والدباغة حرفة مهمة اشتهرت بها أماكن متعددة من جزيرة العرب، ولا سيما بعض القرى والمدن مثل الطائف وجرش ومواضع متعددة في اليمن وفي العربية الجنوبية. وهي صناعة تقوم على أساس إصلاح الجلد وإبعاد الصوف والشعر عنه؛ للاستفادة منه في أغراض نافعة. وقد استخدم الدباغون مواد مساعدة تعين على نتف الصوف والشعر من الجلد بسهولة، وبدون أذى له أو للجلد، مثل مادة الجير أو مواد أخرى، كما استخدموا مواد تساعد على حفظ الجلد ومنعه من التلف لدبغه، مثل العفص وغيره من مواد نباتية دابغة. وقد أنف كثير من الناس من هذه الصناعة وتجنبوها؛ لما ينشأ عنها من روائح كريهة ولاستعمال
[ ١٤ / ٢٧٥ ]
الدباغين بها موادَّ تعد نجسة في نظر بعض الأديان. كما منعوا إقامة المدابغ في الأماكن المأهولة المعمورة، وحرصوا على عزلها وحصرها في الأماكن البعيدة عن أحياء السكنى، ولا سيما سكنى الطبقات المتنفذة الغنية.
ويقوم الدباغون ببيع ما يدبغونه إلى التجار، وقد يحمل إلى أسواق بعيدة لاستخدامه في أغراض عديدة، كتحويله إلى قرب يخزن فيها الماء أو يحمل، أو أوعية تحفظ فيها الخمور والسمن والسويق والطيب، أو أحذية وسيور وغير ذلك من الحاجات، وقد يحوله الدباغون أنفسهم إلى هذه الأشياء المذكورة. كما تخصص أناس بحرف تحويل الجلود إلى مواد نافعة يستعملها الإنسان في حياته اليومية، كالمواد المتقدمة والدلاء وأمثال ذلك من أدوات.
والقرب في ذلك الوقت مهمة جدًّا في حياة الإنسان؛ فقد كانت مخازن متحركة يخزن فيها أشياء كثيرة ضرورية. فكانت أوعية لحمل الماء في الحضر وفي السفر، كما كانت الأوعية الرئيسة لحفظ الخمور والأنبذة والزيوت والدهون والشحوم والدبس والمواد الغذائية الأخرى، يحتاج إليها الأعرابي في حله وفي ترحاله والحضري في مستقره وفي سفره. كان المصريون واليونان والرومان والعبرانيون يحفظون الخمور والأنبذة في أوعية القرب، وقد أشار إلى ذلك بعض الكتبة القدماء. ويعالج إهاب القرب معالجة خاصة ليعطي الشراب نكهة طيبة، ولئلا يتأثر الشراب من رائحة الجلد١.
وذكر علماء اللغة أن "القربة": الوطب من اللبن، وقد تكون للماء، وقيل: هي المخروزة من جانب واحد٢.
وأما "الجِراب" فوعاء من إهاب الشاء لا يُوعى فيه إلا يابس٣. فهو وعاء من الجلد -إذن- خُصص لحفظ الأشياء الجافة كالدقيق وما أشبه لحفظه. كما يقال لوعاء الزاد: المزود٤.
وتدخل المصارين، وهي أمعاء الحيوانات المذبوحة، في جملة الأعمال التي
_________________
(١) ١ Smith، Dict. Of the Bible، Vol.، I، p. ٢٢٣ ٢ اللسان "٦/ ٦٦٨". ٣ اللسان "١/ ٢٦١"، تاج العروس "١/ ١١٩"، "جرب". ٤ تاج العروس "٢/ ٣٦٦".
[ ١٤ / ٢٧٦ ]
يقوم بها الدباغون، إذ يتعهدونها بالرعاية والعناية والإصلاح، فينظفونها مما بها من أوساخ ويصلحونها ويعالجونها، ثم يبيعونها إلى التجار أو يحوِّلونها إلى مواد نافعة مفيدة، مثل اتخاذها أوتارًا لآلات موسيقية أو للأقواس لرمي السهام، أي: لأغراض حربية. وكلما كانت العناية شديدة بمعالجة هذه الأمعاء، كانت الأوتار ذات قابلية كبيرة على الشد والتوتر، وبذلك يكون مجال رمي السهام بالأقواس كبيرًا، وفائدة القوس في القتال عظيمة. وقد كان القواسون، أي: الرماة بالقوس، قوة ذات أهمية في مصير حرب ما في ذلك العهد.
