ويرجع أهل الأخبار مبدأ إدخال النسيء إلى الجاهليين إلى "عمرو بن لحي" أو إلى "القلمس"، وهو "حذيفة بن فقيم بن عامر بن الحارث"، أو "حذيفة بن عبد بن فقيم"١، أو "نعيم بن ثعلبة"٢، أو "قلع بن حذيفة بن عبد بن فقيم"، أو آخرون٣. وذلك أن العرب كانوا لا يكبسون، إلى أن جاورتهم اليهود في يثرب، فأرادوا "أن يكون حجهم في أخصب وقت من السنة وأسهلها للتردد في التجارة، ولا يزول عن مكانه، فتعلموا الكبس من اليهود"٤. فصار النسيء عادة من عادات العرب منذ ذلك الحين إلى منعه في الإسلام.
وكانت النَّسَأة في بني مالك بن كنانة، وكان أولهم القلمس حذيفة بن عبد بن فُقيم بن عديّ بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، ثم ابنه قلع بن حذيفة، ثم عباد بن قلع، ثم "قلع بن عبّاد قلع" ثم أمية بن قلع
_________________
(١) ١ بلوغ الأرب "٣/ ٧١"، نهاية الأرب "١/ ١٦٥"، "حذيفة بن عبد بن نهم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة"، المحبر "١٥٧"، تاج العروس "٤/ ٢٢٢"، تفسير الطبرسي "٥/ ٢٩"، "طبعة طهران". ٢ الروض الأنف "١/ ٤١"، تفسير الطبرسي "٥/ ٢٩"، "طهران"، تفسير الخازن "٢/ ٢٢١"، تفسير القاسمي "٨/ ٣١٤٣"، البحر المحيط "٥/ ٣٩". ٣ تاج العروس "١/ ٤٥٦ وما بعدها"، "الكويت". ٤ بلوغ الأرب "٣/ ٧١".
[ ١٦ / ١٣١ ]
ثم عوف بن أمية، ثم جنادة بن أمية بن عوف بن قلع١. وذكر أن أول من نسيء قلع، نسأ سبع سنين، ونسأ أمية إحدى عشرة سنة٢. وذكر عن "ابن إسحاق" أن أول من نسأ عند العرب "القلمس"، وهو "حذيفة بن عبد فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة"، ثم قام بعده على ذلك ابنه "عباد"، ثم من بعد عباد ابنه "قلع بن عباد"، ثم ابنه "أمية ابن قلع"، ثم ابنه "عوف بن أمية" ثم ابنه "أبو ثمامة" "جنادة بن عوف"، وكان آخرهم وعليه قام الإسلام٣. وذكر "القرطبي" عن "ابن الكلبي" أن "أول من فعل ذلك رجل من بني كنانة، يقال له: نعيم بن ثعلبة، ثم كان بعده رجل يقال له: جنادة بن عوف، وهو الذي أدركه رسول الله، ﷺ. وقال الزهري: حيّ من بني كنانة ثم من بني فُقيم منهم رجل يقال له: القلمس، واسمه حذيفة بن عبيد. وفي رواية مالك بن كنانة. وكان الذي يلي النسيء يظفر بالرياسة لتريس العرب إياه. وفي ذلك يقول شاعرهم:
ومنا ناسئ الشهر القلمس
وقال الكميت:
ألسنا الناسئين على معد شهور الحل نجعلها حراما٤
وذكر "اليعقوبي"، أن أول من نسأ الشهور: "سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة". وهو والد "هند" التي تزوجها "مرة بن كعب"، فولدت له "كلابًا" وشرف "كلاب بن مرة" وجلّ قدره واجتمع له شرف الأب، وهو "كعب بن لؤي"، الذي كان أول من سمى يوم الجمعة بالجمعة، وكانت العرب تسميه "عروبة"، وشرف الجد من قبل الأم، لأنهم كانوا
_________________
(١) ١ تاج العروس "١/ ٤٥٧" "١/ ١٢٥"، "نسأ"، مروج الذهب "١/ ٣٦٧ وما بعدها"، بلوغ الأرب "٣/ ٧٢"، نهاية الأرب "١/ ١٦٦"، "حذيفة بن عبد بن نهم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة"، المحبر "١٥٧". ٢ تاج العروس "١/ ٤٥٦"، تفسير الطبرسي "٥/ ٢٩ وما بعدها"، تفسير سورة التوبة، الآية٣٦ وما بعدها، تاج العروس "١/ ١٢٤"، "نسأ". ٣ تفسير ابن كثير "٢/ ٣٥٧". ٤ تفسير القرطبي "٨/ ١٣٨"
