الفصل السادس والعشرون بعد المائة: الفلسفة والحكمة
أما مؤلفات في العلوم والفلسفة، منقولة عن اليونانية أو اللاتينية إلى العربية، فلا أدري أن أحدًا من أهل الأخبار ذكر وجودها عندهم بلغة بني إرم، أو بلغة اليونان، ذلك لأن المثقفين وأصحاب الرأي والعزم كانوا على اتصال بالعالم الخارجي، وكانوا يدارسون الأعاجم ويأخذون عنهم، وقد درس بعضهم في مدارس الفرس والعراق وبلاد الشأم، ولغة الدراسة في تلك البلاد السريانية واليونانية والفارسية، فلا يستغرب أن يكون مِنْ هؤلاء مَنْ درس بلغة من هذه اللغات في الحجاز أو في اليمن. أما في بلاد العراق وبلاد الشأم، فالأمر لا يحتاج فيها إلى نظر، فقد رأينا أن عربهما أسهموا في الحركة العلمية قبل الإسلام لكنهم أسهموا بلغة السريان، لا باللغة العربية؛ لأن العربية لم تكن عربية واحدة يومئذ، إنما كانت جملة لهجات، ثم إنها كلها، لم تكن قد وصلت إلى درجة من الاستعمال والانتشار تجعلها لغة للترجمة والتأليف.
[ ١٥ / ٣٣٦ ]
بعض ما نسب إليهم سجع قصير، وبعضه كلام منظوم وبعضه مثلٌ زعم أنهم ضربوه فسار بين الناس.
وقد اشتهر الشرق بالحكمة، وهو ما زال على حبه لها باعتبارها أداة للتعليم والتثقيف. والحكيم، هو "حكيمو" Hakimo في الإرمية، بمعنى عالم١. ونرى في التوراة إصحاحات مثل: الأمثال وأيوب ونشيد الأنشاد وغيرها، ملئت حكمة. والحكيم هو "حكميم" عند العبرانيين. وأما الحكمة، فهي: "حوكماه" "حوكمه٢" Hokhmah.
و"الحكيم" في تعريف علماء اللغة: العالم وصاحب الحكمة، المصيب برأيه، الذي يقضي على شيء بشيء، فيقول: هو كذا وليس بكذا. وهو الذي يحسن دقائق الصناعات ويتقنها. وقد ورد في الحديث: إن من الشعر لحكمًا، أي: إن في الشعر كلامًا نافعًا يمنع من الجهل والسفه وينهى عنهما، قيل: أراد به المواعظ والأمثال التي ينتفع بها الناس. ويروى إن من الشعر لحكمة. وقد سُمي الأعشى قصيدته المحكمة حكيمة، أي ذات حكمة، فقال:
وغريبة تأتي الملوك حكيمة قد قلتها ليقال من ذا قالها٣
وقالوا إن من معاني: الحكيم الحاكم، وهو القاضي، أو هو الذي يحكم الأشياء ويتقنها، وإن الحكمة: العدل ورجل حكيم، عدل حكيم. وإن "المُحكّم" هو الشيخ المجرب المنسوب إلى الحكمة، ولذلك يقال للرجل إذا كان حكيمًا: قد أحكمته التجارب. والحكيم: المتقن للأمور٤. وفي هذه التعاريف دلالة على أنهم كانوا يسمون الحكمة بالتبصر في الأمور، وباستقراء الحوادث ودراستها لاستخراج التجارب منها، والحكم بموجبها، ومن هنا أدخلوا الحكم بين الناس، والنظر في الأحكام في جملة أمور الحكمة.
وليس هذا الرأي، هو رأي العرب وحدهم، فقد كان هذا الرأي معروفًا
_________________
(١) ١ غرائب اللغة "ص١٧٩". ٢ Hastings، Diction، I، p. ٦٤، A. Dictionary of Christ، and the Gospels، vol، II، p. ٨٢٥. ff، B.W Ardeon، understanding the old Testament، p. ٤٦٧. ٣ تاج العروس "٨/ ٢٥٥"، "حكم". ٤ اللسان "١٢/ ١٤٠ وما بعدها".
[ ١٥ / ٣٣٧ ]
عند غيرهم أيضًا. فنجد الحكماء عندهم حكامًا يحكمون في الخصومات وفي المنازعات: بفضل ما أوتوا من فطنة وصبر وذكاء وعلم، وهي من أهم صفات الحكم. ونجد في أدب الشرق الأدنى القديم أشخاصًا مثل "أحيقار" الشهير، يجمعون بين الحكم والحكمة، وقد ضرب بهم المثل في نجاحهم في إصدار الأحكام.
والحكيم في الشرق بمنزلة الفيلسوف عند اليونان. وما "أرسطو" الفيلسوف اليوناني الشهير وكذلك أفلاطون، غير حكماء في نظر الشرقيين. ولذلك أدخلوا في "الحكماء". والحكيم هو مؤدب ومرشد وواعظ يعظ الناس ويرشدهم في هذه الحياة، وهو خير مستشار في كل شيء؛ لأنه بفضل ما يملكه من عقل ومن تجربة يستطيع أن يفصل بين الحق والباطل وبين الصواب والخطأ. ولذلك كان الحكماء هداة قومهم وأساتذتهم وفلاسفتهم، أقوالهم حكمة للناس ودرس في كيفية السير في العالم.
ولكننا لا نستطيع أن نرادف بين "الحكمة" وبين "الفلسفة". فبين الاثنين فرق كبير في المفهوم. ولا يمكن أن نقول: إن الفلسفة بالمعنى اليوناني، هي في مفهوم "الحكمة" عند شعوب الشرق الأدنى؛ لأن بين الفيلسوف وبين "الحكيم" تباين كبير في أسلوب البحث وفي كيفية التوصل إلى النتائج والمعرفة وفي مفهوم كل واحد منهما لهدف الآخر، وفي الغاية المقصودة من كل منهما. فالغاية من الحكمة العبرة والاتعاظ والأخذ بما جاء فيها من حكم، أي: غايات عملية وتأديبية، بينما الغاية من الفلسفة البحث عن معنى الحكمة وعما يكون وراء الطبيعة من خفايا غير مكتشفة وأسرار١.
