الفصل الأربعون بعد المئة: اللسان العربي
والآن فلسان من، هو هذا اللسان العربي، لقد علمنا أنه لم يكن لسان العرب الجنوبيين، ولا لسان قوم ثمود أو اللحيانيين، أو الصفويين؛ لأن نصوصهم تثبت أنه قد كان لهم لسان آخر، يختلف عن هذا اللسان. وذكرنا أنه ليس بلسان قريش، وإنما قريش كغيرهم عرب من العرب، فهل هو لسان العدنانيين؟ وجوابنا: كلا، فقد علمنا أن العدنانية عصبية ظهرت في الإسلام، وأنها مضرية سميت عدنانية، وقلنا: إن الثقات من الرواة وقفوا في ذكر النسب عند "عدنان" ورووا أن النبي نهى عن الانتساس إلى ما بعده، وقلنا: إن اسمه لم يرد في شعر شاعر جاهلي، خلا ما نسب إلى الشاعر "العباس بن مرداس"، من قوله:
وعك بن عدنان الذين تلعبوا بمذحج حتى طردوا كل مطرد١
وما نسب إلى لبيد، وهو من المخضرمين، من قوله:
فإن لم تجد من دون عدنان والدًا٢
وقلنا أشياء أخرى تثبت، "العدنانية" لم تظهر إلا في الإسلام، وأن اسم
_________________
(١) ١ وفي رواية بغسان، مكان "بمذحج"، ابن هشام "١/ ٦"، ابن سلام، طبقات "٥". ٢ طبقات ابن سلام "٥".
[ ١٦ / ٣٠٥ ]
"عدنان" لم يكن معروفًا في الجاهلية، وربما ظهر قبيل الإسلام، ولهذا فلا يعقل أن تكون العربية، عربية العدنانيين.
إذن، فهل هي عربية مضر؟ فقد ورد في الأخبار أن "عمر بن الخطاب"، "لما أراد أن يكتب الإمام، أقعد له نفرًا من أصحابه، وقال: إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مضر، فإن القرآن نزل بلغة رجل من مضر"١، ونجد أهل الأخبار يذكرون أنه قال: "لا يملين في مصاحفنا هذه إلا غلمان قريش، أو غلمان ثقيف"٢. وليس بين الخبرين تناقض، لأن قريشًا من مضر، فيمكن حمل الخبرين على أنهما قصدا شيئًا واحدًا، هو أن القرآن نزل بلسان قريش، وقريش من مضر، ولكن مضر قبائل عديدة، سبق أن تحدثت عنها في الجزء الأول من هذا الكتاب، فيجب أن يكون نزول القرآن إذن بلغات هذه القبائل على هذا التفسير، وتكون العربية الفصحى إذن عربية "مضر"، أي: عربية القبائل التي يرجع أهل الأخبار نسبها إلى "مضر"، أو حلف مضر بتعبير علمي أصح، وليست عربية جماعة معينة منها، مثل قريش.
ولكن أهل الأنساب، يجعلون لمضر أخًا هو "ربيعة"، وأخوين آخرين، هما "إياد" و"أنمار" على رأي من جعل "أنمارًا" ابنًا من أبناء نزار، فما هو حال لسانهم؟ هل يعد لسانهم لسان مضر، أم كانت لهم ألسنة أخرى؟ أما النصوص الجاهلية، فلا جواب فيها على هذا السؤال؛ لأنها لا تعرف عن لسان هؤلاء الأخوة شيئًا، ولم يرد فيها أي شيء من أسمائهم وأسماء قبائلهم، ثم إن هذه القبائل لم تترك لنا كتابة نستنبط منها شيئًا عنهم، إذن فنحن لا نستطيع أن نتحدث عنهم ولا عن لسانهم بأي شيء يستند إلى دليل جاهلي مكتوب. وأما الموارد الإسلامية، فتجعل لسانهم لسان مضر، وكيف لا تجعل لسانهم مثل لسان مضر، وهم أخوة من أب واحد. فإذا قلنا: إن لسان مضر، هو اللسان العربي الفصيح، وجب علينا القول بأن لسان إخوته كان مثل لسانه، وإذن فاللسان العربي الفصيح، هو لسان هذه المجموعة المكونة من ولد "نزار" وهي من ولد إسماعيل في النهاية على رأي أهل النسب والأخبار.
_________________
(١) ١ ابن كثير، فضائل القرآن "٢٠". ٢ ابن كثير، فضائل "٢٠"، المزهر "١/ ٢١١".
[ ١٦ / ٣٠٦ ]
إذن فنحن أمام مجموعتين من العربيات، مجموعة تكوِّن العربية الجنوبية، ومجموعة تكوِّن العربية الشمالية، وهي عربية الإسماعيليين، وذلك على مذهب أهل الأخبار.
أما أنا، فأسمي هذه العربية، عربية "ال"، من سمة "ال" أداة التعريف التي تنفرد وتتميز بها عن بقية المجموعات اللغوية العربية: مجموعة "ن" "أن"، أي: المجموعة العربية الجنوبية، ومجموعة "هـ" "ها"، أي: المجموعة التي تعرِّف الأشياء بهذه الأداة: "هـ" "ها"، وتشمل اللحيانية، والثمودية، والصفوية.
فكل منا استعمل "ال" أداة للتعريف، هو في نظري من الناطقين بهذه اللغة مهما كان نسبه وفي أي مكان كانت إقامته، ولذلك فالعربية الفصحى هي عربية مضر وعربية ربيعة، وعربية إياد وعربية أنمار وعربية كلب وكندة والأزد وكل المستعملين لهذه الأداة، حتى يظهر المستقبل نصوصًا جديدة، قد تأتي بأداة أخرى لتكوّن مجموعة جديدة من المجموعات اللغوية.
نعم إن عربية "ال" لهجات، لها خصائص ومميزات، تحدث عن بعضها في فصل "لغات العرب"، ولكن الفروق بينها لا تختلف عن الفروق التي نجدها بين لهجات مجموعة "ن"، أو بين لهجات مجموعة "هـ"، لأنها فروق ليست كبيرة بحيث ترتفع إلى مستوى الاستقلال عن بقية اللهجات.
[ ١٦ / ٣٠٧ ]