[ ١٦ / ١٣٢ ]
يجيزون الحج ويحرمون الشهور ويحللونها، فكانوا يسمون النسأة والقلامس١
وذكر "الزبيري"، أن "سريرًا" أول من نسأ الشهور، وقد انقرض سرير، ونسأ الشهور بعده ابن أخيه القلمس، واسمه عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن كنانة. ثم صار النسيء في ولده. وكان آخرهم جنادة بن عوف٢، وهو "أبو ثمامة". وورد في رواية أخرى، أن آخرهم هو "فقيم بن ثعلبة"، أو هو غيره. وقد ذكروا أن "أبا ثمامة"، وهو "جنادة بن أمية" من بني "المطلب بن حدثان بن مالك بن كنانة"، من نسأة الشهور على معد، كان يقف عند "جمرة العقبة، ويقول: اللهم إني ناسئ الشهور وواضعها مواضعها ولا أعاب ولا "أحاب" أجاب: اللهم إني قد أحللت أحد الصفرين وحرمت صفر المؤخر، وكذلك في الرجبين، يعني: رجبًا وشعبان. ثم يقول: انفروا على اسم الله تعالى. وفيه يقول قائلهم:
ألسنا الناسئين على معد شهور الحل نجعلها حراما٣
وذكر أن أول من نسأ بعد "القلمين" القلسين: "حذيفة بن عبد نعيم بن عدي"، و"زيد بن عامر بن ثعلبة" "وهو القلمين بن عامر بن ثعلبة" "عياد بن حذيفة"، ثم "قلع بن عياد"، ثم "أمية بن قلع"، ثم "عوف بن أمية"، ثم "جنادة" فأدركه الإسلام٤.
وذكر "الطبري"، "أن جنادة بن عوف بن أمية الكناني، كان يوافي الموسم كل عام، وكان يكنى أبا ثمامة، فينادي: ألا إن أبا ثمامة لا يجاب ولا يعاب، ألا وإن صفر العام الأول حلال، فيحله الناس، فيحرم صفر عامًا ويحرم المحرم عامًا"٥. ودعاه بـ"أبي ثمامة صفوان بن أمية"، أحد "بني فقيم
_________________
(١) ١ اليعقوبي "١/ ٢٠٧"، "طبعة النجف". ٢ نسب قريش "ص١٣". ٣ تاج العروس "٤/ ٢٢٢"، "القلمس"، تاج العروس "١/ ١٢٥"، "نسا"، ينسب هذا البيت إلى "عمير بن قيس بن جذل الطعان"، اللسان "١/ ١٦٧"، "صادر"، نهاية الأرب "١/ ١٦٦". ٤ الإصابة "١/ ٢٤٨"، "رقم ١٢٠٧". ٥ تفسير الطبري "١٠/ ٩١".
[ ١٦ / ١٣٣ ]
ابن الحارث، ثم أد بني كنانة"١. وذكر أنه "كان رجل من بني كنانة، يأتي كل عام في الموسم على حمار له، فيقول: أيها الناس، إني لا أعاب ولا أحاب، ولا مردّ لما أقول. إنا قد حرمنا المحرم، وأخرنا صفر. ثم يجييء العام المقبل بعده، فيقول مثل مقالته. ويقول: إنا قد حرمنا صفر وأخرنا المحرم فهو قوله: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّه﴾ ٢. وكان هذا الرجل يقال له: القلمس٣.
وكان آخر النسأة، "جنادة بن عوف بن أمية بن قلع بن عيّاد "عباد" بن حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدي بن زيد بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة"، أبو "ثمامة"٤ "أبو أمامة" الكناني. نسأ الشهو أربعين سنة، وأدرك الإسلام. وكان أبعد النسأة ذكرًا، وأطولهم أمدًا. وذكر أن اسمه "أمية بن عوف بن جنادة بن عوف بن عياد بن قلع بن فقيم بن عدي بن عامر بن الحارث بن ثعلبة"٥، وذكر أيضًا أنه "القلمس بن أمية بن عوف بن قلع بن حذيفة بن عبد بن فقيم"٦.
