خبرُ شعراءِ الجاهليةِ:
وقد حصلنا على أسماء شعراء الجاهلية من الموارد الإسلامية، فقد ذكرتُ أن النصوص الجاهلية لم تتعرض لأمر الشعر الجاهلي ولا للشعراء الجاهليين. ونجد أسماء هؤلاء الشعراء في مختلف الموارد، في كتب الأدب وفي ضمنها دواوين الشعر، وفي كتب النثر الباحثة عن الشعر، وفي كتب التفسير والحديث واللغة والمعاجم، بل وفي الشعر الجاهلي كذلك، إذ ذكر بعض أسماء الشعراء، ونجد في شعر بعض الشعراء الذين ظهروا في العصر الأموي أسماء شعراء جاهليين، فنجد في شعر للفرزدق أسماء جاهليين، إذ يقول:
[ ١٧ / ٧٤ ]
وهب القصائد لي النوابغ إذ مضوا وأبو يزيد وذو القروح وجرولُ
والفحل علقمة الذي كانت له حلل الملوك كلامه لا ينحلُ
وآخو بني قيس وهن قتلنه ومهلهل الشعراء ذاك الأولُ
والأعشيان كلاهما ومرقش وأخو قضاعة قوله يتمثلُ
وأخو بني أسد عبيد إذ مضى وأبو داود قوله يتنخل ُ
وابنا أبي سلمى زهير وابنه وابن الفريعة حين جد المقولُ
والجعفري وكان بشر قبله لي من قصائده الكتاب المجملُ
ولقد ورثت لآل أوس منطقًا كالسم خالط جانبيه الحنظلُ
والحارثي أخو الحماس ورثته صدعًا كما صدع الصفاة المعولُ١
ونجد في شعر "جرير" الذي نقض على الفرزدق قصيدته المذكورة، وفي شعر سراقة البارقي، ذكرًا لأسماء بعض الشعراء إذ يقول:
ولقد أصبت من القريض طريقة أعيت مصادرها قرين مهلهل
بعد امرئ القيس المنوه باسمه أيام يهذي بالدَّخول فَحَومَل
وأبو داود كان شاعر أمة أفلت نجومهم ولما يأفل
أبو ذؤيب قد أذل صعابة لا ينصبنَّك رابض لم يذلل
وأرادها حسان يوم تعرضت بردى يصفق بالرحيق السلسل
ثم ابنه من بعده فتمنعت وإخال أن قرينه لم يخذل
وبنو أبي سلمى يقصر سعيهم عنا كما قصرت ذراعًا جرول
وأبو بصير ثم لم يبصر بها إذا حل من وادي القريض بمحفل
واذكر لبيدًا في الفحول وحاتما يلومك الشعراء إن لم تفعل
ومعقِّرًا فاذكر وإن ألوى به ريب المنون وطائر بالأخيل
وأمية البحر الذي في شعره حكم كوحي في الزبور مفصل
واليذمري على تقادم عهده ممن قضيت له قضاء الفيصل
_________________
(١) ١ ديوان الفرزدق "٧٢٠". النقائض "١/ ١٨٩ وما بعدها".
[ ١٧ / ٧٥ ]
واقذف أبا الطمحان وسط خوانهم وابن الطرامة شاعر لم يجهلِ
لا والذي حجت قريش بيته لو شئت إذ حدثتكم لم آثل
ما نال بحري منهم من شاعر ممن سمعت به ولا مستعجل١
وجمع رواة الشعر شعر شعراء الجاهليين وأخبارهم من موارد متعددة، من الشعراء أنفسهم، مثل الحطيئة الذي أدرك الإسلام، ومثل حسان وبقية الشعراء المخضرمين، فقد أمدوا الخلفاء وعشاق الشعر بأخبار من تقدم عليهم من الشعراء. وبما حفظوه من شعرهم، وبما استحسنوه من أشعارهم، كما مونوهم بأخبارهم التي بقيت عالقة في أذهانهم عن الجاهلية، وعن أيامهم في الإسلام. كما جمعوا أخبارهم من أبناء الشعراء الجاهليين من ذوي رحمهم وآلهم، ونجد في كتب الأخبار والأدب أخبارًا كثيرة من شعراء جاهليين، نقلها الرواة من أبناء أولئك الشعراء، أو من ذوي قرابتهم، فقد جاء قسط كبير من شعر الشاعر" تميم بن مقبل" عن ابنته أم شريك، وجاء من شعر "حاتم" وأخباره عن ابنه "عدي"٢.