وقد وردت لفظة "الحكمة" في القرآن الكريم٢. وقد ذكر العلماء أن الحكمة اسم للعقل، وإنما سُمي حكمة لأنه يمنع صاحبه من الجهل٣. فالحكمة إذن، هي بمعنى العلم والتفقه. وهي بذلك ذات حدود واسعة، بل لا نكاد نجد لها حدودًا معينة فاصلة، فقد شملت أمورًا كثيرة، أطلقت على رجال اشتهروا بالحكم بين الناس. أي: بالبت فيما ينشأ بينهم من شجار وخصومة. وأطلقت على أناس ذكر
_________________
(١) ١ Hastings، p. ٩٧٥. ٢ وردت في مواضع متعددة من القرآن الكريم، راجع المعجم المفهرس "ص٢١٣ وما بعدها". ٣ غريب القرآن، للسجستاني "ص١١٨"، "سنة ١٩٢٤".
[ ١٥ / ٣٣٨ ]
أنهم كانوا كهانًا، وأطلقت على جماعة عرفت بأن لها رأيًا في الدين، وأطلقت على نفر كان لهم رأي في المعالجة والتطبيب، وأطلقت على نفر عرفوا بقراءة الكتب القديمة، أي: الكتب السماوية وغيرها مما كان عند يهود والنصارى وعند الروم والفرس، وأطلقت على غير ذلك، فهي إذن كما ترى ذات معان واسعة شاملة.
ويلاحظ أن القرآن الكريم، قد أورد لفظة "الحكمة" بعد لفظة "الكتاب" وفي حالة العطف، أي: على هذه الصورة: "الكتاب والحكمة"، واستعملها بعد لفظة "الملك" في الآية: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ ١. واستعملها مفردة كما في ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ ٢. وفي مواضع أخرى. وقد ذهب المفسرون إلى أن المراد من الكتاب القرآن، ثم اختلفوا في معنى الحكمة، فمنهم من قال: إنها السُّنة، ومنهم من قال المعرفة بالدين والفقه، ومنهم من قال: الحكمة العقل في الدين أو الإصابة في القول والفعل، إلى غير ذلك من أقوال٣، تدل على أن تفسيرها بمعنى السُّنة والتفقه في الدين من التفسيرات التي ظهرت في الإسلام. أما معناها عند الجاهليين، فكان بمعنى الخبرة المكتسبة من الملاحظات العميقة إلى الأشياء، أو المستخلصة من التجارب، وبمعنى العلم والرأي الصائب. وبهذا المعنى جاءت الحكمة عند الساميين. فقد كان الحكيم عندهم العالم الذكي الفطن الذي ينظر بعين البصيرة إلى أعماق الأمور بتؤدة وتبصر وأناة، فيبدي رأيه في كل شيء في هذه الحياة، من سياسة واقتصاد، ومن أمور تخص السلم أو الحرب، أو الخدع، والحكم بين الناس. ولهذا كان الحكماء في أعلى الدرجات في مجتمعهم من ناحية الثقافة والرأي.
ويظهر من دراسة ما ورد في المؤلفات الإسلامية عن الحكمة والحكماء أن الجاهليين أرادوا بالحكمة حكايات وأمثلة فيها تعليم ووعظ للإنسان، يقولونها ليتعظ بها في حياته وليسير على وفق هدى هذه الحكم. وهي حكم حصلت من تجارب عملية، ومن ملاحظات وتأملات في هذه الحياة. ولهذا نسبوا الحكمة إلى
_________________
(١) ١ البقرة، الرقم٢، الآية ٢٥١. ٢ البقرة، الآية ٢٦٩. ٣ تفسير الطبري "١/ ٤٣٦".
[ ١٥ / ٣٣٩ ]
أناس مجربين أذكياء لهم صفاء ذهن وقوة ملاحظة مثل: "أكثم بن صيفي" و"قس بن ساعدة الإيادي" وغيرهما ممن سيأتي الكلام عليهم. روي أن "عمر بن الخطاب" قال لكعب الأحبار وقد ذكر الشعر: "يا كعب، هل تجد للشعراء ذكرًا في التوراة؟ فقال كعب: أجد في التوراة قومًا من ولد إسماعيل، أناجيلهم في صدورهم، ينطقون بالحكمة، ويضربون الأمثال، لا نعلمهم إلا العرب"١. فالعرب هم أصحاب حكمة وأمثال على رأي "كعب الأحبار" إن صح أن هذا القول المنسوب إليه هو من أقواله حقًّا، والأمثال باب من أبواب الحكمة. بل تكاد تؤدي معناها عند الجاهليين، فالحكيم عندهم هو الذي ينطق بالحكم يقرنها بالأمثال، وبالقصص والنوادر.
وإذا بحثت عن الحكمة في العهد القديم تجدها في الأمثال، وفي سفر أيوب، وفي نشيد الأنشاد، وفي سفر الجامعة والحكمة وفي "سيراخ"، وفي حكمة "سليمان" التي هي في المزامير٢. وهي أمثال في الغالب نبعت من تجاربٍ أَخَذَ العبرانيون بعضها من غيرهم، ونبع بعض آخر من تجاربهم الخاصة، وظهرت عندهم أمثال إنسانية عامة تخطر على بال كل إنسان، فهي عامة مشتركة، لم يأخذها قوم من قوم، وإنما هي خاطرات وتجارب تظهر لكل إنسان، فضرب بها المثل في كل لسان.