وتدخل الجلود في أغراض حربية كذلك؛ فقد استخدمت لحماية الجسم من ضربات السيوف ومن تساقط السهام عليه، كما استخدمت في صنع الدروع والخوذ الواقية للرأس، وفي حماية الدبابات والمنجنيقات بتغليفها بجلود ثخينة مقاومة، وتعالج بمواد خاصة تكسبها مقاومة خاصة أمام تساقط النار أو الماء الحار أو الزيوت الساخنة عليها، وقد تعمل ستائر منها يحتمي الجنود المشغلون لها تحتها من المواد المقذوفة عليهم. وهناك استعمالات أخرى للجلود أدت للجيوش خدمات كبرى في الحروب؛ فالقرب مادة ضرورية في الحرب؛ لأنها أوعية ومخازن للماء، والماء مادة ضرورية للانتصار في الحروب، والراوية وهي المزادة من ثلاثة جلود، هي مادة ضرورية في الحرب وفي غير الحرب لما تحمله من ماء١. وصنعت الدرق من الجلود، وهي الحجفة تتخذ من جلود ليس فيها خشب ولها عقب٢، ويراد بالحجفة التروس من جلود خاصة، وقيل: من جلود الإبل مقورة بلا خشب ولا عقب، وقد كانت معروفة عند الأحباش خاصة٣. ويراد بالتروس كل الأسلحة التي يتوقى المحارب بها، والتراسة صنعة التروس، وأما الصانع فهو التراس٤.
وتفرغ أناس لاحتراف أنواع خاصة من أعمال الجلود، فصرف بعضهم نفسه إلى صناعة القرب والدلاء وأدوات السقي، وتخصص قوم بعمل السروج ونحوها من الأدوات التي تستعمل في الحيوان، مثل اللجام و"الرسن"، كما تخصص آخرون
_________________
(١) ١ المغرب "ص٢٢٥". ٢ تاج العروس "٦/ ٣٤٢". ٣ المصدر المذكور "٦/ ٦٥". ٤ تاج العروس "٤/ ١١٤".
[ ١٤ / ٢٧٧ ]
بصنع الأحذية. وذكر بعض العلماء أن بعض هذه الأدوات المصنوعة مثل "الرسن"١ هي من الألفاظ المعربة، وأن "الرسن" لفظة فارسية الأصل، وقد عربت في الجاهلية. وتصنع "القباب" من الأدم خاصة٢، وقد تكون كبيرة، ولكنها ذات أحجام مختلفة.
ومن الأدوات المصنوعة من الجلد "الجلبان"، وهي شبه جراب من الأدم، يوضع فيه السيف مغمودًا، ويطرح فيه الراكب سوطه وأداته، ويعلقه بآخر الرحل وواسطته٣، والغرز وهو ركاب الرحل الذي تركب به الإبل، ويصنع من الجلد؛ فإذا كان من خشب أو حديد فهو ركاب٤، والسقاء وهو ظرف الماء إذا كان من جلد٥، ويكون في الغالب من جلد رقيق٦، والركوة دلو صغير يشرب فيه، ويصطحب في الأسفار٧، والكنانة وهي الجعبة التي يكون فيها النشاب٨، والقفَّاز ويعمل لليدين وقد يحشى بالقطن وتكون له أزرار يزر بها على الساعدين من البرد، وقد كان يستعمله النساء٩. وأما "الأرندج" و"اليرندج" فذكر الجواليقي أنها لفظة معربة، وأن أصلها "رندة"، وهي كلمة فارسية، ويراد بها الجلد الأسود المدبوغ بالعفص حتى يسود. وقد وردت لفظة "أرندج" في شعر منسوب إلى الأعشى١٠.
وتصنع الهمايين من الجلود أيضا، وقد اشتهرت همايين عجر. واللفظة من الألفاظ المعربة عن الفارسية١١، ويراد بالهميان الكيسُ تجعل فيه النفقة ويشد على الوسط.
_________________
(١) ١ المعرب "ص١٦٤". ٢ تاج العروس "١/ ٤١٩". ٣ جامع الأصول "٤/ ٣٩٧"، تاج العروس "١/ ١٨٧". ٤ جامع الأصول "٤/ ٣٧١، ٥٠٤"، تاج العروس "٤/ ٦٣". ٥ جامع الأصول "٦/ ١١٩". ٦ جامع الأصول "٦/ ١٢٥". ٧ جامع الأصول "٦/ ١١٩". ٨ جامع الأصول "٩/ ٣٢٧". ٩ جامع الأصول "٤/ ٣٦٥". ١٠ عليه ديابوذ تسربل تحته أرندج إسكافه يخالط عظلما المعرب للجواليقي "ص١٦"، تحقيق أحمد شاكر، "القاهرة ١٩٤٢"، تاج العروس "٢/ ٥٠". ١١ تاج العروس "١/ ٣٦٨".
