الفصل السابع عشر بعد المائة: القصور والمحافد والآطام
وقد أورد علماء اللغة العربية، جملة ألفاظ لها صلة بالمباني الضخمة وبالمباني العالية. منها: "قصر" والجمع "قصور"، و"محفد" والجمع "محافد" و"أطم"، و"مجدل"، و"حصن" و"برج" وغير ذلك من ألفاظ لبعض منها صلة بالناحية الحربية، لذلك أترك أمرها إلى ذلك الباب، وسأقتصر هنا على الكلام على المباني الأخرى التي تخص الحياة الاجتماعية في الأكثر.
والقصر البيت الكبير الفاخر، وتقابل لفظة "قصر" كلمة "قصرو" في لغة بني إرم١. وقد أطلقها علماء اللغة على البيوت الكبيرة لأهل الجاهلية في اليمن، فقالوا: "قصور اليمن". واشتهر من بينها "قصر غمدان" و"قصر سلحين"، وقد أطلقها عرب العراق على حصونهم التي كانوا يتحصنون بها عند دنو خطر عليهم، فكانت الحيرة مكونة من "قصور"، أقامها أشرافها، واتخذوها بيوتًا لهم، وحماية لأموالهم، وملجأ يلجأ إلية أتباعهم عند دنو الخطر، للدفاع عن سادتهم وعن أموالهم، يصعدون إلى أعلى القصر، فيرمون المهاجم بالحجارة والخزف والسهام والنار، ويصبون عليه الماء الحار. ولما هاجمها "خالد بن الوليد"، أخذ يحاصرها قصرًا قصرًا، ويفتحها، وبذلك سقطت المدينة، المؤلفة
_________________
(١) ١ غرائب اللغة "٢٠١".
[ ١٥ / ٣٤ ]
من هذه القصور. ولا تزال اللفظة معروفة في العراق، فيعرف حصن "الأخيضر" المشرف في البادية بـ"قصر الأخيضر"، ويطلق على بعض قرى عين التمر القصور؛ لأنها كناية عن بيوت تُحمى بـ"قصر" في الأصل١.
وتخزن في غرف الطابق الأرضي من القصر الميرة، وما يحتاج إليه، وكذلك الماشية، أما الطابق الثاني، أو ما بعده، فيتخذ مسكنًا، لأهل القصر، وقد تعمل به منافذ صغيرة، ليرمي منها المدافعون المهاجمين بالسهام والحجارة، لمنعه من الدنو من القصر، ويدافع عنه من السطح كذلك.
والمحفد من الألفاظ الواردة في كتب اللغة، وجمعها "محافد". وتعني في العربية الجنوبية القلعة والحصن، أي: المكان الحصين المنيع الذي يتحصن فيه الجنود للدفاع٢. وتعرف بـ"محفدن" في العربية الجنوبية، أي: "المحفد".
وترد لفظة "صحفت" مع "محفد". وأما "صحفت"، فقد فسرت بمعنى المجاز أو الطريق أو الممر أو الخندق. وهي في معنى لفظة "ضخف" التي تعني الحفر، ومنها "مضخفة" التي تعني المسحاة٣. ويكون الخندق حول المحفد، يحميه من غارات الأعداء، فيحول بينهم والوصول إلى سوره. وتؤدي لفظة "صحفت" معنى ممر في داخل الحصن يربط بين السور وداخل الحصن٤.
والمجدل، هو القصر المشرف٥. فهو نوع من أنواع الأبنية الضخمة. وهو الحصن في داخل المدن عند العبرانيين، ويقابل لفظة Castellum في اللاتينية٦. وقد وردت لفظة "مجدل" و"مجادل" أي: في صيغة الجمع في النصوص اللحيانية بمعنى البرج والحصن٧.
وأما الأطم فالحصن والجمع آطام. وهي القصور والحصون. وقال "الأصمعي"
_________________
(١) ١ راجع الجزء الثالث من تأريخ الطبري، في فتوح العراق، وكذلك فتوح البلدان للبلاذري. ٢ "Rhodokanakis Stud.، II، S. ٦١". ٣ "Rhodokanakis Stud.، II، S. ٦١". ٤ المصدر نفسه. ٥ شمس العلوم "جـ١ ق٢ ص٣٠٦". ٦ "Roland de Vaux، Ancient Israel، London، ١٩٦١، p. ٢٣٥.". ٧ راجع النص ٢٦ في كتاب: "W. Caskel، S. ٨٨.".
[ ١٥ / ٣٥ ]
الآطام الدور المسطحة السقوف، موشاة، أي: منقوشة١. وهي معروفة عند أهل "المدينة". وقد تحارب الأوس والخزرج عندها، فأرخوا بهذا اليوم. وكانت الأوس والخزرج تتمنع بها، فأخربت في أيام "عثمان"٢.
وتقوّى الحصون بسكك الحديد أحيانًا، وبكل وسائل التقوية والإسناد، لتتمكن من الصمود أمام العدو، ومن تحمل ضربات الآلات التي تستخدم للهدم. ويعبر عن التقوية هذه بلفظة "سكم"، أي: "سك"٣.
وقد فسر بعض علماء العربيات الجنوبية لفظة "صرحت" "صرحة" "صرحس" التي ترد في كثير من الكتابات المتعلقة بأعمال البناء، بالطبقة الثانية من البناء أو أعلى كل بناء٤. وفي كتب اللغة: "الصرح: بيت واحد يبنى منفردًا ضخمًا طويلًا في السماء"، وقيل: "القصر" أو كل بناء عالٍ مرتفع. وفي التنزيل: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِير﴾، والجمع صروح. وقال بعض المفسرين: الصرح بلاط اتخذ لبلقيس من قوارير٥.
وترد لفظة "صرحت" بهذا الشكل في بعض الكتابات، كما ترد بغير تاء، أي: "صرح". وقد وردت على هذه الصورة: "صرحس" في بعض الكتابات المعينية، كم وردت على هذا الشكل: "صرحسن" أي: "الصرح".
والغالب بين علماء اللغة أن الصرح البيت العالي، وقد قيّد بعضهم ذلك بالبيت العالي المزوق٦. وحيث أن البيوت المرتفعة العالية هي في اليمن وفي مواضع من العربية الجنوبية الأخرى في الغالب، ونظرًا لورود اللفظة في كتابات العرب الجنوبيين، فإننا نستطيع أن نقول باحتمال أخذ الحجازيين لفظة "الصرح" و"صرح" من العرب الجنوبيين.
_________________
(١) ١ الأغاني "١/ ١٤"، "طبعة ساسي"، شمس العلوم "جـ١ ق١ ص٨٥". ٢ التنبية والإشراف "ص١٧٦". ٣ "Rhodokanakis Stud.، II، S. ٤٦". ٤ Rhokokanakis، Stud، II، S. ٢٩، ٣٢، F، Glaser ١٠٨٩، ١٦٦٠، Halevy ٢٠٨، Glaser ١١٤٤، Halevy ٣٥٣، Jamme، South Arabian Inscriptions، p. ٤٤٨. ٥ شرح القاموس "٢/ ١٧٩". "الصرح: بيت عال مزوق"، المفردات "٢٨٠". ٦ المفردات، للراغب الأصفهاني "ص٢٨٠".
[ ١٥ / ٣٦ ]