ونحن لا نملك في هذا اليوم كتابة جاهلية، فيها حكم من حكم الجاهليين. وكل ما ورد إلينا من حكمهم مأخوذ من موارد إسلامية. ولذلك صار كلامنا على الحكمة في الجاهلية مثل كلامنا على سائر معارف الجاهليين، ضيقًا محدودًا، منبعه ما ورد عنها عند المسلمين.
ويظهر من بعض الحكم المنسوبة إلى الجاهليين، أنها ترجع إلى أصل يوناني، حيث نجدها مدوّنة في كتب فلاسفتهم مثل: سقراط وأفلاطون وأرسطو، مما يدل على أنها دخلت إلى العربية عن طريق الترجمة من اليونانية أو من السريانية، وعن طريق بلاد الشأم في الأغلب، حيث كانت الثقافة اليونانية قد وجدت لها سبيلًا هناك، بحكم خضوعها لليونانيين قبل الميلاد وبعد الميلاد، وبحكم وجود جاليات يونانية كبيرة هناك.
_________________
(١) ١ العمدة "ص٢٥"، القاهرة ١٩٦٣م. ٢ Hastings، p. ٩٧٥.
[ ١٥ / ٣٤٠ ]
ويظهر من دراسة بعض آخر من الحكم المنسوبة إلى الجاهليين أنها من أصل فارسي. ولا يستبعد أن تكون قد دخلت من الأدب الفارسي القديم إلى عرب العراق، وقد عاشوا قبل الإسلام في اتصال وثيق مع الفرس. وكان بعض العرب قد أتقنوا الفارسية وأجادوا فيها، كما أن من الفرس من كان قد تعلم العربية وبرع فيها. ثم إن بين ذوقي العرب والفرس تشابه في نواح من الأدب، ولهذا كان أثر الأدب الفارسي في الأدب العربي أكبر وأظهر من أثر الأدب اليوناني فيه.
ونجد في الحكم المنسوبة إلى "أحيقار"، شبهًا لها في الحكم العربية القديمة، وترجمة أصيلة لبعض حكمه أحيانًا. خذ قوله: "يا بني إذا أرسلت الحكيم في حاجة، فلا توصه كثيرًا؛ لأنه يقضي حاجتك كما تريد. ولا ترسل الأحمق، بل امض أنت واقض حاجتك"١. ولو درست بقية حكمه، وما ورد في الحكم المنسوبة إلى الجاهليين، ترى شبهًا كبيرًا في المعنى بل وفي اللفظ في الغالب، مما يدل على أنها ترجمة أخذت من السريانية فعربت ونسبت إلى الجاهليين، أو أن الجاهليين وقفوا عليها فصاغوها بلسانهم، فنسبت إليهم. وأكثر حكمه موجهة إلى ابن أخته "نادان"، حيث يعظه فيقول: "يا بني ".
غير أن علينا ألا ننسى، بأن من الحكم، ما هو عام، يرد على خاطر أغلب الشعوب، وعلى لب أكثر الناس، حتى وإن لم يكونوا من المثقفين الدارسين؛ لأنه مما يتشارك فيه العقل الإنساني، فيكون عالميًّا إنسانيًّا. ولهذا، فنحن لا نستطيع أن نردّه إلى أحد، ولا أن نرجعه إلى مرجع معين. ولا نستطيع أن نقول: إن العرب أخذوه من غيرهم، أو إن الأعاجم أخذوه من العرب. بسبب ما ذكرته من كونه من نتاج عقل واحد، هو القاسم المشترك بين عقول الإنسان.
وإذا صح ما روي من أن "سويدًا بن الصامت" المعروف بـ"الكامل"، كان يملك "مجلة لقمان"، وقد أراها الرسول مقدمة عليه بمكة، وما ذكر من أنها كانت في الحكمة٢. فتكون هذه المجلة، أو الكتاب، أقدم شيء يصل اسمه إلينا من الكتب التي تداولها أهل الجاهلية. ولم يذكر الرواة -ويا للأسف-
_________________
(١) ١ أغناطيوس إفرام الأول برصوم، اللؤلؤ المنثور في تأريخ العلوم والآداب السريانية "٦٧"، "حمص ١٩٤٣"، تأريخ كلدو وآثور "١/ ١١٣ وما بعدها"، "٢/ ٤٠". ٢ الروض الأنف "١/ ٢٦٥".
[ ١٥ / ٣٤١ ]
محتويات تلك المجلة ونوع الحكم التي احتوتها.
فقد روي "أن سويد بن صامت قدم مكة حاجًّا أو معتمرًا، وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل لجلده وشرفه ونسبه فتصدى له رسول الله -ﷺ- حين سمع به، فدعاه إلى الله والإسلام، فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي، فقال رسول الله -ﷺ- "وما الذي معك؟ " قال: مجلة لقمان، فقال رسول الله -ﷺ- "أعرضها عليَّ"، فعرضها عليه، فقال له: إن هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا، قرآن أنزله الله عليَّ، هو هدًى ونور. فتلا عليه رسول الله القرآن، ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه. وقال: إن هذا لقول حسن. ثم انصرف عنه، فقدم المدينة على قومه، فلم يلبث أن قتلته الخزرج" وكان قتله قبل يوم بعاث١.
