قال أحمد بن محمد الرازي: كان له أحد عشر قاضيًا: أولهم مسرور بن محمد، على اختلافهم في نسبه أيضًا، إذ يقول محمد بن حارث في كتابه: هو مسرور بن محمد بن سعيد بن شراحيل المعافري، ويقول ابن عبد البر: بل هو من موالي الأمير عبد الرحمن بن معاوية، يكنى بأبي نجيح، وذا من اختلافهم قبيح؛ ثم سعيد بن محمد بن بشير؛ ثم يحيى بن معمر ابن عمران الألهاني الإشبيلي؛ ثم الأسوار بن عقبة؛ ثم إبراهيم بن العباس بن عيسى ابن عمر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، ثم يخامر بن عثمان المعافري؛ ثم علي ابن أبي بكر القيسي؛ ثم معاذ بن عثمان الشعباني؛ ثم محمد بن زياد اللخمي؛ ثم سعيد ابن سليمان بن أسود عم سليمان بن أسود؛ ثم محمد بن سعيد.
وقال الحسن بن محمد بن مفرج: قال ابن عبد البر في تاريخه: لما ولي الأمير عبد الرحمن بن الحكم استقضى على قرطبة مسرور بن محمد سنة سبع ومائتين؛ ثم سعيد بن سليمان سنة ثمان ومائتين، ثم يحيى بن معمر الألهاني سنة تسع
[ ١٧٧ ]
ومائتين، ثم الأسوار بن عقبة سنة عشر ومائتين وما بعدها؛ ثم إبراهيم بن العباس القرشي المرواني جد بني أبي صفوان هؤلاء القرشيين الوجوه بقرطبة سنة ثلاث عشرة ومائتين؛ ثم محمد بن سعيد سنة أربع عشرة وما بعدها؛ ثم يخامر بن عثمان سنة عشرين ومائتين أيضًا، فقضى أعوامًا؛ ثم علي بن أبي بكر سنة سبع وعشرين ومائتين وما بعدها؛ ثم معاذ بن عثمان الشعباني سنة إحدى وثلاثين ومائتين؛ ثم محمد بن زياد اللخمي سنة أربع وثلاثين ومائتين؛ فبلغت عدة قضاته عشرة رجال، وإنما كان سبب استكثار عبد الرحمن بن الحكم من القضاة وكثرة توليته وعزله لهم إتباعه فيهم رضًا كبير الفقهاء المشاورين الأثير عنده يحيى بن يحيى، إذ كان لا يزال يشير عليه بقاض، فيوليه الأمير عبد الرحمن مقتصرًا فيه على رأيه، فإذا أنكر عليه يحيى شيئًا رفع عليه إلى الأمير، فلا يؤخر عزله، ولا يحيد عن مشورته، وكان يحيى الذي يولى مكانه.
وكان الشيخ يحيى شديد التمكن من حسن رأي الأمير عبد الرحمن، وكان قد آثره على جميع الفقهاء أصحابه، وجعل توركه عليه، فمن أجل ذلك كثر عدد قضائه.
