ومن الحرف الحِلاقة والحجامة. ويجمع الحلاق في الغالب بين حلاقة الشعر والحجامة، ويستعمل الحلاق الموسى والمقص في الحلاقة، ويتخذ المرآة لإراءة المحلوق شعره وكيفية قصه، وكذلك يتخذ أدوات زينة وطيب لتطييب الشخص؛ إذ الحلاقة نوع من أنواع الزينة كذلك. وكانت حلاقة الرأس مختلفة، لا تجري على طريقة واحدة؛ فللقبائل عادات مختلفة في طريقة حلاقة الشعر وقصه، كما أن الأعراب يختلفون عن أهل المدن في تنظيم شعر رءوسهم وحلاقته، وهم يدهنون
[ ١٤ / ٢٧١ ]
شعورهم ويتركونها تتدلى في الغالب، وقد يجعلونها ضفائر وجدائل تتدلى على الأكتاف.
واعتماد الحجام على الموسى يشرط به جروحًا خفيفة يمص منها الدم بكأس من الزجاج توضع فوق الشرط، ثم يسحب الحجام الهواء من الفتحة الضيقة المتصلة بقناة داخل الكأس، فيخرج الدم إلى داخل الكأس، وقد كانت الحجامة من وسائل التداوي في ذلك الزمن. كذلك عد "الفصد"، وهو إخراج الدم من عرق في اليد، نوعًا من أنواع المداواة، ويقال للقائم به: "الفصاد"، وقد يقوم بذلك الأطباء. واستعمل نوع من الديدان في امتصاص الدم كذلك، وذلك كنوع من أنواع المعالجات الطبية، ولا تزال هذه الطريقة معروفة عند الأعراب وأهل القرى والمدن. وقد حجم الرسولَ رجلٌ اسمه "أبو طيبة"، وأعطاه أجره عليه١، ويستعمل الفصاد المبضع في الفصد٢.
وعاش بعض الناس على بيع الحطب، فكانوا يجمعونه من البادية ومن الجبال ويأتون به إلى المدن والقرى مثل مكة ويثرب فيبيعونه، يقوم بذلك "الحَطَّابة"٣. وقد نعتت امرأة أبي لهب في القرآن الكريم بـ"حمالة الحطب"؛ وذلك على سبيل الازدراء والتحقير. ويشد الحطب ويربط بحبل، ويوضع على ظهر الدابة، وقد يحمله الأشخاص لبيعه، والأغلب أن تبيع النساء العاقول والحطب.
والرتم من الحطب الذي يعطي نارًا شديدة ذات لهب، يبيعه الحطابون لأهل المدن، ويقال له: "روتيم" في العبرانية. ويتخذ منه فحم، وذلك بإطفاء ناره قبل احتراقه، فيتولد من ذلك الفحم٤.
ومن أنواع الحطب الأطد، وهو: "أطد" في العبرانية أيضا، والعوسج، والحدق، ويقال له "حدق" في العبرانية كذلك، والسمر، وهو "شمير" عند العبرانيين٥.
وقد كان أكثر من يتعاطى الطبخ والخبازة والجزارة من العبيد. وقد تخصص
_________________
(١) ١ عمدة القاري "١١/ ٢٢١ وما بعدها"، تاج العروس "٨/ ٢٣٧". ٢ المغرب "ص٣٩". ٣ المغرب "ص١٢٦". ٤ Hastings، Dict. Of the Bible، Vol.، I، p. ٧١ ٥ Smith، Dict.، Vol.، III، P. ١١٩١
[ ١٤ / ٢٧٢ ]
بعضهم بعمل واحد من الحرفة الواحدة، مثل بيع نوع واحد من الطبيخ، فذكر أن رسول الله دعا إليه مرة عبدًا، كان يبيع الخرديق١. و"القدَّار" هو "الجزار"٢.
والموقد، هو الموضع الذي توقد فيه النار، ويعرف بـ"ميقدة" عند العبرانيين٣. وقد كان عرب بلاد الشام والعراق يتخذون المواقد للاصطلاء بها في أيام الشتاء، كما يستعمله الطباخ موضعًا للطبخ، يضع القدور عليه ويشعل فيه النار.
وقد عاش أناس على كراء الحمير والإبل للمحتاجين إلى ذلك، ويقال لذلك: البرطسة٤، ولمكتريها للناس: المبرطس٥.
وقد احترف بعض الناس حرفة صنع الحصر والسلال والقلل والسرر. صنعوها من الخوص ومن سعف النخيل؛ لوجودها بكثرة، وصنعها بعضهم من القصب وذلك في الأماكن التي تكثر فيها المياه والرطوبة. ولا تزال هذه الحرف قائمة معروفة، وتصنع بعضها بنسج الخوص أو الألياف كما هو الحال بالنسبة إلى "الحصر": جمع حصير، المنسوج الذي يبسط في البيوت. وذكر أن الحصير: سقيفة تصنع من بردي وأسلٍ ثم تفرش٦.
ويستخدم "السفط" في حفظ الأوراق والأشياء الثمينة، ويصنع من القصب والخيزران ومن الخوض أيضا، حيث يصفُّ صفًّا.