والمجلة: الصحيفة فيها الحكمة، وكل كتاب عند العرب مجلة٢، وقيل: "كل كتاب حكمة عند العرب مجلة". قال النابغة:
مجلتهم ذات الإله ودينهم قويم فما يرجون غير العواقب٣
وبالنظر إلى اشتهار لقمان في الأدب العربي بالحكمة عن طريق ضرب الأمثال، ونظرًا لظهور أمثال كثيرة في الإسلام نسبت إليه، فإن من المحتمل أن تكون تلك المجلة التي زعم أنها كانت عند "سويد" مجموعة من حكم وأمثال. لا ندري من جمعها فنسبها إليه، لعدم إشارة أهل الأخبار إلى ذلك، ولا يستبعد أن تكون هذه الأمثال من الأمثال المنتزعة من التوراة أو من الإنجيل أو من كليهما، فدوّنت في مجلة، أي: في كراسة أو كتاب فنسبها أهل الأخبار إليه. نظرًا لما جاء في القرآن الكريم من نسبة الحكمة إليه. وقد تكون تلك المجلة من حكم الحكيم "أحيقار"، الحكيم الشهير صاحب الأمثال الذي كان مقربًا إلى الملك "سنحاريب" ومستشارًا له. فله في أدب "بني إرم" ذكر خاص، وله أمثال في الإرمية طبعت وترجمت إلى جملة لغات. وعرفت أمثاله في العربية كذلك. في أيام
_________________
(١) ١ ابن هشام، سيرة "١/ ٢٦٥ وما بعدها"، "حاشية على الروض"، الفائق "١/ ٢٠٦". ٢ تاج العروس "٧/ ٢٦١"، "جلل". ٣ الفائق "١/ ٢٠٦".
[ ١٥ / ٣٤٢ ]
الجاهلية، فأشار "عدي بن زيد العبادي" إليه وإلى قصته١.
ولقمان: شخصية ذكرت في القرآن، وفي القرآن الكريم سورة سميت باسمه. ووروده في كتاب الله، دليل على وقوف الجاهليين بقصصه وشيوع خبره وأمره بينهم. ونجد في كتب التفسير والأدب والأخبار وكتب المعمرين قصصًا عنه٢. وقد عرف بـ"لقمان الحكيم" وقد بحث عنه المستشرقون، وحاولوا تحليل القصص الوارد عنه وإرجاعه إلى أصوله. وقد بحث في ذلك المحدثون في مصر وفي غير مصر من البلاد العربية٣.
قال "الجاحظ": "وكانت العرب تعظم شأن لقمان بن عاد الأكبر والأصغر لقيم بن لقمان في النباهة والقدر، وفي العلم والحكم، وفي اللسان والحلم. وهذان غير لقمان الحكيم المذكور في القرآن على ما يقوله المفسرون. ولارتفاع قدره وعظيم شأنه، قال النمر بن تولب:
لُقيم بن لقمان من أخته فكان ابن أخت له وابنما
ليالي حمق فاستحضنت عليه فغُرّ بها مظلمًا
فغرّ بها رجل محكم فجاءت به رجلًا محكمًا٤
وقد أشار "المسيب بن علس" إلى "لقمان" في شعره٥، كما ذكره "لبيد بن ربيعة" الجعفري في شعره كذلك٦، وأشار إليه "يزيد بن الصعق" الكلابي في شعر هو:
_________________
(١) ١ الحماسة، للبحتري، "٨٦"، "بيروت ١٩١٠م". ٢ "لقمان بن عاد"، مجمع الأمثال "١/ ٣٠٣". ٣ فجر الإسلام "١/ ٧٨ وما بعدها"، الدكتور عبد المجيد عابدين، الأمثال في النثر العربي القديم مع مقارنتها في الآداب السامية الأخرى "ص٤٣ وما بعدها"، مجمع الأمثال، للميداني "١/ ٣٧". ٤ البيان والتبيين "١/ ١٨٤". ٥ البيان والتبيين "١/ ١٨٨". ٦ البيان والتبيين "١/ ١٨٩".
[ ١٥ / ٣٤٣ ]
إذا ما مات ميت من تميم فسرّك أن يعيش فجيء بزادِ
بخبز أو بلحم أو بتمرٍ أو الشيء الملفّف في البجادِ
تراه يطوف الآفاق حرصًا ليأكل رأس لقمان بن عادِ
وقيل: إن هذا الشعر هو لأبي مهوش الفقعسي١.
وورد ذكر "لقمان" في شعر "أفنون" التغلبي٢، وفي شعر "سليمان بن ربيعة بن دباب بن عامر بن ثعلبة"٣، وفي شعر شعراء آخرين.
وعرف لقمان عند الجاهليين كذلك بالنباهة والذكاء وبالعلم وبقوة اللسان والحلم وبخلال أخرى يرون أنها من سجايا الحكماء، حتى زعم أن أختًا له، وكانت مُحَمَّقة، تحايلت عليه، فاتصلت به اتصال الزوجات، طمعًا في الحصول على ولد ذكي حكيم منه يكون على شاكلته، فأحبلها بولد عرف بـ"لقيم"، ذكر في شعر ينسب إلى النمر بن تولب. ولأهل الأخبار قصص عنه وعن أخت لقمان٤.
وذكر "الجاحظ" أن "لقمان" قتل ابنته، وهي صحر أخت لقيم، وقال حين قتلها: ألست امرأة! وذلك أنه كان قد تزوّج عدّة نساء، كلهن خنّه في أنفسهن، فلما قتل أخراهن ونزل من الجبل، كان أول من تلقاه صحر ابنته، فوثب عليها فقتلها٥ وقال: وأنت أيضًا امرأة! وللجاحظ قصص عنه٦.
وفي سورة "لقمان"، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ، وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٧. فلقمان إذن حكيم من الحكماء، وُهِب الحكمة وصواب الرأي. له ولد وعظه ونصحه.
_________________
(١) ١ المرزباني، معجم "٤٨٠"، البيان والتبيين "١/ ١٩٠"، الخزانة "٣/ ١٢٩"، الاقتضاب "٣٨٨"، العقد الفريد "٣/ ١٤٢". ٢ البيان والتبيين "١/ ١٩٠". ٣ المصدر نفسه "١/ ١٩٠". ٤ بلوغ الأرب "٣/ ٢١٢ وما بعدها". ٥ الحيوان "١/ ٢١". ٦ المحاسن والأضداد "١٣٣". ٧ الآية ١٣ وما بعدها.
