قال أبو بكر محمد بن عمر بن القوطية: هو محمد بن سعيد بن أبي سليمان، واسمه وارشكين، من بني يطفت من نفزة، وهو المعروف بحمدون، والملقب بالأصمعي، ولقب بذلك لذكائه وقوة حفظه، وكان أول من أصطنعه فاستكتبه الأمير عبد الرحمن بن الحكم، وكتب لابنه محمد بعده، وأنجبت ولادته لابنيه عبد الله وحامد ابني محمد بن سعيد، فكانا كاتبين نحريرين، كلاهما كتب للسلطان، خلا عبد الله منهما لم يطل أمده في الكتابة، وكتب نحو ستة أشهر، فأعجلته المنية.
وأما حامد أخوه فلزمته الكتابة وشهر إلى أن مات سنة ثمان وستين ومائتين.
وكتب منهم أيضًا عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن سعيد الزجالي سنة سبع وثمانين ومائتين، ثم إنه نالته علة عظيمة مدة، وتخفف، فأعاده الأمير عبد الله في دولته إلى الكتابة مرارًا، واتصلت كتابته من بعده صدر دولة حفيده عبد الرحمن الناصر لدين الله إلى أن هلك في العسكر سنة ثنتين وثلاثمائة.
فقوضت الكتابة عن بيت هؤلاء الزجاليين مدة إلى أن عادت عليهم بعبد الرحمن ابن عبد الله بن محمد الزجالي متقدمًا للناصر لدين الله في مهمات سنة تسع وعشرين وثلاثمائة آخر دولة الناصر، ثم لم ينجم في بيتهم كاتب بعده إلى آخر الدولة وقرأت
بالأدب أيام كانت سوقه نافقة، فارتقى به إلى معرفة الخلفاء، فبنى البيت المنيف، ونال ذروة المنزلة الرفيعة، وكانوا قدمًا من عامة البتر من البرابر، أصولهم من ناحية
[ ١٧١ ]
تاكرونا، لم يحفظ لأولهم نباهة، فسبق الأمير عبد الرحمن بن الحكم إلى اصطناع جدهم محمد بن سعيد هذا، وبلا منه فهمًا ومعرفة وصيانة وجزالة استخدمه لها، فرقاه في منازل خدمته، واستكتبه واستخصه، فسما بيته، ولحق بأشراف الدولة.
وقرأت في كتاب القاضي أبي الوليد ابن الفرضي المولف في طبقات أهل الدولة والأدب بالأندلس، قال:
هو أبو عبد الله محمد بن سعيد بن موسى بن عيسى الزجالي - هو فخذ من بتر البرابر بالأندلس -، وكان يلقب بالأصمعي لعنايته بالأدب وحفظه للغة، وكان من أقوم أهل زمانه بها، وكان له حظ وافر من البلاغة، ونصيب حسن من صوغ القريض، ولم يكن لهؤلاء الزجاليين المقحمين في بيوت الشرف بقرطبة قبل جدهم محمد هذا قدم رياسة، ولا سالف صحبة للسلطان، ولا تشبث بخدمته، فهو أول من نجم فيهم وصارت له منزلة لديهم، كان سببها - زعموا - أن الأمير عبد الرحمن بن الحكم عثرت به دابته وهو سائر في بعض أسفاره، وتطأطأت، فكاد يكبو لفيه، فلحقه جزع تمثل إثره لما استقلت به مطيته بقسيم بيت جرى بفيه، وهو: من الطويل.
وما لا يرى مما يقي الله أكثر
وطلب صدر البيت، فعزب عنه، وتعلق باله به، فسأل عنه أصحابه، فأضلوه وأمر بسؤال كل من تسمى بمعرفة في عسكره، فلم يكن أحد يقف عليه غير محمد بن سعيد هذا الزجالي، لما أراده الله تعالى من تحريكه، فقال لسائله؛ حاجة الأمير عندي، فليدنني أتمها له. فأدناه، فقال له أصلح الله الأمير، أول هذا البيت:
ترى الشيء مما يتقي فتهابه وما لا نرى مما يقي الله أكثر
[ ١٧٢ ]
تمام البيت. فأعجب الأمير ما كان منه، وراقه بيانه، وأعجبه شكله، فقال له: إلزم السرادق. فلما جالسه وحدثه إزداد قبولًا له ورغبة فيه، فاستخدم واستخصه، ثم استكتبه بعد حين لسره.
وكان قبل هذا اتخذه كاتبًا لوزرائه إشراكًا لهم فيه على رسم من تقدمه، فحدت محمدًا همته على الترفع عن ذلك للتفرد بأعلى المنازل، وكتب إلى الأمير عبد الرحمن يستعفيه من قصد وزرائه كتابًا يقول فيه: إن من وسم بميسم كتابته أعزه الله وشرف باسمها لجدير أن يعتلى عن كتابة وزرائه، ويزدهي بجصانة أسراره.
تنبيهه إياه، فأفرده بكتابته، واتخذ للوزراء كاتبًا مفردًا لكتابتهم، فجرى الأمر على ذلك من بعد الأمير عبد الرحمن إلى آخر الدولة.