ووردت في خبر ينسب إلى "ابن عباس"، أنه قال: النسأة في كندة٧.
وأنهم كانوا النسأة الأول، قبل المذكورين٨. وذهب "الجاحظ" إلى أن النسيء كان في كنانة، وأما السدانة، فكانت في "مر بن أُدّ" "من رهط صوفة والرُّبيط منها أصحاب المزدلفة، وكانت عدوان وأبو سيارة عميلة بن أعزل، تدفع الناس"٩ ويكاد يكون الإجماع على أن النسيء كان من حق "كنانة"، لم يتولَّه غيرهم.
وذكر أن الناسئ، كان يحل للمحرمين قتال "خثع" و"طيء"، "لأنهم كانوا لا يحرمون الأشهر الحرم، فيغيرون فيها ويقاتلون. فكان من نسأ الشهور
_________________
(١) ١ تفسير الطبري "١٠/ ٩٢". ٢ تفسير الطبري "١٠/ ٩٢". ٣ تفسير الطبري "١٠/ ٩٣"، تفسير ابن كثير "٢/ ٣٥٦ وما بعدها". ٤ تاج العروس "١/ ١٢٤"، "نسأ"، "١/ ٤٥٦"، "طبعة الكويت"، نهاية الأرب "١/ ١٦٦"، الروض الأنف "١/ ٤٢". ٥ الإصابة "١/ ٢٤٨"، "رقم ١٢٠٧". ٦ نهاية الأرب "١/ ١٦٦"، تاج العروس "١/ ١٢٤"، "نسأ". ٧ اللسان "١/ ١٦٧"، "صادر". ٨ الأزرقي "١/ ١١٨". ٩ الحيوان "٧/ ٢١٥".
[ ١٦ / ١٣٤ ]
من الناسئين يقوم، فيقول: إني لا أحاب ولا أعاب، ولا يرد ما قضيت به، وإني قد أحللت دماء المحللين من طيء وخثعم، فاقتلوهم حيث وجدتموهم إذا عرضوا لكم"١.
ويذكر أهل الأخبار أن أولئك الناسئين كانوا نابهين في قومهم، لهم مركز عظيم وشأن. فكان "القلمس"، مثلًا ملكًا في قومه، وهو من بني كنانة٢، وكان عالم قومه وفقيههم في الدين، وكان الذي يلي النسيء يظفر بالرياسة لتريس العرب إياه٣. ويظهر أنهم كانوا أصحاب علم ونظر ومكانة محترمة، في أمور الدين، في قومهم وفي القبائل التي تحج إلى مكة.
وكلمة "قَلَمّس" على ما يتبين من روايات الأخباريين، لم تكن اسم علم، وإنما هي لفظة يراد بها عند الجاهليين ما يراد من معنى الفقيه والمفتي في الإسلام٤.
وقد ذكر علماء اللغة أن من معاني القلمس: السيد العظيم، والرجل الخيّر المعطاء والمفكر البعيد الغور، والداهية من الرجال، ونحو ذلك من معان تشير إلى صفات عالية في الرجل الذي أطلقت عليه، وقد تكون بمعنى العالم العارف، وقد أطلقت بصورة خاصة على هذه الجماعة، لسعة علمها بهذا الموضوع وغيره، ولوقوفها على التوقيت وعلى الفلك في تلك الأيام٥. وقد تكون لفظة من جملة الألفاظ المعربة التي دخلت العربية قبل الإسلام.
وطريقة الناسئ في إعلانه النسيء على الناس في الحج، أن يقوم رجل من كنانة فيقول: أنا الذي لا يردّ لي قضاء، فيقولون: أنسئنا شهرًا، أي: أخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر فيحل لهم المحرم"٦. وهذا الرجل هو الناسئ، أو أن يدعو الناسئ الناس في آخر موسم الحج إلى الاجتماع حوله، فإذا اجتمعوا ارتقى موضعًا مرتفعًا ظاهرًا، أو قام على ظهر جمله ليراه الناس ثم يقول بأعلى
_________________
(١) ١ تاج العروس "١/ ١٢٥"، "نسأ". ٢ المعاني الكبير "٣/ ١١٧١"، المحبر "١٥٦ ومابعدها"، بلوغ الأرب "٣/ ٧٢". ٣ تفسير القرطبي "٨/ ١٣٨". ٤ المحبر "ص١٥٦"، تاج العروس "٤/ ٢٢٢"، "القلمس"، تفسير الطبري "١٠/ ٩٣". ٥ راجع معنى "القلمس" في اللسان "٦/ ١٨٢". ٦ تاج العروس "١/ ٤٥٦" "الكويت".
