان من فتحة تكون في نهاية موقد النار، وتقوم هذه المدخنة بتهوية الموقد في الوقت نفسه. وطريقة إذابة المعادن وتنقيتها هذه، معروفة عند الرومان واليونان والفرس والعبرانيين، ويطلق العبرانيون على الأتون، لفظة "أتون" كذلك٣.
وأشير إلى معادن أخرى في اليمن، منها: الفضة، وقد وجد في "معدن
_________________
(١) ١ بلوغ الأرب "١/ ٢٠٤". ٢ في بلاد عسير: "ص١١٣ وما بعدها". ٣ Smith، Dict. Of the Bible، Vol.، I، p. ٦٣٧
[ ١٤ / ٢٥٦ ]
الرصاص"، موضع بين "فهم" من همدان، بين خولان العالية ومراد، ومعها الرصاص، وعليه كان اعتماد أهل اليمن. وكان في الموضع قرية تسمى "قرية الرصاص"، وأهلها من العرنيين، وقد ارتدوا، فقتلهم رسول الله١. وعرف الرصاص الخالص بالآنك٢، وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنها من أصل آرمي هو "أنكو" Anko٣.
ومن المعادن: الجزع، واليفران، والعقيق، وهو في مواضع عديدة من اليمن، بعضه بعدن أبيض، وبعضه بأرض وادعة بين صعدة والحجاز، وفي نجران وبيحان٤.
والنحاس، هو "نحشت" في العبرانية، ويعرف بـ"صبرو" Siparu في البابلية. ومن هذه اللفظة "الصفر"، المستعملة في العراق بمعنى نحاس٥. وذكر علماء اللغة أن النحاس ضرب من الصفر والآنية شديدة الحمرة٦، وذكروا أن الصفر: النحاس الجيد، وقيل: ضرب من النحاس، والصفار: صانع الصفر٧.
وقد عرف المشتغلون بالمعادن طريقة خلط المعادن، فاستعملوها في أغراض شتى. فخلطوا بين الفضة والرصاص أو النحاس في صنع النمي، وهي الفلوس، وكانت في الحيرة على عهد النعمان بن المنذر٨. وخلطوا الحديد بمعادن أخرى؛ ليتناسب مع طبيعة الأشياء التي يراد صنعها منه، ويكون خلط المعادن بنسب مقدرة معلومة؛ كي تؤدي الغاية المرجوة منه. ومن هذه المعادن: الشبه، وقد ذكر علماء اللغة أنه ضرب من النحاس، يلقى عليه دواء فيصفر٩.
وفي العبرية لفظة "فولاذ"، وتعني معنى Steel في الإنجليزية، أي: نوعًا خاصًّا من أنواع الحديد، وتقابل لفظة "فلدو" "بلدو" في السريانية و"فلداة"
_________________
(١) ١ بلوغ الأرب "١/ ٢٠٤". ٢ شمس العلوم "١/ ١٠٢". ٣ غرائب اللغة "ص١٧٢". ٤ بلوغ الأرب "١/ ٢٠٤". ٥ Ency. Bibli. Vol، I، p. ٨٩٣ ٦ اللسان "٦/ ٢٢٧". ٧ اللسان "٤/ ٤٦١". ٨ تاج العروس "٩/ ٨٥". ٩ اللسان "١٣/ ٥٠٥".
[ ١٤ / ٢٥٧ ]
في العبرانية. ويظهر أن الفولاذ كان معروفًا عند الشعوب القديمة قبل الميلاد١.
ولم يختلف أهل اليمن القدماء عن أهل اليمن المحدثين في طرقهم البدائية في استخراج المعادن واستخلاصها من خاماتها، ولا يزال أهل اليمن يضرمون النار في الحجارة المحتوية على المعدن، فيسيل المعدن بتأثير الحرارة، فإذا سال سكب عليه الماء، فيبرد، وتتكون قطع منه، يستعان بها في صنع ما يحتاجون إليه من آلات وأدوات.
ولا يزال كثير من سكان جزيرة العرب يمارسون الصناعات على الطريقة القديمة، يعتمدون فيها على الأيدي وعلى الآلات البدائية التي ورثوها من الماضي، فيدبغون الأدم على طريقتهم الموروثة، ويصنعون سرج الخيل وهوادج الإبل، والأحذية، وينسجون الأنسجة من صوف الأغنام أو الماعز أو الوبر، للملابس، ولبيوتهم التي تنتقل بتنقلهم.
والعِطارة من الحرف القديمة المعروفة، وقد ذكرت في التوراة٢. والعطَّار وإن كان اسمه قد جاء من العطر بسبب تعاطيه بيع الطيب والعطور، يبيع أيضا مختلف الأعشاب والعقاقير والأدوية. فهو صيدلي في الواقع، وإليه تأتي وصفة الطبيب تعيّن الأعشاب والعقاقير التي يحتاجها المريض. وقد كان العطارون يبيعون في مكة ويثرب وأماكن أخرى أنواع العطور والطيوب، وفي جملتها المسك. وقد ضرب الرسول المثل "بصاحب المسك" أي: العطار، إذ جعله مثال الجليس الصالح٣ للرجل.
ويبيع العطارون عدة أشياء تستعمل في الطب وفي الطعام، مثل الزعفران والكركم وهو أصغر، وذكر أنه "الهُرد"، وهو عروق يصبغ بها٤. ومثل "المصطكا"، وهو علك رومي، ويدخل في الأدوية أيضًا٥.
وقد يحمل العطارون آلتهم معهم، يضعونها في خريطة من أدم، يطلقون عليها "القفدانة" و"القفدان". وهي لفظة فارسية معربة، وتطلق على المكحلة كذلك، كما يقول بعض علماء اللغة٦.
_________________
(١) ١ Smith، A dicti. Of the Bible، Vol، III، p. ١٣٧٧ ٢ قاموس الكتاب المقدس "٢/ ٢٢". ٣ عمدة القاري "١١/ ٢٢٠". ٤ المعرب "ص٢٩١". ٥ المعرب "ص٣٢٠". ٦ المعرب "ص٢٦٣"، تاج العروس "٢/ ٤٧٤".
[ ١٤ / ٢٥٨ ]