[ ١٥ / ٣٤٤ ]
وفي كتب قصص الأنبياء وكتب الأخبار والأدب وصايا للقمان وعظ بها ابنه، وأدبه، هي قطع في التأديب وفي قواعد السلوك١.
وفي جملة ما رواه أهل الأخبار من حكمه أن مولاه قال له يومًا: "اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها. قال: أخرِج أطيب مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب. ثم مكث ما شاء الله، ثم قال: اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها. فقال: أخرج أخبث مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب. فقال له مولاه: أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرجتهما، وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما. فقال له لقمان: إنه ليس من شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا"٢.
وقد ذكر أهل الأخبار امرأة يقال لها: "صحر بنت لقمان"، قالوا: إنها اشتهرت بالعقل والكمال والفصاحة والحكمة، وإن العرب كانت تتحاكم عندها فيما ينوبهم من المشاجرات في الأنساب وغيرها. وقالوا: إنها كانت ابنة لقمان، ومنهم من زعم أنها أخته لا ابنته٣.
وذكر أهل الأخبار أن "لقمان" هو ممن آمن بـ"هود"، وأما لقمان المذكور في القرآن، فهو غيره. وكان لقمان القرآن ابن أخت أيوب، أو ابن خالته، وقيل: كان من ولد "آزر"، وأدرك داوود وأخذ منه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داوود، فلما بُعث قطع الفتوى، وكان قاضيًا في بني إسرائيل، وكان حكيمًا ولم يكن نبيًّا. وورد أنه كان راعيًا أسود، فرزقه الله العتق، وقيل: كان أسود من سودان مصر خيّاطًا، وقيل: كان نجارًا٤. وذكر "الجاحظ": أن "لقمان" من السودان، وهو الذي يقول: ثلاثة لا تعرفهم إلا عند ثلاثة: الحليم عند الغضب، والشجاع عند الخوف، والأخ عند حاجتك.
وقال لابنه: إذا أردت أن تخالط رجلًا فأغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك وإلا فأحذره.
_________________
(١) ١ العقد الفريد "٣/ ١٥٢". ٢ تفسير الطبري "٢١/ ٤٣ وما بعدها". ٣ بلوغ الأرب "١/ ٣٤٢". ٤ الخزانة "٢/ ٧٨"، "بولاق".
[ ١٥ / ٣٤٥ ]
ولم يرووا ذلك عنه إلا وله أشياء كثيرة. وأكثر من هذا مدح الله إياه وتسميته الحكيم، وما أوصى به ابنه"١.
ويشبه قصص "لقمان" وما يضرب على لسانه من أمثال، قصص "أيسوب" عند الأوروبيين. وهو الباحث عن الحكمة عن طريق ضرب الأمثال وقول الألغاز والقصص٢. وقد رأى بعض الباحثين أن لأمثال لقمان وحكمه صلة بـ"أحيقار". وذهب بعض المستشرقين إلى وجود صلة بين لقمان وبين بعض الشخصيات القديمة التي يرد اسمها في الأدب القديم مثل Prometheus وAlkmaion وLucian و"سليمان"، وبلعام.
وقد ضرب "أبو الطّمحان حنظلة بن الشرقي القيني" المثل بتشتت حي لقمان، وبتفوقهم أفراقًا إذ يقول:
أمست بنو القين أفراقًا موزعة كأنهم من بقايا حي لقمان٣
وقد اشتهر "سليمان" عند العرب بالحكمة أيضًا، فعرف عندهم بـ"سليمان الحكيم"، وقد أشير إليه في القرآن الكريم. وكان اليهود والنصارى هم نقلة أخبار هذه الحكمة إلى الوثنيين. وكان يهود المدينة مصدر هذه الأخبار بالدرجة الأولى، فقد كانوا بحكم اختلاطهم بأهل يثرب قد أذاعوا بينهم قصصًا إسرائيليًّا، ومنه قصص داود وسليمان.
و"سليمان" أحكم الحكماء عند اليهود. يذكرون "أن حكمته فاقت حكمة جميع العلماء في عصره. وكان أحكم من جميع الناس"٤. ويذكرون أنه ألّف الأمثال. ونطق بثلاثة آلاف مثل، وألف خمس نشائد٥. ووضع نشيد الأنشاد والجامعة. وذاعت حكمة سليمان وانتشر خبرها في كل الأنحاء بحيث أتى الناس من الأباعد ليشاهدوها وكانوا يمتحنونه بمسائل عسرة٦، في جملتهم ملكة سبأ
_________________
(١) ١ رسائل الجاحظ "١/ ١٧٩"، "فخر السودان على البيضان". ٢ Shorter Ency.، p. ٢٩٠. ٣ البيان "١/ ٨٨٧ وما بعدها"، الخزانة "٣/ ٤٢٦". ٤ قاموس الكتاب المقدس "١/ ٥٧٩"، "سليمان". ٥ الملوك الأول، الإصحاح الرابع، الآية ٣٢. ٦ الأيام الثاني، الإصحاح التاسع، الآية ٦، قاموس الكتاب المقدس "١/ ٥٧٩"، "سليمان".
[ ١٥ / ٣٤٦ ]
التي سمعت بحكمته فجاءت تمتحنه كما جاء ذلك في التوراة.
وتقترن لفظة "مجلة" عادة بالحكمة. قال علماء العربية: "والمجلة، بفتح الميم، الصحيفة فيها الحكمة"١، وقد تتألف من "صحف". و"الصحيفة" الكتاب. وذكر علماء اللغة أن "الوضيعة: كتاب تكتب فيه الحكمة.. وفي الحديث أنه نبي وأن اسمه وصورته في الوضائع"٢.