و"القفة": نوع من السلال أيضًا. وتكون مختلفة الأحجام، وتستخدم في أغراض متعددة، ومنها نقل الطين، وتعرف عند أهل العراق بـ"قفة طين"، أو لنقل الأحجار، وتصنع من المعدن أو من الأغصان. وأشير إليها بـ"kophinoi" و""kophinos" "Cophinus في الأناجيل، من اليونانية حيث تسمى بـ"Kophinoi"
_________________
(١) ١ تاج العروس "٦/ ٣٢٧". ٢ الفاخر "ص٩٨". ٣ Hastings، Dict. Of the Bible، Vol.، I، p. ٧٢ ٤ شمس العلوم "ج١ ق١ ص١٥٥". ٥ شمس العلوم "ج١ ق١ ص١٥٥". ٦ اللسان "٤/ ١٩٥ وما بعدها".
[ ١٤ / ٢٧٣ ]
"kophinos" واللاتينية، حيث تسمى بـ""Cophinus١. ولعل بين لفظة "قفة" والتسمية اليونانية اللاتينية صلة، ومن لفظة "kophinos" أخذت لفظة "Coffen" أي: تابوت. ويلاحظ أن بين هذه اللفظة ولفظة "كفن" العربية، صلة كبيرة كذلك٢.
وذكر علماء اللغة أن القفة: الزّبيل، ويسمونها القفعة ويجعلون لها معاليق يعلقونها بها من آخرة الرحل، يلقي الراكب فيها زاده وتمره، وهي مدورة. وعرفت أنها شبه زبيل صغير من خوص يجتنى فيه الرطب وتضع فيها النساء الغزل٣. وعرف الزبيل والزنبيل بالجراب، وقيل: الوعاء يحمل فيه، والقفة٤.
وأما السلة المصنوعة من الخوص، فيقال لها: "العلاقة" في العراق في الوقت الحاضر. وتكون صغيرة ومتوسطة، أما الكبيرة فيقال لها: "الكوشر" و"الزنبيل"، ويستعملهما الحمالون في حمل الأشياء للناس.
وتستعمل السلال المصنوعة من الأعواد ومن أغصان الشجر الطرية في حفظ الأطعمة والمطبوخات؛ لدخول الهواء إليها، ولمنع الطيور والكلاب والقطط من الوصول إليها. وتكون مثل هذه السلال مرتفعة ذات قاعدة أصغر من الوجه العريض الذي يوضع على العرض.
وقد وردت في التوراة والإنجيل وفي الكتب اليونانية واللاتينية وفي الآثار المصرية أسماء سلال صنعت في ذلك العهد، تفيدنا في تكوين فكرة عن السلال عند الجاهليين. وقد صنعت بعض تلك السلال من القصب ومن التبن ومن الخوص ومن الأعواد، وهي مختلفة في الأحجام والسعة. ففي التوراة لفظة هي: "س ل" "سل"، وهي "السلة" عندنا، والجمع: "سلال"، وتصنع في بلاد العرب من الخوص أو من الأغصان الطرية، وتستعمل في نقل الخبز واللحوم والخضر والأشياء الأخرى٥.
_________________
(١) ١ Hastings، Dict، vol، I، p. ٢٥٦، Hastings، Dict. Of the Christ، vol، I، p. ١٧٤. Smith، A Dictionary of the Bible، I، p. ١٧١ ٢ The Bible dictionary، vol، I، p. ٢٨٣ ٣ اللسان "٩/ ٢٨٧". ٤ اللسان "١١/ ٣٠٠ وما بعدها". ٥ Hastings، Dict، vol، I، p. ٢٥٥، Smith، Dict، vol، I، P. ١٧١، Ency. Bibl، vol، p. ٤٩٩
[ ١٤ / ٢٧٤ ]
وهي مثل الكيس أحيانًا، يمكن ضمها بعضها إلى بعض وتكون لها يد تحمل بها. وهي في مقابل "الطبق" عند العراقيين، غير أن الطبق ثابت يصنع من أغصان بعض الأشجار مثل الرمان، حيث تكون لينة لا تنكسر. ويكون بأحجام متعددة؛ منه ما هو صغير الحجم، ومنه ما هو وسط، ومنه ما هو كبير يستعمل لنقل الخضر والفواكه من البساتين والحقول إلى مواضع البيع، ومنه ما يستعمله القصابون المتجولون لبيع اللحم.
والسرير: المضطجع والذي يجلس عليه١. وكانت أكثر الأسرة مصنوعة من الجريد؛ وذلك لتوفر الجريد في كل أنحاء جزيرة العرب، وقلة الخشب فيها.
ولبست العباءة كذلك، تلبس فوق الملابس، وقد ذكر أن رسول الله كان يلبس العباء٢.
والبيطرة من الحرف المعروفة عند الجاهليين. وقد كانوا يستعملون الأدوية والكيّ في مداواة الحيوان، كما يستعملون بعض الآلات في معالجتها، مثل "المبزغ" وهو مثل مشرط الحجام٣.
_________________
(١) ١ اللسان "٤/ ٣٦١". ٢ البيان "١/ ٢٣٦"، "٢/ ٣٠". ٣ المغرب في ترتيب المعرب، تأليف أبي الفتح ناصر بن عبد السيد بن علي المطرزي الخوارزمي، المتوفى سنة ٦١٦، "ص٣٧" طبعة حيدر آباد، تاج العروس "٣/ ٥١".
[ ١٤ / ٢٧٥ ]