[ ١٦ / ١٣٥ ]
صوته: "اللهم إني لا أعاب ولا أحاب، ولا مرد لما قضيت. اللهم، إني أحللت شهر كذا "ويذكر شهرًا من الأشهر الحرم، وقع اتفاقهم على شن الغارة فيه"، وأنسأته إلى العام القابل، أي: أخرت تحريمه، وحرمت مكانه شهر كذا من الأشهر البواقي، فكانوا يحلون ما أحل ويحرمون ما حرم" فإذا انتهى من هذا الخطاب وأمثاله، أباحوا لأنفسهم الغارة في ذلك الشهر، وغزوا من نووا غزوه. فإذا جاء العام القابل، نهض الناسئ ليقول: إن آلهتكم قد حرمت عليكم الشهر الفلاني، وهو الشهر الذي أحله في العام الماضي فحرموه، فيحرمونه١.
وورد في بعض الروايات، أنه كان يقوم فيقول: "إني لا أحاب ولا أعاب ولا يرد ما قضيت به، وإني قد أحللت دماء المحللين من طيء وخثعم، فاقتلوهم حيث وجدتموهم إذا عرضوا لكم". وذلك لما ذكر من عدم تحريم طيء وخثعم للشهور الحرم، فكانوا يغيرون ويقاتلون فيها، ولذلك استثناهم القلامسة من عدم مقاتلتهم في تلك الشهور، وذلك لضرورات الدفاع عن النفس٢.
وقد نسب إلى بعض القلامسة شعر، قيل: إنهم قالوه يفتخرون فيه باحتكارهم النسيء، وبإرشادهم الناس إلى مناسك دينهم، وقيادتهم الحجاج، يسيرون تحت لوائهم، يبينون لهم شهور الحل والشهر الحرم، كما ورد شعر منسوب إلى بعض كنانة يفتخر فيه بأن قومه ينسئون الشهور على معد، فيجعلون شهور الحل حراما والشهور الحرام حلالًا٣.
وقد قال "عمير بن قيس بن جذل الطعان"، شعرًا افتخر فيه وتعرض لأمر النسيء، فكان مما جاء فيه قوله:
ألسنا الناسئين على معدّ شهور الحل نجعلها حراما٤
_________________
(١) ١ المعاني الكبير "٣/ ١١٧١"، بلوغ الأرب "٣/ ٧٣"، نهاية الأرب "١/ ١٦٦"، "أنا الذي لا أعاب ولا أخاب؟ ولا يرد لي قضاء فيقولون: نعم، صدقت أنسئتنا شهرًا، أو أخر عنا حرمة المحرم، واجعلها في صفر وأحل المحرم، فيفعل ذلك"، تفسير الطبرسي "٥/ ٢٩"، "طهران". ٢ تاج العروس "١/ ٤٥٧"، "الكويت"، مادة: "نسأ". ٣ تاج العروس "١/ ٤٥٧". ٤ اللسان "١/ ١٦٧"، ونسبه "الطبرسي" إلى الكميت، تفسير الطبرسي "٥/ ٢٩"، "طهران"، تفسير ابن كثير "٢/ ٣٥٦"، سنن ابن ماجة "٥/ ١٨٠"، السنن الكبرى "٥/ ١٦٥".