وقد ذكر أهل الأخبار أن "قيس بن نشبة"، كان منجمًا متفلسفًا في الجاهلية. وهو ممن أدرك أيام الرسول٣. وذكر أنه من "بني سُلَيم"، وأنه كان يعرف الرومية والفارسية ويقول الشعر٤. وأنه جاء إلى الرسول "بعد الخندق فقال: إني رسول من ورائي من قومي، وهم لي مطيعون وإني سائلك عن مسائل لا يعلمها إلا من يُوحى إليه! فسأله عن السموات السبع وسكانها وما طعامهم وما شرابهم، فذكر له السموات السبع والملائكة وعبادتهم، وذكر له الأرض وما فيها فأسلم ورجع إلى قومه، فقال: يا بني سليم! قد سمعت ترجمة الروم وفارس وأشعار العرب والكهان ومقاول حمير، وما كلام محمد يشبه شيئًا من كلامهم فأطيعوني في محمد فإنكم أخواله فإن ظفر تنتفعوا به وتسعدوا وإن تكن الأخرى، فإن العرب لا تقدم عليكم. فقد دخلت عليه وقلبي عليه أقسى من الحجر، فما برحت حتى لان بكلامه. وقيل عنه: إنه كان يتأله في الجاهلية وينظر في الكتب، فجاء إلى الرسول لما سمع به، وسأله، فآمن به. ولعلمه سماه رسول الله: "حبر بني سُلَيم"، وكان إذا افتقده يقول: يا بني سُلَيم أين حبركم. وهو عم الشاعر العباس بن مرداس، أو ابن عمه. ولما أسلم قال هذه الأبيات:
تابعت دين محمد ورضيته كل الرضا لأمانتي ولديني
ذاك امرؤ نازعته قول العدا وعقدت فيه يمينه بيميني
قد كنت آمله وانظر دهره فالله قدر أنه يهديني
أعني ابن آمنة الأمين ومن به أرجو السلامة من عذاب الهون
_________________
(١) ١ تاج العروس "٧/ ٢٦١"، "جلل". ٢ تاج العروس "٥/ ٥٤٥"، "وضع". ٣ تاج العروس "٨/ ٩٥"، "كحل". ٤ البلدان "٢/ ٢٥٠".
[ ١٥ / ٣٤٧ ]
وذكر أنه كان قد قدم مكة في الجاهلية فباع إبلًا له فلواه المشتري حقه، فكان يقوم فيقول:
يا آل فهر كنت في هذا الحرم في حرمة البيت وأخلاق الكرم
أظلم لا يمنع مني من ظلم
فسمع به عباس بن مرداس، فكتب إليه أبياتًا منها:
وائت البيوت وكن من أهلها وددًا تلق ابن حرب وتلق المرء عباسًا
فقام العباس بن عبد المطلب وأخذ له بحقه. وقال: أنا لك جار ما دخلت مكة، فكانت بينه وبين بني هاشم مودة١.
وذكر أن "أبا العاصي بن أمية بن عبد شمس"، كان حكيمًا. وقد عدّ من حكماء قريش وشعرائهم٢. كما ذكر أن "الحكم بن سعيد بن العاص بن أمية" الأموي، وكان من الكتّاب بمكة في الجاهلية، والذي علّم الكتابة بالمدينة بأمر الرسول، كان يعلم الحكمة٣. وذكر "ابن حبيب"، أن "الحكم بن سعيد" كان من أمراء الرسول "على قرى عربية"٤، وذكر أيضًا أن الرسول سمّاه "عبد الله وجعله يعلّم الحكمة"، وقد استشهد يوم مؤتة٥.
ويظهر أن الحكمة المنسوبة إلى "قيس بن نشبة"، أو إلى "الحكم بن سعيد" كانت نوعًا من العلوم التي يدرسها الفلاسفة والحكماء في ذلك الوقت، أي: علومًا يونانية، وتأملات وملاحظات عن هذا العالم، فهي دراسة منظمة تختلف في طرازها عن الحكمة القائمة على القصص وضرب الأمثال. وقد تكون قد أخذت من الكتب اليونانية أو السريانية، أو الفارسية، فقد رأينا أهل الأخبار يذكرون أن "قيس بن نشبة" كان يعرف الرومية والفارسية، كما ذكروا مثل ذلك عن النضر بن حارث بن كلدة وعن الأحناف، وأنا لا أستبعد احتمال ذلك؛ لأن
_________________
(١) ١ الإصابة "٣/ ٢٤٩ وما بعدها"، "رقم ٧٢٤٤". ٢ كتاب نسب قريش "٩٩"، المعارف "٧٣". ٣ الإصابة "١/ ٣٤٣ وما بعدها"، "رقم ١٧٧٧". ٤ المحبر "١٢٦". ٥ المحبر "٤٦٠".
[ ١٥ / ٣٤٨ ]
بعضهم كان قد وصل العراق وبلاد الشأم وخالط الأعاجم، كما كان من الأعاجم من سكن مكة والقرى العربية الأخرى لأغراض مختلفة، ومنهم من كان على فقه بعلوم قومه، ومعرفة علمية بلغتهم، فلا يستبعد إذن تعلم من كان فيه ميل من العرب إلى العلم والثقافة، العلم والفلسفة والنظر من تلك البلاد التي زاروها، ومن هؤلاء.
وذكر أن "النضير بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف" العبدري القرشي كان من حكماء قريش. وقد استشهد يوم اليرموك في رجب سنة خمس عشرة. وكان أخوه "النضر بن الحارث"، شديد العداوة للرسول، فقتله عليٌّ يوم بدر كافرًا، قتله بالصفراء١.
وروى "عُمران بن حصين"، "عمران بن الحصين"، حديثًا عن رسول الله، هو: "الحياء لا يأتي إلا بخير"، فقال "بشير بن كعب، وكان قد قرأ الكتب: إن في الحكمة: أن منه ضعفًا. فغضب عمران، وقال: أحدثك بما سمعت من النبي، وتحدثني عن صحفك هذه الخبيثة"٢. ويظهر أن "بشيرًا" هذا كان ممن طالع كتب أهل الكتاب ووقف على الحكمة.