[ ١٤ / ٢٧٨ ]
وتحلى الجاهليون بحلي مصنوعة من الجلد أيضا. ومن هذه الحلي الجمانة، وهي سفينة من أدم ينسج، وفيها خرز من كل لون، تتوشحه المرأة١.
ويصنع الخوان من الجلد في بعض الأحيان، ويراد به ما يؤكل عليه الطعام، وهو من الألفاظ المعربة٢. وأما الصُّفن، فخريطة الراعي، يكون فيها طعامه وزاده وما يحتاج إليه، وقيل: هو مثل الركوة٣.
و"العياب": هي أوعية من الأدم، ويقال للواحد منها: "عيبة"، يوضع فيها المتاع والثياب، وتطلق أيضًا على الزبيل الذي ينقل فيه الزرع المحصود إلى الجرين٤. و"الشن": الوعاء المعمول من أدم، فإذا يبس فهو شن، وفي المثل: "وافق شن طبقه"؛ يضرب لكل اثنين أو أمرين جمعتهما حالة واحدة اتصف بها كل منهما، وهناك قصص عن أصل هذا المثل٥.
واستعمل النصارى واليهود "الزنار"، يشدونه في وسطهم على القميص أو الثوب أو المسوح الذي يلبسونه، ويتدلى أحد طرفيه إلى قريب من القدمين. ويصنع من الجلد أو الحرير أو القطن أو الوبر أو شعر الماعز، وقد يشد على الوسط عدة مرات. وقد يوضع فيه محل لحفظ منديل فيه، أو محبرة وحبر إذا كان صاحبه من الرهبان أو الكتاب، وقد يوضع خنجر أو سلاح حاد فيه، وهو يشبه في فائدته الحزام في الوقت الحاضر. وإذا اشتغل الفلاح أو الأعرابي أو غيرهما بعمل ما رفع الطرف الأسفل من قميصه إلى الزنار أو الحزام؛ ليسهل عليه العمل، وقد يضع في عُبّه أي: القسم الواقع فوق الزناد من جهة الصدر أشياء عديدة يحملها معه مثل خبزه وطعامه أو نقوده أو أشياء أخرى يحتاج إليها في ترحاله٦.
وقد كان الجاهليون يستفيدون من جلود السمك أيضًا، يصنعون منها أشياء متعددة. فالسفن مثلًا وهو جلد الأطوم، وهي سمكة في البحر ذات جلد خشن
_________________
(١) ١ تاج العروس "٩/ ١٦٣". ٢ تاج العروس "٩/ ١٩٤". ٣ المغرب "ص٣٠٤". ٤ البرقوقي "ص٥٨". ٥ اللسان "١٠/ ٢١٤". ٦ Hastings، Dict.، of the christ، vol.، I، p. ٤٩٨
[ ١٤ / ٢٧٩ ]
يستخرج منه السياط والسهام، ويكون على قوائم السيوف١.
واستخدم الجاهليون كذلك فراء مختلف الحيوانات في الأيام الباردة، ومن أنواع الفراء نوع يدعى "سبنجونة"، وهي من جلود الثعالب، وهي من الألفاظ المعربة٢، ونوع آخر يدعى "الفنك"، وقد ذكر بعض علماء اللغة أن الفنك دابة يفترى جلدها، وذكر أيضًا أن الفنك جلد يلبس٣.
ومن أنواع الفراء "المساتق" وواحدتها: "المُستُقة". وقد ورد ذكرها في كتب الحديث، حيث قيل: إن الرسول كان يلبس "مستقة"، كما ذكر أن عمر كان يصلي وعليه "مستقة". وذكر الجواليقي أنها لفظة معربة عن الفارسية، وأنها "مشتة" بالفارسية، وقيل: إنها فراء طوال الأكمام٤، وذكر أنها جبة واسعة٥.