[ ١٦ / ١٣٦ ]
وقال بعض بني أسد:
لهم ناسئ يمشون تحت لوائه يحل إذا شاء الشهورَ ويُحْرِمُ١
وقال آخر:
نسوء الشهور بها وكانوا أهلها من قبلكم والعز لم يتحول٢
وقد نسب "القرطبي" البيت:
ألسنا الناسئين على معد شهور الحلّ نجعلها حراما
إلى الكميت٣
وقد استمرت طريقة النسيء هذه إلى أيام الإسلام، فحج أبو بكر في السنة التاسعة من الهجرة، فوافق حجه ذا القعدة، ثم حج رسول الله في العام القابل الموافق للسنة العاشرة للهجرة، المصادفة لسنة "٦٣١" للميلاد، فوافق عود الحج في ذي الحجة. ثم نزل الحكم بإبطال النسيء في الآيات: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ، إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ٤. وخطب الرسول في جموع الحجاج خطبته الشهيرة التي بين فيها مناسك الحج وسننه وأمورا أخرى أوضحها لهم، فكان مما قاله لهم: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض،
_________________
(١) ١ تاج العروس "١/ ٤٥٧"، "الكويت". ٢ تفسير بحر المحيط "٥/ ٣٩". ٣ تفسير القرطبي "٨/ ١٣٨". ٤ سورة التوبة: الآية ٣٦ وما بعدها، راجع تفسير الطبري "١٠/ ٩١ وما بعدها"، تفسير الرازي "٤/ ٤٤٦ وما بعدها"، تفسير الطبرسي "٣/ ٢٣ وما بعدها"، الكشاف "٢/ ١٥٠ وما بعدها".
[ ١٦ / ١٣٧ ]
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ ١. فألغى الإسلام منذ ذلك الحين النسيء، وثبت شهور السنة وجعل التقويم القمري هو التقويم الرسمي للمسلمين.
وروي كلام الرسول عنه على هذه الصورة: "أيها الناس، ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ . وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض. وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم. ثلاثة متوالية، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان"٢.
فألغى الإسلام منذ ذلك الحين النسيء، وجعل التقويم القمري الخاص هو التقويم الرسمي للمسلمين.
ويظهر من القرآن الكريم أن سبب تحريم النسيء في الإسلام هو تلاعب القلامسة بالشهور، بتحريمهم شهرًا حلالًا في عام، ثم تحليلهم له في العام القابل. فأزال الإسلام ذلك التلاعب بتحريم النسيء، واتخاذ السنة سنة قمرية ذات اثني عشر شهرًا لا غير. كما صيرها الجاهليون ثلاثة عشر أو أربعة عشر شهرًا٣. ولما كان الزرع يعتمد على المواسم الطبيعية، وعلى الشهور الشمسية، لذلك صار اعتماد المزارعين في الزرع وفي الحصاد على الشهور الشمسية، أي على السنة الشمسية. أما الأمور الدينية، مثل الحج والصيام، فالاعتماد بالطبع على الشهور القمرية٤.
واتخاذ التقويم القمري تقويمًا رسميًّا للإسلام، هو من السمات التي امتاز بها الإسلام عن الجاهلية، واعتبر من التقاط الفاصلة التي فصلت بين الجاهلية والإسلام.
وهكذا زال الكبس كما زال النسيء عن السنة القمرية وعن الشهور لتحويلها إلى سنة شمسية على نحو ما رأينا من فعل الجاهليين.
ويرى بعض المستشرقين أن النسيء والناسئ من الألفاظ المعربة عن العبرانية.
_________________
(١) ١ ابن الأثير "٢/ ١٢٦"، الواقدي "٤٣١" "طبعة ولهوزن"، ابن كثير "٢/ ٣٥٣ وما بعدها"، وقد رويت خطبة الرسول بصورة مختلفة، اختلافًا يدل على أن الرواة لم يكونوا قد دونوا النص، وإنما رووا عن ذاكرة وحفظ، فاختلفوا من ثم في رواية النص. ٢ ابن هشام "١/ ٣٥١"، "حاشية على الروض الأنف". ٣ بلوغ الأرب "٣/ ٧١"، روح المعاني "١٠/ ٩٣ وما بعدها". ٤ Caetani، I، ٣٥٦، Bubi، Muhammed، S. ٣٥٠، H. Winckler، in Arabisch Semitisch Orientallsh، ٨٥. ff، Berlin، ١٩٠١.
[ ١٦ / ١٣٨ ]
وقد دخلت إلى العربية بتأثير يهود يثرب. والناسئ عن اليهود هو الرئيس الديني.
وكان يقوم عندهم بتقديم وتأخير الشهور، ويعين مواعيد الأعياد والصيام، ويذيع النتيجة بواسطة وفود إلى الطوائف اليهودية المختلفة١. والناسئ يقابل رئيس قبيلة عند بني إسرائيل٢، وهذا التعريف ينطبق تمامًا مع ما ذكره أهل الأخبار عن "الناسئ" عند الجاهليين.