وكان محمد بن سعيد هذا من أحد عجائب الدنيا في قوة الحفظ، يضرب بحفظه الأمثلة، على تصديق ما يؤثر من ذلك من مشهور الحفاظ من صدر هذه الأمة.
فذكر عنه ابنه حامد بن محمد قال: جاءه يومًا مستجد توسل إليه بشعر امتدحه به سأله أن يأذن له في إنشاده، ففعل، وجعل الشاعر ينشده له مسحنفرًا في نشيده، ومحمد مطرق. فلما فرغ من شعره ذهب إلى مغالطته له، فقال له: يا هذا، ما الذي دعاك أن تنتحل شعرًا لغيرك، فتقلبه فينا؟ وكنت في غنى عن ذلك، فقد كان في قصدك لنا وماتة أدبك إلينا ما نقضي به ذمامك،
[ ١٧٣ ]
ونعينك على شأنك! فقال له: سبحان الله يا سيدي! تقول ذلك في شعر كددت فيه خاطري، وأتعبت فيه ذهني؟ فلا والله ما أخذته من أحد، ولا سويته إلا من نظمي! فقال له محمد: باطل! إنه لشعر قد رويته قديمًا وحفظته، فإن شئت فاستمع إليه أنشدكه وبدأ فأعاد الشعر عليه أو أكثره. فبقى حائرًا لما فجأه به، وقد زال طمعه، وانقطعت حجته، واشتدت فجعته. فلما رأى محمد سوء مقامه قال له: خفض عليك، فأني مزحت معك، وإنك الصادق فيما قلت، الحقيق بالثواب على ما قرضت، وإنما أعانني عليك قوة حفظي الذي ذهبت إلى اختباره معك. ولا والله ما سمعت بهذا الشعر قبل يومي. فسرى عن الشاعر همه، وأجزل صلته.
قال: وتوفي محمد بن سعيد هذا الأصمعي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وأعقب ابنًا نجيبًا يسمى حامد بن محمد ورث مكانه من الأدب والمعرفة والكتابة والبلاغة، فسلك سبيله في خدمة السلطان، وارتقى فوق ذروة أبيه بخطة الوزارة، بحضرة الأمير محمد بن عبد الرحمن. وقد كان أديبًا حليمًا عفا جميل الخصال، خلا أنه كان يعاب بالبخل والاقتصاد، فيضحى للذم في عرضه ذريعة.
قيل لمؤمن بن سعيد الشاعر البذيء: ما بالك لا تسامر الوزير حامدًا أو تراكبه حسبما نراك تفعله مع الوزراء من أصحابه مع قديم اتصالك به وسببك إليه؟ فقال مؤمن بن سعد: هذه جنازة غريب لا يصحبها من صحبها إلا الله تعالى! ونميت كلمته إلى حامد، فحقدها عليه. وشيعه مؤمن بعيد أيام في خروجه من القصر إلى داره لا ينكر ما عرفه من أنسه به ومذاكرته، فلما أراد مؤمن الانصراف قال له حامد: أعظم الله أجرك أبا مروان! وكتب خطاك! - دعاء مشيع الموتى -، تعريضًا له بقوله ومن نوادر حامد بن محمد الزجالي ما حكاه محمد بن نصر، قال:
غلط إمام الوزير حامد بن محمد ليلة في بعض قراءته في صلاة التراويح في شهر رمضان
[ ١٧٤ ]
بمسجد حامد، وحامد حاضر، فقرأ مكان قوله تعالى: " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة "، فقرأ: " فانكحوهما "، فلما انصرف حامد قال لبعض من يخصه من جيرانه: " أما سمعت ما أتى به إمامنا من تبديل حدودنا؟ وتضاحك، فقال له حامد: فقد سنحت لي فيه بديهة فاسمعها، وأنشده: من مجزوء الرمل
أبدع القارئ معنى لم يكن في الثقلين
أمر الناس جميعًا بنكاح الزانيين
وأنشد لأحمد بن محمد بن فرج البلوي المعروف بالبلساري يهجو حامد بن محمد ويكثر بخله في اتخاذه لصنيع عنده قتر فيه على من شهده، وناقض مروءته، من أبيات فيها: من الكامل.
فعل اللئيم وليته لم يفعل وأتى بفعل مثله لم يجمل
ذبح الضفادع في الصنيع ولم يدع للنمل جارحة ولا للقمل
وضع الطعام فلو علته ذبابة وقعت لتكمل شبعة لم تكمل
وكأنما خرطت صحاف طعامه من دقة ودمامة من خردل
[ ١٧٥ ]
وكأن فترة صحفة عن صفحة في البعد والإبطاء فترة مرسل
أرسل هذا الشاعر آفة على أهل هذا البيت لأمر أودى به من بعضهم، فعمم بهجائه، وأفحش لهم.
ومن قوله في شعر له فيهم: من الطويل
هم علموني اللؤم حتى كأنني لغير أبي أو معرق في الزجاجله