وقد ذكر الأخباريون أسماء أناس آخرين عرفوا بالحكمة كذلك، مثل: أكثم بن صيفي التميمي، من رؤساء تميم ومن "حكام العرب"٣. ويلاحظ أن الأخباريين يخلطون في الغالب بين الحكيم والحاكم، فيجعلون "حكّام العرب" من "حكماء العرب" ويذكرون أحكامهم في باب الحكم. كذلك نسبوا معظم خطباء الجاهلية إلى الحكمة كذلك، مما يدل على أن للحكمة عند الأخباريين معنًى واسعًا، يشمل كل ما فيه عظة وتعليم. وقد كان العبرانيون وبقية الساميين يجعلون الحكام من طبقة الحكماء؛ لأن الحاكم لا بد وأن يكون حكيمًا، أي: مدركًا فطنًا نافذًا إلى بواطن الأمور، يحكم عن عقل ناضج وعن رأي مصيب، فهم أولى وأقدر على إبداء الأحكام الصحيحة من غيرهم، ولهذا نجد ارتباطًا كبيرًا في المعنى وفي اللفظ بين لفظتي حاكم وحكيم.
_________________
(١) ١ الاستيعاب "٣/ ٥٣٥ وما بعدها"، الإصابة "٣/ ٥٢٥"، "رقم ٨٧١٣". ٢ مصادر الشعر الجاهلي "١٦٨ وما بعدها". ٣ بلوغ الأرب "٣/ ١٧٢ وما بعدها".
[ ١٥ / ٣٤٩ ]
ومن حكام العرب الذين ذكرهم أهل الأخبار، ونسبوا إليهم الحكم والإصابة في الرأي وصدق الأحكام "عامر بن الظرب العدواني" حكيم قيس، وقد عدوه "من حكماء العرب، لا تعدل بفهمه فهمًا ولا بحكمه حكمًا". وقالوا: إنه هو المراد في قول العرب: "إن العصا قُرعت لذي الحلم". أما "ربيعة"، فتقول: إنه "قيس بن خالد بن ذي الجدّين". وأما تميم، فتنسب هذا الفخر إلى رجل منها هو "ربيعة بن مخاشن أحد بني أسيد بن عمرو بن تميم". وأما اليمن، فتقول: إنه "عمرو بن حممة الدوسي"، ويذكر بعض آخر أنه "عمرو بن مالك بن ضبيعة، أخو سعد بن مالك الكناني"١.
وفي كتاب "العقد الفريد"، قصة اجتماع وقع بين عامر بن الظرب العدواني وحممة بن رافع الدوسي وبين ملك من ملوك حمير، ورد فيها: أن الملك قال لهما: تساءلا، حتى أسمع ما تقولان؟ ودوّن رواة هذه القصة ما جرى في الاجتماع من أسئلة وأجوبة. ومدارها خاطرات عن الحياة وعن الناس وعن الأدب، بالسجع المألوف٢. ومما جاء فيها أن أحكم الناس "من صمت فاذّكر، ونظر فاعتبر، ووعظ فازدجر"، وأن أجهل الناس من رأى الخُرق مغنمًا، والتجاوز مغرمًا"٣.
وذكر أنه كان قد جمع قومه "عدوان"، فنصحهم بقوله: "يا معشر عدوان: الخير ألوف عروف، وإنه لن يفارق صاحبه حتى يفارقه، وإني لم أكن حكيمًا حتى صاحبت الحكماء، ولم أكن سيدكم حتى تعبدت لكم٤. وكان كما يقول "ابن حبيب"، آخر حكام العرب وقضاتهم وأئمتهم قبل انتقال الحكومة إلى "بني تميم" بعكاظ٥، وروي له حكم في "الخنثى"، وأيد الإسلام حكمه٦. ورووا له شعرًا في الخمر، يقول فيه:
_________________
(١) ١ "إن العصا قرعت لذي الحلم"، مجمع الأمثال "١/ ٣٩ وما بعدها"، الآمدي، المؤتلف "ص١٥٤". ٢ العقد الفريد "٢/ ٢٥٥ وما بعدها". ٣ الأمالي "٢/ ٢٧٦ وما بعدها". ٤ الأمالي "٢/ ١٥٧"، البيان والتبيين "١/ ٤٠١"، "٢/ ١٩٩". ٥ المحبر "١٨١". ٦ المحبر "٢٣٦".
[ ١٥ / ٣٥٠ ]
إن أشرب الخمر أشربها للذتها وإن أدعها فإني ماقت قال
لولا اللذاذة والفتيان لم أرها ولا رأتني إلا من مدى الغال
سئّاله للفتى ما ليس يملكه ذهّابة بعقول القوم والمال
مورثة القوم أضغاثًا بلا احنٍ مزرية بالفتى ذي النجدة الحال
أقسمت بالله أسقيها وأشربها حتى يفرق ترب القبر أوصالي١
وفيه يقول ذو الأصبع العدواني:
ومنّا حكم يقضي فلا ينقضي ما يقضى٢
ومن حكمه: "الرأي نائم، والهوى يقظان، فمن هنالك يغلب الهوى الرأي"٣. وله جواب على خطاب "صعدة بن معاوية" حين جاء إليه يخطب ابنته٤.
وكانت له بنت عدت من حكيمات العرب، حتى جاوزت في ذلك مقدار "صحر بنت لقمان"، و"هند بنت الخس"، و"جمعة بنت حابس بن مُليل" الإياديين٥.
وذكر أهل الأخبار أن من حكام تميم في الجاهلية: أكثم بن صيفي، وحاجب ابن زرارة، والأقرع بن حابس، وربيعة بن مخاشن، وضمرة بن ضمرة. ويذكرون أن "ضمرة" حكم، فأخذ رشوة، فغدر. والغدر عيب كبير، ومن أذم الصفات عند الجاهليين٦.