قال الحسن: وقد خالف أبو بكر ابن القوطية ابن عبد البر في عدد هؤلاء القضاة وترتيب دولهم، فقال:
[ ١٧٨ ]
ألفى الأمير عبد الرحمن بن الحكم على قضاء والده الأمير الحكم سعيد بن محمد بن بشير المعافري، وجده على القضاء لأبيه، فأمضاه بعده. ومحمد بن شراحيل المعافري جد بني شراحيل هؤلاء الذين ينسب إليهم المسجد والدرب بالربض الغربي: ثم الفرج كنانة الكناني الشذوني؛ ثم يحيى بن معمر الألهاني الإشبيلي، ثم عزله لرفع الفقيه يحيى بن يحيى عليه، ثم الأسوار بن عقبة الجياني ثم إبراهيم بن العباس المرواني جد بني أبي صفوان هؤلاء القرشيين الوجوه بقرطبة، ثم عزله - زعموا - لكلمة خاطبته بها امرأة تخاصمت إليه بمجلس نظره، فلم ينكرها، وذلك أن قالت له: يا بن الخلائف! أنظر إلى نظر الله إليك!، فلم يغير عليها، فنماها إلى الأمير موسى بن حدير الخازن الأكبر؛ ورفع إليه صفحة يقول فيها: ما ينبغي للأمير أن يشركه في سلطانه من يخاطب بمثل ما يخاطب به، ويحلى تحليته، فذاك الذي أوجب عزله، وقيل إن تلك المرأة دست لتقول ذلك القول، فعزله الأمير سريعًا؛ ثم استقضى بعده محمد بن زياد جد بني زياد هؤلاء الركنيين، ثم عزله وأعاد يحيى بن معمر إلى القضاء ثانية؛ ثم يخامر ابن عثمان الجياني، واستعفاه من الولاية فأعفاه؛ وولى أخاه معاذ بن عثمان؛ ثم سعيد ابن سليمان الغافقي البلوطي آخر قضاته، فصارت عدة القضاة في أيامه عشرة رجال قال ابن عبد البر في تاريخه: وكانت الفتيا في أيام الأمير الحكم وأيام عبد الرحمن ولده تدور على عيسى ابن دينار؛ وزونان بن الحسن، ومحمد بن عيسى الأعشى راوية وكيع بن الجراح،
[ ١٧٩ ]
ويحيى بن يحيى الليثي، وسعيد بن حسان، وعبد الملك بن حبيب، ومحمد بن خالد الأشج.
وغلب يحيى بن يحيى جميعهم على رأي الأمير عبد الرحمن، وألوى بإيثاره، فصار يلتزم من إعظامه وتكريمه وتنفيذ أموره ما يلتزمه الولد لأبيه، فلا يستقضي قاضيًا ولا يعقد عقدًا ولا يمضي في الديانة أمرًا إلا عن رأيه وبعد مشورته، ويحيى بن يحيى في طي ذلك يعترف للأمير عبد الرحمن بجميل ذلك، فلا يأتلي في ذكر إحماد سيرته، ووصف معدلته وتزيين آثاره لدى رعيته، وتحضيضهم على طاعته، واستنهاضهم لتكاليفه، يتأتي لذلك بلطف تناوله وسلامة جانبه، وكأنه لا يقصده، ويرى السلطان منفعته، فيزداد في إعظام قدر الشيخ يحيى بصيرة، ولا ينقض لرياسته مريرة.
قرأت في كتاب معاوية بن هشام الشيبنسي قال: حدثني أبي هشام قال: سمعت الفقيه أصبغ بن خليل يقول: خرج الأمير عبد الرحمن بن الحكم غازيًا إلى بعض أهل الخلاف بالغرب الأقصى، وعقده على أن لا يدخل إلى دار الحرب سنته، فلم يستنفر أهل الموسطة، واقتصر على مدونته، فلما تهيأ له مراده في عصاة أهل الغرب وأصلحه بدا له في القفول إلى الحضرة، ورأى الدخول إلى بلد العدو، وإتمام غزوته بالصمد إلى نكايته؛ فتقدم في تهيئة ذلك، ووافى كتابه على البريد إلى ولده محمد بن عبد الرحمن، وهو مخلفه على قرطبة، ليلتزم للكون بالسطح على باب السدة من قصر الخلافة مبيت الأمير على العادة فأمره باستنفار الناس نحوه، وأخذ بتعجيل الخروج إليه واللحاق به بمكان رسمه.
لهم وجه عزيمته، وأمره أن يحضر ويقرئ الناس كتاب الأمير.
[ ١٨٠ ]
فوافينا محمدًا، وهو يومئذ أمرد، ما في وجهه شعرة، فسلمنا عليه، وقضينا حقه وجلسنا على منازلنا بين يديه، وأبطأ الشيخ يحيى بن يحيى، والعيون تتطلع نحوه، فكان آخر القوم مجيئًا، وصار الولد أشد عليه من على جميعهم إقبالًا، وإليه انعطافًا، وبه بشا، فأجلسه معه على فراشه، وأحفى يحيى سؤاله، ودعا له.