وقد بحث عدد المستشرقين في حساب السنين عند الجاهليين وفي النسيء، فجاءوا بآراء متباعدة غير متفقة، لكل واحد منهم رأي ومذهب في طريقة العرب قبل الإسلام في حساب الشهور وفي السنين القمرية والشمسية والكبس والنسيء.
وقد ناقشها ولخصها "نالينو" في كتابه: "علم الفلك تأريخه عند العرب في القرون الوسطى". وهو ممن يرون أن البحث في هذا الموضوع صعب عسير، وأن البت فيه غير ممكن في الزمن الحاضر، لقلة الموارد وعدم وجود أخبار وروايات واضحة صريحة يمكن أن يستند إليها في إبداء رأي علمي ناضج في الموضوع٣.
والذي أراه أن أهل الحجاز كانوا يتبعون التقويم الشمسي مع مراعاة الإهلال، أي: تقويمًا شمسيًّا قمريًّا، بدليل أن لأسماء الأشهر علاقة بالجو من برد وحر، وربيع وخريف. فقد ذكر علماء اللغة أن الربيع أنا سمي ربيعًا، لارتباعهم فيه والارتباع الإقامة في عمارة الربع، وأن "جمادى" سمي بذلك لجمود الماء فيه، أي: أنهما من أشهر الشتاء. قال الشاعر:
وليلة من جمادى ذات أندية لا يبصر العبد في ظلمائها الطنبا
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة حتى يلف على خرطومه الذنبا٤
وأن رمضان من شدة الرمضاء، وهو الحر. ولا يعقل أن تكون هذه التسميات قد جاءت عفوًا ومن غير ارتباط بحالة من حالات الطبيعة. وقد انتبه المتقدمون
_________________
(١) ١ ولفنسون: تأريخ اليهود في بلاد العرب "ص٨١". ٢ الخروج، الإصحاح ٣٤، الآية٣١، العدد، الإصحاح٧، الآية٣٢، تأريخ اليهود في بلاد العرب "ص٨١". ٣ "ص٩٤ وما بعدها". ٤ تفسير ابن كثير "٢/ ٣٥٤".
[ ١٦ / ١٣٩ ]
إليها، فقال بعضهم: "وكانت الشهور في حسابهم لا تدور"، ولكن بعضهم لم يقبل بذلك إذ قال: "وفي هذا نظر، إذ كانت شهورهم بالأهلة، فلا بد من دورانها"، وقال في تفسير اسم جمادى: "فلعلهم سموه أول ما سمي عند جمود الماء في البرد"١.
والذي أراه أن تلك الأشهر كانت ثابتة لا تدور، بمعنى أنها كانت ثابتة في مواسمها، يسيرون بموجبها في زراعتهم وفي أسفارهم، ولكنهم كانوا يسيرون على الإهلال، أي: الشهور القمرية في أمورهم الإعتيادية وفي الأعمال المالية، مثل الديون، حيث يسهل تثبيت المدة بعدد الأهلة، ومن هنا اختلط الأمر على أهل الديون، حيث يسهل تثبيت المدة بعدد الأهلة، ومن هنا اختلط الأمر على أهل الأخبار فخلطوا بين التقويمين، بسبب عدم وضوح الروايات. وكان شأنهم في ذلك شأن العرب الشماليين الذين كانوا يحجون في وقت واحد ثابت، هو في شهر "ذي الحجة"، الذي تحدثت عنه في مكان آخر، وشأن العرب الجنوبيين الذين كانوا يحجون في شهر "ذي الحجة" الذي كان وقته ثابتًا أيضًا، فلا يكون في صيف، ثم يكون في ربيع أو في خريف أو في شتاء، ولا يعقل خروجهم على هذا الإجماع الذي نراه عند العرب الشماليين، أي: عرب بلاد العراق وعرب بلاد الشأم، وينفردون وحدهم باتخاذ تقويم قمري بحت.