وقد نسب أهل الأخبار حكمًا وأمثلة لأكثم بن صيفي، منها المثل: "مقتل الرجل بين فكّيه" يعني لسانه٧، ومن الأقوال المنسوبة إليه، قوله: "تناءوا في الديار، وتواصلوا في المزار"٨، وقوله: "تباعدوا في الديار تقاربوا في
_________________
(١) ١ المحبر "٢٣٩". ٢ البيان والتبيين "١/ ٢٦٤"، "حاشية ٣". ٣ البيان والتبيين "١/ ٢٦٤". ٤ البيان "٢/ ٧٧". ٥ البيان والتبيين "٣/ ٣٨". ٦ مجمع الأمثال "١/ ٤١". ٧ خلق الإنسان "ص١٩٥". ٨ البيان والتبيين "٣/ ٢٥٥".
[ ١٥ / ٣٥١ ]
المودة"١. وقد عدّ أسلوب كلامه من أرشق أساليب الفصحاء، ومن أحكم كلام، فيه نصائح وحكم مع بلاغة متناهية وفصاحة. ونسبوا له خطبًا منمقة٢، هو في نظري من هذا النثر المصنوع، الذي وضع على لسانه في الإسلام.
وقد اشتهرت "تميم" بكثرة حكمائها٣، ونلاحظ أن هؤلاء الحكماء كانوا حكامًا كذلك، يحكمون بين الناس فيما يقع بينهم من شجار. ومعنى هذا أن بين الحكمة والحُكم عند العرب الجاهليين صلة متينة. وقد رأيت أن تميمًا كانت قد احتكرت لنفسها الحكومة في سوق عكاظ على ما يذكره أهل الأخبار. وهم من القبائل المتقدمة بالنسبة إلى القبائل الأخرى التي كانت عند ظهور الإسلام، انتقلت إليها هذه الحكومة من "بني عدوان"، الذين كان آخر حكامهم "عامر بن الظرب" العدواني.
وقد كان لاتصال أهل الأخبار بتميم، دخل ولا شك في كثرة أسماء حكمائها التي وصلت إلينا من خلال دراستنا لكتبهم، فقد كان اتصالهم بها أكثر من اتصالهم بأية قبيلة أخرى، لوجودها على مقربة من الكوفة والبصرة، ولذلك أكثروا اللغة عنها، حتى صرنا نعرف نعرف من أمور نحوها ولغتها ما لا نكاد نعرفه عن نحو ولغة أية قبيلة أخرى. ولرجال تميم خطب طويلة، في الحكم، هي تأملات وخاطرات وضعت على ألسنتهم في الإسلام، إذ لا يعقل كما سبق أن قلت في مواضع متعددة من هذا الكتاب وصول نصوص نثر، بهذا النوع من الضبط والتحري عن أهل الجاهلية حتى نحكم بصحة نصوص ما نسب إلى حكماء تميم. نعم قد يقول قائل: إن الشاعر "بشر بن أبي خازم" كان قد أشار إلى "كتاب بني تميم"٤، فلا يستبعد أن يكون "بنو تميم" قد سجلوا خطب وأشعار سادتهم فيه، ولكني أقول: إن من العلماء من نسب هذا العشر إلى "الطرماح بن حكيم" وهو شاعر إسلامي، توفي في حوالي السنة "١٠٥"، وإننا حتى لو فرضنا أن ذلك الشعر هو للطرماح، وأنه يدل على وجود كتاب قديم عند
_________________
(١) ١ البيان "٢/ ٧٠". ٢ بلوغ الأرب "٣/ ١٧٢". ٣ Goldziher، History of classical Arabic Literature، p. ٧. ٤ المفضليات "٩٨"، الأمثال، للميداني "١/ ١٣٧"، العسكري، جمهرة الأمثال "٢٨٩".
[ ١٥ / ٣٥٢ ]
"بني تميم"، فإننا لا نستطيع أن نأخذ بالظن، ونقول بصحة مثل هذه الخطب المنسوبة إلى خطباء وحكماء تميم لمجرد وجود إشارة إلى كتاب عندهم لا نعرف من أمره شيئًا، غير إشارة إلى اسمه وردت في شعر، لا ندري مبلغ درجته من الصحة والأصالة.
وممن نسبت إليه الحكمة "الأفوه الأودي"، وهو شاعر اسمه "صلاءة بن عمرو" من "أود". وله قصيدة دالية، فيها رأيه في الحكم وفي الناس وفي الخير والشر١. وذكر أنه هو القائل:
ملكنا ملك لقاح أول وأبونا من بني أود خيار٢
والعادة أن تنسب الحكم إلى المسنين، وقلما نجد حكمًا صادرة من شبان وأحداث وذلك أن العقل لا يكتمل إلا بتكامل العمر وبتقدم الإنسان في السن، وبتقدمه في السن تزيد تجاربه واختباراته في هذه الحياة، فيكون عندئذ أهلًا للنطق بالحكمة. ولم يكتف أهل الأخبار ببلوغ الحكماء سن الشيخوخة الطبيعية، بل صيروا عمر معظم المعمرين فوق المائة، بل جعلوها مئات. وعمر مثل هذا كفيل بأن يكون مصدرًا للحكم والأمثال. ونجد في "كتاب المعمرين من العرب" للسجستاني أمثلة من عمر هؤلاء الحكماء.
_________________
(١) ١ الأغاني "١١/ ٤٤"، الشعر والشعراء "١١٠"، ديوانه، الأمالي، للقالي "٢/ ٢٢٨"، تأريخ آداب اللغة العربية، لزيدان "١/ ١٣٤ وما بعدها". ٢ تاج العروس "٢/ ٢٩٢"، "أود".
[ ١٥ / ٣٥٣ ]