ثم أمر محمد عند ذلك بقراءة كتاب الأمير عبد الرحمن علينا بالاستنفار، فأصغينا إليه. فلما فرغ بدر يحيى بن يحيى فقال: نعم، أصلح الله الأمير. الواجب علينا الخفوف إلى الإمام أصلحه الله وأيده، والبدار إلى اللحاق به، وألا يعتذر في ذلك منا إلا معتذر قد أنزل الله في كتابه عذره لا سواه.
فقيل للناس: قد سمعتم، فقوموا فانظروا في جهازكم على بركة الله. وعجلوا للخروج، فآخر مواقيتكم يوم كذا.
فقام الناس، ولم يتحرك الشيخ يحيى بن يحيى في ذلك عن مكانه.
قال أصبغ: وورد علي منهم النفير بما لا قبل لي به، إذ كنت مقلًا لا مال لي، ولا نهوض بي، فاشتد علي، وخبت فصاحتي. ولما رأيت يحيى لا يشير إلى القيام، وكنت على ظن أن له خبرًا أردت الوقوف عليه، وكانت لي مكانة من صاحب المدينة المتولي للقصة انبسطت من أجلها بالجلوس.
فلما لم يبق غيري أقبل يحيى على الولد محمد، فقال: قد يرى الأمير ضعفي على النفر لشيخي ووهني وأن مثلي لا يستطيع الغزو، ولكني أبعث ابني عبد الله في مثل العدة التي كنت إغزوا بها، فإنه - إن شاء الله - أغنى
[ ١٨١ ]
وأجدى مني. فإن رأى الأمير سيدي أن يكتب إلى الإمام - أيده الله - بعذري ومكان طويتي فعل. فقد كرهت أن أعتذر بمحضر الملأ، لئلا أوجد لمن ليس له عذري سبيلًا إلى الاعتذار.
فشكر له محمد فعله، واستحسن فيه رأيه، ووعده بتجديد المخاطبة في شأنه.
فقام يحيى، وذهبت إلى القيام، وقد هبت الكلام، فقال لي صاحب المدينة: قد علمت الذي تذهب إليه والذي تستحيى الكلام من أجله. وحقك لازم لي، فأنت مخير بين أن تنفذ لرأي الإمام فتلحق به مستريحًا للهم عن قلبك، وبين أن تدخل بيتك، وتغلق بابك عليك، فلا تخرج عنه لشيء من الأشياء إلى أن يقفل الإمام أصلحه الله، وأنا من وراء الحفظ لك بحول الله.
نقال: فاخترت لزوم بيتي، فلم أخرج منه إلى أن قفل الأمير، فلم أهج بإغضاء صاحب المدينة، وأقام على بينة من أمري، إذ تبين له عذري.
قال ابن عبد البر: وكانت فتيا القضاة في مدة عبد الرحمن بن الحكم تدور على نفر من الجلة ماتوا في أيام الأمير عبد الرحمن في مدة مختلفة، إلا عبد الملك بن حبيب، فإنه استأخر بعد آخرهم موتًا إلى أن هلك الأمير عبد الرحمن، فلحق عبد الملك من أيام ولده
[ ١٨٢ ]
الأمير محمد بن عبد الرحمن ستة أشهر أو نحوها، ثم تبع أصحابه - رحمة الله تعالى عليهم -، فقرضت زمرتهم، وانقلبت رياسة الفتوى إلى من تلاهم.
وكان من مشاهير من رحل إلى المشرق في طلب العلم وانتقاء الرواية من أهل قرطبة فأدرك الغاية: محمد بن يوسف بن مطروح، ومحمد بن حارث، وأبو زيد عبد الرحمن ابن إبراهيم، وعبد الأعلى بن وهب، وبقي بن مخلد رضي الله تعالى عنه، ومحمد بن وضاح، ويحيى بن إبراهيم بن مزين، وأبان بن عيسى بن دينار، وعبيد الله بن يحيى بن يحيى، وكان من آخرهم رحلة في أخريات الأمير عبد الرحمن فتشور من أعيان هؤلاء اللاحقين في أيام الأمير عبد الرحمن: عبد الأعلى بن وهب، وأصبغ ابن خليل.