ما ذكرناه عن النسيء وعن الكبس يخص عرب الحجاز، وأهل مكة بصورة خاصة، ولا يتناول العرب الجنوبيين. ولا عرب بقية أنحاء جزيرة العرب، لعدم وجود أخبار لدينا عنهما تتناول المواضع الأخرى، لا في النصوص الجاهلية ولا في أخبار أهل الأخبار. ولكن الذي يظهر من النصوص العربية الجنوبية المتعلقة بالزراعة ومن أسماء الشهور، أنها كانت شهورًا ثابتة، أي: شهورًا شمسية لا قمرية، وأن السنة التي كانوا يسيرون عليها سنة شمسية، غير أن هذا لا يمنع مع ذلك من سيرهم على مبدأ الإهلال في حياتهم الاعتيادية، أي: على الشهور القمرية، بحيث تكون الرؤية مبدءًا للشهور. وذلك لوضوح الأهلة وإمكان رؤيتها بسهولة وتثبيت الأوقات بموجبها، بمعنى أنهم كانوا يسيرون على التقويمين: التقويم الشمسي في الزراعة وفي دفع الغلات، والتقويم القمري في الأمور الاعتيادية.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير "٢/ ٣٥٤".
[ ١٦ / ١٤٠ ]
ولا نستطيع أن نتحدث عن كيفية احتساب العرب الجنوبيين للسنة الشمسية، ولا عن الكبس عندهم، لعدم ورود شيء عنهما في النصوص.
ويظن أن سنة العرب الجنوبيين كانت من "٣٦٠" يومًا، مقسمة إلى اثني عشر قسمًا، أي: شهرًا، نصيب كل شهر منها "٣٠" يومًا. وحيث أن هذا المقدار من الأيام، وهو "٣٦٠" يومًا هو دون الأيام التي تمضيها الأرض في دورانها الحقيقي حول الشمس، لذلك كانوا يعوضون عن الفرق إما بإضافة الأيام اللازمة على أيام السنة لتكبسها فتجعلها مساوية للسنة الطبيعية، وذلك في كل سنة، وإما بإضافة شهر كبيسة مرة واحدة في نهاية كل ست سنوات١.
ويظن "بيستن"، أن القتبانيين قد أخذوا بالطريقة الثانية: طريقة إضافة شهر زائد كامل على التقويم في كل ست سنوات، لتتعادل السنة بذلك مع السنة الطبيعية، وأن ذلك الشهر المضاف هو الشهر المسمى بـ"ذ برم اخرن"، أي بـ"ذي برم الآخر"، أو "ذي برم الثاني"، عند القتبانيين وبشهر "ذنسور اخرن"، أي: "ذي نسور الآخر"، أو "ذي نسور الثاني" عند السبئيين.
ووردت في إحدى الكتابات جملة "بين خرفهن"، أي: بين السنتين. وقد رأى "ونكلر"، أنها تعني الأيام التي تضاف إلى نهاية السنة لكبسها حتى تكون سنة طبيعية كاملة. أي: سنة شمسية، ولذلك عبر عنها بـ"بين السنتين"، أي: الإضافة التي توضع فيما بين السنتين. السنة المتقدمة والسنة التالية لها٢. وذهب "كريمه" إلى أنها تعني شهرًا، هوالشهر الذي يضاف على التقويم لكبس السنين، ويرى "بيستن"، أن هذا الرأي يصعب قبوله، لأنه لو كانت شهرًا كاملًا، لسموه باسم معين، أو لرمزوا إليه برمز يميزه عن شهور السنة الأخرى، كأن يقولوا له: "اخرن"، أي: الآخر، أو الثاني٣.
أما اليهود، يهود جزيرة العرب، فقد كانوا يسلكون طريقتهم الخاصة في
_________________
(١) ١ Beeston، p. ١٨. ٢ Winckler، Altorientaliscne Forschungen، II، ١٩٠٠، S. ٣٥١. ٣ Beeston، p. ٤٣.
[ ١٦ / ١٤١ ]
التوقيت، ويسلكون منهجهم في تعيين الشهور، كما يتأيد ذلك من الأخبار التي نجدها عنهم في كتب الأخباريين.
وأما النصارى العرب، فقد كانوا يتبعون التقاويم الشرقية، ويسيرون على الشهور السريانية المعروفة، وعلى وفق شعائر الكنيسة، ويحتفلون بأعيادهم على وفق ما ثبت عندهم في كنيستهم. وقد أشير إليها في بعض الشعر الجاهلي وفي كتب الأخباريين.
[ ١٦ / ١٤٢ ]