وأخذ الرواة شعر الشعراء الجاهليين من قبائلهم كذلك، فقد كان في القبيلة من يحفظ شعر شعرائها أو شعر المبرزين منهم. وقد رأينا كيف استعزت تغلب بقصيدة "عمرو بن كلثوم" فكانت ترددها دومًا حتى عيبت على ذلك٣، وكان في القبائل الأخرى من حفظ شعر شعرائها ونجد كتب الأدب والأخبار تنص على أسمائهم فتذكر اسم الشخص، وتنص على اسم قبيلته، وقد تذكر جملا مثل "سمع أشياخًا من طيء"٤، أو "حدثني الطائيون"٥، وأمثال ذلك، من جمل تنص على اسم المورد الذي استقى منه الراوية خبره أو شعر الشاعر من القبيلة.
ونجد في كتاب طبقات الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي "٢٣١هـ"، وفي
_________________
(١) ١ ديوان سراقة "٦٤ وما بعدها". ٢ ديوان حاتم "٣١". ٣ الأغاني "١١/ ٥٤". ٤ المعمرون "٧٢". ٥ ديون حاتم "٣٠".
[ ١٧ / ٧٦ ]
كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة "٢٧٦هـ"، أسماء شعراء جاهليين، وقد أخذا علمهما بهم ممن تقدم عليهم فألف قبلهم في موضوع الشعر والشعراء، ودوَّن "اليعقوبي" في تأريخه جريدة بأسماء شعراء العرب، وقد جعل أولهم "امرئ القيس"، وذكر النابغة الذبياني بعده، وانتهى بالمخضرمين١، ولكنه لم ينص على اسم المورد الذي أخذ تلك الأسماء منه.
ولا نجد بين أسماء الشعراء الجاهليين اسم شاعر واحد نظم شعره وعاش في العربية الجنوبية أو نظم بلهجة متأثرة باللهجات العربية الجنوبية، فأكثر من ذكروهم من الشعراء إنما هم من الشعراء الذين قضوا أكثر حياتهم خارج العربية الجنوبية، وقد كان في هذه العربية شعراء ولا بد، فليس من المعقول خلوها من الشعر والشعراء، ولكن علماء العربية لم يعتنوا إلا بشعراء القبائل التي احتكوا بها والتي أخذوا العربية عنها، والتي اعتبروا لسانها من أفصح ألسنة العرب، فضاع بسبب ذلك شعر القبائل التي كانت بعيدة عنهم أو التي كان لسانها بعيدا بعض البعد عن العربية التي ارتضوها والتي نزلت بها القرآن الكريم.
ولا نجد في الشعر الجاهلي الواصل إلينا شعرًا نظم في أغراض دينية وثنية، أي في عبادات القوم قبل الإسلام، اللهم إلا ما نسب إلى بعض الشعراء الأحناف من شعر فيه تحنف، وإلا ما نسب إلى بعض آخر من شعر فيه اشارات عابرة إلى عقائد يهودية أو نصرانية، أما شعر وثني خالص، من شعر فيه ترنيم بالأصنام والأوثان، وتحميد لها وتقديس، أو وصف لطقوس دينية وثنية، فهو شعر لم يصل إلينا منه شيء، وسبب عدم وصوله إلينا هو الإسلام، الذي اجتث كل ما يمت إلى الوثنية بصلة قريبة، وقضى عليه، فامتنع المسلمون من رواية هذا النوع من الشعر.
_________________
(١) ١ اليعقوبي "١/ ٢٣٠ وما بعدها"، "شعراء العرب".
[ ١٧ / ٧٧ ]