قال: واعتلت منزلة عبد الملك بن حبيب عند الأمير عبد الرحمن، ولا سيما من بعد وفاة الشيخ يحيى بن يحيى، فإنه تفرد بأثرته، وحل منزلته، فلم يكن يقدم أحدًا من أصحابه عليه، ولا يعدل بمشورته عنه.
وذكر معاوية بن هشام الشبانسي قال: كانت في أيام الأمير عبد الرحمن مخارج للناس إلى الاستسقاء في زمن الجدوب، وكان البروز في أكثرها إلى مصلى الربض بعدوة نهر قرطبة الدنيا، أسفلها معهدًا مصلى الأعياد. فحضرهم مخرج استسقاء آخر أيام الأمير عبد الرحمن بعد مهلك نصر الخصي خليفته الغالب على رأيه، أنذر الناس به ليوم بعينه إلى الربض على عادتهم، فأنكر ذلك الفقيه عبد الملك بن حبيب، وكتب إلى الأمير عبد الرحمن يذكر أن نصرًا هو الذي عاق الناس عن مصلى المصارة، وتولع بصرف بروزهم إلى مصلى الربض لقربه من قصره هناك، وقد دفعه مشيه نحوه، ويذكر أن البروز إلى مصلى المصارة المتصل بالبلد
[ ١٨٣ ]
أرفق بالناس وأحوط، على ازدحامهم في القنطرة، فقد صح عنده أن جماعة منهم هلكوا يوم الاستسقاء غرقًا في النهر فأثقلوا قاربًا ونزلوا فيه لياذًا من ضيق القنطرة، فرسب بهم، وهلك منهم جماعة، وأن من آفات ازدحام الناس في القنطرة ما بلغه من أن أحدثًا.
والمزعج للخوف فمصلى المصارة أرفق بالناس كافة، فإن من حركته منهم إراقة أو انتقضت به طهارته تقارب عليه شط النهر، فدب الناس من قرب، ونال حاجته بسرعة، ومن طلب منهم التستر لشأنه أمكنه الاستجنان بداخل الجنات الملاقية للمصارة فتبرى فيها من غير بعد عن مصلاه. فصوب الأمير رأيه، وانصرف البروز للاستسقاء إلى مصلى المصارة الذي اختاره عبد الملك.
وذكر القاضي أبو الوليد ابن الفرضي قال:
بلغ من ابنساط الفقيه عبد الملك بن حبيب على الأمير عبد الرحمن أن كتب إليه في يوم عاشوراء: من البسيط
لا تنسى لا ينسك الرحمن عاشورا واذكره لا زلت في الأحياء مذكورًا
قال الرسول صلاة الله تشمله قولًا وجدنا عليه الحق والنورا:
من بات في ليل عاشوراء ذا سعة يكن بعيشته في الحول محبورًا
[ ١٨٤ ]
فارغب فديتك فيما فيه رغبناخير الورى كلهم حيًا ومقبورًا
وقرأت بخط عبادة الشاعر قال: كان يحيى بن يحيى وأصحابه الفقهاء يحسدون عبد الملك بن حبيب لتقدمه عليهم بعلومٍ لم يكونوا يعلمونها ولا يشرعون فيها، إذ كان مع تقدمه في الفقه والحديث عالمًا بالإعراب واللغة، مفتنًا في العلوم القديمة، متصرفًا في الآداب الناصعة، له تواليف جمة في أكثر هذه الفنون، منها كتابه في إعراب القرآن، وفي شرح الحديث، وفي الأنساب وفي النجوم، وغيرها.
وله بيت شعر في التعريض ببعض قضاة الأمير عبد الرحمن ضمنه كتابًا خاطبه به في شأنه: من الخفيف:
كان بالقاسطين منا رؤوفًا وعلى المقسطين سوط عذاب
[ ١٨٥ ]