والكسوف والخسوف من الظواهر المعروفة عند الجاهليين. وقد عد وقوعهما من الأمارات التي تشير إلى وقوع حوادث جسيمة في العالم. شأنهم في ذلك شأن شعوب العالم الأخرى في ذلك العهد.
فقد كان بعض الجاهليين يرى أن كسوف الشمس آية دالة على موت رجل عظيم. فقد ورد أن الشمس كسفت في عهد رسول الله، ووافق ذلك موت إبراهيم بن رسول الله، فقال الناس: إنما كسفت الشمس لأجله. فقال النبي: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى يخوّف بهما عباده، وأنهما لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته"١. وقد حدث ذلك في المدينة. وورد في الأخبار أن الأنصار كانوا يقولون في النجم الذي يرمى به: مات ملك، ولد مولود٢.
وكانوا يتصورون أن الكهان كانوا يستعينون على معرفة المغيبات والخفايا بواسطة شياطينهم الذين كانوا يصعدون إلى السماء فيأخذون أخبارهم. وأن الرعد صوت الموكل بالسحاب يزجر السحب من أن تخالف أمره، حيث يسوقها من بلد إلى بلد كما يسوق الراعي إبله٣.
ويظهر من الموارد الإسلامية أن الجاهليين كانوا يثبتون الوقت بموقع ظل الشمس.
ويستعين أهل البادية بالظل، ظل إنسان أو عصا أو ظل خيمة، ويدركون من هذا الظل مقدار الوقت بصورة تقريبية. وعلى هذا المبدأ قدر الفقهاء أوقات الصلاة ولا يستبعد استعانة أهل القرى والمدن بمزاول ثابتة في تقدير الوقت.
وذلك بأن تخطط درجات على جدار ثابت أو على أرض، أو تعمل فتحات في
_________________
(١) ١ نهاية الأرب "١/ ٤٨". ٢ نهاية الأرب "١/ ٨٧". ٣ نهاية الأرب "١/ ٨٨ وما بعدها".
[ ١٦ / ٦٧ ]
جدار، ويعين الوقت برؤية ظل قضيب أو عمود مثبت على الدرجة المرسومة أو الفتحة، ويستدل من الظل على منزلة الساعة من النهار.
وقد كان الجاهليون مثل غيرهم من الشعوب يلجأون إلى المتفرسين في دراسة الأجرام السماوية لمعرفة الأمور الخافية عليهم من حاضر ومستقبل، وذلك بالاستدال عليها من ظواهر الكواكب والنجو. والكهان، هم المتخصصون بهذه المعرفة عند الجاهليين، فكانوا يتنبئون لهم بما سيقع من أمور وأحداث بالاستدلال بحركات تلك الأجرام، وبما تجمع عندهم من فراسات وتجارب ورثوها في هذا الشأن.
وقد كان الجاهليون يبالغون في ذلك كثيرًا ويؤمنون بالتنجيم وبتأثير الطالع في حياة الإنسان، ولهذا ذم الإسلام المنجمين وكذبهم ومنع المسلمين من التصديق بهم.
وكان لأهل الجاهلية رأي في تساقط الشهب والنيازك، ويرون أن لتساقط النجوم أثر في الإنسان وفي العالم. ذكر أنهم كانوا يرون أنه إذا انقض شيء من البروج الاثني عشر، فهو ذهاب الدنيا، وإن لم ينقض منها شيء، بل رأوا انقضاض النجوم وسقوطها، فإن ذلك يدل على حدوث أمر عظيم في الدنيا١.
_________________
(١) ١ تفسير القرطبي، الجامع "١٧/ ٨٢ وما بعدها"، "سورة النجم".
[ ١٦ / ٦٨ ]