ويقوم صانع الأحذية بصنع الأحذية، مثل النعال والخف و"القفش" أو "الكفش" ويراد به الخف أو الخف القصير، واللفظة من الألفاظ المعربة عن الفارسية٦. ومن أنواع النعال، النعال السبتية التي لا شعر لها، وتصنع من جلود البقر المدبوغة بالقرظ٧، و"السبت": كل جلد مدبوغ أو المدبوغ بالقرظ، ومنه تصنع النعال السبتية٨.
ويقال للخف: "الموزج" أيضًا، وقد ذكر الاسم في كتب الحديث، وكذلك "الموق". وذكر أن "الموق: الخف الغليظ يلبس فوق الخف"، وقد ذكر الجواليقي أن أصل الموزج فارسي هو "موزة" "موزجان" وأدخل الموق أيضا في باب المعربات٩، والجمع: "أمواق". ويظهر من بيت شعر لـ"النمر بن
_________________
(١) ١ المعرب "ص٢٥٥"، تاج العروس "٨/ ١٨٧". ٢ المعرب "ص١٨٨". ٣ المعرب "ص٢٤٨"، تاج العروس "٧/ ١٧٠". ٤ المعرب "ص٣٠٨". ٥ تاج العروس "٩/ ٧٠". ٦ المعرب "ص٢٦٨". ٧ جامع الأصول "٤/ ٣٩٨". ٨ قال عنترة: بطل كأن ثيابه في سرحة يحذى نعال السبت ليس بتوءم تاج العروس "١/ ٥٤٨". ٩ المعرب "ص٣١١".
[ ١٤ / ٢٨٠ ]
ثولب"، أن العباديين وهم نصارى الحيرة، كانوا يمشون بالأسواق١. وهناك نوع آخر من أنواع الخفاف، يقال لها "القسوبية" و"القساب"٢، و"النعل" هو لباس الرجل المستعمل عند الجاهليين وعند الساميين، وهو "نعلِم" أي "نعل" في العبرانية. ولا يزال النعل مستعملًا حتى اليوم؛ يستعمل في البيت وفي خارجه، وهو يحمي باطن القدمين من حر الأرض في الصيف ومن الحجارة والمواد المؤذية التي تكون على وجه الأرض، وقد يستعمل نعلًا من خشب، يستعمله أهل القرى وأهل المدن في البيوت. والعرب تمدح برقة النعال وتجعلها من لباس الملوك، وتقدم النعال على سائر أنواع الأحذية٣.
ومن أنواع النعال: "النعال السبتية"، وهي المصنوعة من الجلد المدبوغ بالقرظ، وخص بعضهم جلود البقر مدبوغة كانت أم غير مدبوغة. وقيل: نعال سبتية: لا شعر عليها، وذكر أنها نعال أهل النعمة والسعة٤.
وعرفت "حضرموت" بنعالها، فقيل: "نعل حضرمي" و"الحضرمي". وعرفت بأنها النعال المخصرة التي تضيق من جانبيها، كأنها ناقصة الخصرين٥.
وقد تفنن في تزيين وزخرفة الجلود، فذهَّبوها ورسموا عليها صورًا، وضغطوا عليها بآلات لإبراز بعض الصور عليها. ومن الجلود المذهبة: "المذاهب"، وهي جلود كانت تُذهَّب، تجعل فيها خطوط مذهبة، فيرى بعضها في أثر بعض، فكأنها متتابعة. وقيل: سيور تُموَّه بالذهب٦.
والجلود التي يستعملها الإسكافي هي: جلود البقر والجمال والغنم والماعز، وقد تستعمل جلود الثعابين والسمك إذا كانت كبيرة سميكة، وذلك بعد إصلاحها ودبغها.
ويستعمل الإسكافي والنحَّات الإزميل، وقد ذكر علماء اللغة أن الإزميل حديدة تجعل في طرف رمح الصيد لصيد البقر: بقر الوحش، والمطرقة٧، وهي من الألفاظ المعربة، وأصلها "زميلي" "Zmili" في اليونانية٨.
_________________
(١) ١ فترى النعاج به تمشي خلفة مشي العباديين في الأسواق المعرب، للجواليقي "ص٣١١". ٢ البرقوقي "ص١٤٦". ٣ اللسان "١١/ ٦٦٧". ٤ اللسان "٢/ ٣٦ وما بعدها"، الروض الأنف "١/ ٧١". ٥ اللسان "٤/ ٢٠٢"، الروض الأنف "١/ ٧١". ٦ اللسان "١/ ٣٩٥". ٧ تاج العروس "٧/ ٣٦٠". ٨ غرئب اللغة "ص٢٥٢".
[ ١٤ / ٢٨١ ]