قال أحمد بن محمد: كان وزراء الأمير عبد الرحمن: العباس بن عبد الله القرشي؛ الوليد بن عبد الله القرشي، عبيد الله بن يحيى بن خالد، عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث الحاجب القائد الكاتب؛ عبد الرؤوف بن عبد السلام؛ عيسى بن شهيد الحاجب؛ عبد الرحمن ابن رستم الحاجب؛ محمد بن السليم؛ وكانت له مع الوزارة خطط يرتزق عليها في كل شهر ثلاثمائة دينار؛ محمد بن عبد السلام بن بسيل، وكانت تلك سبيله؛ عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني، وكانت أرزاقه تنتهي إلى العدد المذكرو؛ عبد العزيز ابن هشام بن خالد، وكانت أرزاقه أيضًا عظيمة؛ عبد الرحمن بن عبد الحميد بن عبد الحميد بن غانم، محمد بن كليب بن ثعلبة، وكان قبل وزارته على الشرطة؛ يوسف ابن بخت؛ عبد الله بن أمية بن يزيد؛ حسن بن عبد الغافر بن أبي عبدة.
قال ابن القوطية: والأمير عبد الرحمن أول من ألزم هؤلاء الوزراء الاختلاف إلى القصر كل يوم، والتكلم معهم في الرأي، والمشورة لهم في النوازل، وأفردهم ببيت رفيع داخل قصره مخصوص بهم يقصدون إليه ويجلسون فيه فوق أرائك قد نضدت لهم، يستدعيهم إذا شاء إلى مجلسه جماعة وأشتاتًا، يخوض معهم فيما يطالع به من أمور مملكته، ويفحص معهم الرأي فيما يبرمه من أحكامه. وإذا قعدوا في بيتهم أخرج رقاعه ورسائله إليهم بأمره ونهيه فينظرون فيما يصدر إليهم من عزائمه. جرى على ذلك من تلاهم إلى اليوم.
[ ١٦٨ ]
قال ابن مفرج: وكان قد اجتمع للأمير عبد الرحمن من سراة الوزراء أولى الحلوم والنهي والمعرفة والذكاء عصابة لم يجتمع مثلها عند أحد من الخلفاء قبلهم ولا بعدهم. وسماهم حسبما تقدم، فزاد فيهم ابن مفرج عبد العزيز بن هاشم الملقب سعاد من غير تسمية ابن شهيد.
قال أبو بكر: لم يختلف أحد من شيوخ الأندلس في أنه ما خدم ملوك بني أمية فيها أحد أكرم من عيسى بن شهيد غاية، ولا أكرم اصطناعًا، ولا أرعى لذمة. ولقد كان الحاجب قبله عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث بهذه الصفة، على زيادة خصاله وأدواته على عيسى إلا في باب كرم الصنيعة واستتمامها، فلم يك يفضله درجة، بل كان عبد الكريم يقصر عن عيسى في باب قبول الهدية وتجويز المكافأة على قضاء الحاجة، فإنه كان يقبل ذلك ولا يأباه، وكان عيسى على الضد منه في هذا الباب: لا يقبل شيئًا منه ألبتة، وكان يهجر من عرضه إليه، ولا يرضى فيمن يتقلده من صنائعه ويشمله بنعمته إلا بغاية التشريف والإنهاض، والتخويل والإمداد.
فمن مشهور ذلك فعله في عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني، فإنه قدم إلى الأندلس وهو فتى متأدب ظريف، كان يشدو شيئًا من الغناء على مذاهب الفتيان، فاعتلق بحبل ابن شهيد وهو صاحب الأمير عبد الرحمن بن الحكم، فبلا منه فضلًا وحجى.
فقال له: أمسك عن الغناء البتة، فإنه يريبك لدينا، وتحقق بأدبك، وتنبه لحظك، فلك خصال تجذب بضبعك! ففعل عبد الواحد ذلك، ولزم عيسى، فألقى دكره إلى الأمير عبد الرحمن، وأوصله إليه، فأصابه على ما وصفه له عيسى، فقبلته نفسه، وحركه عنده حظه، فأدنى
[ ١٦٩ ]
منزلته، ومكن خصوصيته، حتى نادمه وأنس به، ثم استخدمه ونقله في منازل الخدمة حتى خوله المدينة، ثم رقاه إلى الوزارة والقيادة.