يطلق اسم (المماليك) اصطلاحا، على أولئك الرقيق- الأبيض غالبا- الذين درج بعض الحكام المسلمين على استحضارهم من أقطار مختلفة وتربيتهم تربية خاصة، تجعل منهم محاربين أشداء، استطاعوا فيما بعد أن يسيطروا على الحكم في مصر وأحيانا الشام والحجاز وغيرها قرابة الثلاثة قرون من الزمان ما بين ٦٤٨-٩٢٢ هـ (١٢٥٠-١٥١٧م) .
وكلمة (مماليك): جمع مملوك، وهو الرقيق الذي يباع ويشترى، وهي اسم مفعول من الفعل (ملك)، واسم الفاعل (مالك) والمملوك هو عبد مالكه١، ولكنه يختلف عن العبد الذي بمعنى الخادم٢. كما أن كلمة (مماليك) تختلف في معناها عن كلمة (موالي)
_________________
(١) ١ د. علي إبراهيم حسن، تاريخ المماليك البحرية، ص: ٢٣، ٢٤، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الثالثة، ١٩٦٧ م. ابن منظور: لسان العرب كلمة (ملك) . ٢ جاء في الموسوعة الإسلامية encyclopidia of Islam: art mamluk ١٣، p.٢٣٠"تعني كلمة مملوك ما يملك بقصد تربيته والاستعانة به كجند وحكام، على عكس لفظ (العبيد) التي تعني العبودية، فالعبد يعني الأسود بينما قد يكون المملوك أبيضا، ويشتري الحكام الرقيق الأبيضا من أسواق النخاسة لتكوين فرقة عسكرية خاصة. انظر عبد المنعم ماجد: سلاطين دولة المماليك ورسومهم في مصر: ١/ ١١، مكتبة الأنجلو.
[ ١٠٧ ]
التي مفردها (مولى) ١، والتي تعني- اصطلاحا- عند المؤرخين المسلمين: كل من أسلم من غير العرب. فالموالي قد يكون أصل بعضهم من أسرى الحروب الذين استرقوا ثم أعتقوا، أو من أهل البلاد المفتوحة الذين انضموا إلى العرب فصاروا موالي بالحلف والموالاة٢.
والرق وأسباب الاسترقاق قديم قدم الإنسان، عرفته الأمم الغابرة من سكان ما بين النهرين، ووادي النيل، واليونان، والرومان، والعرب في الجزيرة العربية، وأقرته معظم الديانات كاليهودية والنصرانية، أما الإسلام فإنه لم ينص على إلغائه وتحريمه صراحة، ولكنه حض على تحرير الأرقاء، وعلى حسن معاملتهم، كما نظم العلاقة بينهم وبين سادتهم٣ بما يجعلهم إخوانا في الإسلام والإنسانية متحابين، يعلم كل منهم حقوقه وواجباته، حتى صار الكثيرون من الموالي شديدي الوفاء والإخلاص لسادتهم.
والتاريخ الإسلامي ملئ بأمثلة تدل على أن المسلمين استجابوا لشرائع دينهم، فأكرموا هؤلاء الموالي والأرقاء، ووثقوا بهم، ورفعوهم إلى أعلى الدرجات، ولو أردنا أن نذكر جميع الأمثلة على ذلك لأطلنا، ولكنني أجتزئ بعض الأمثلة على ذلك، فقد تولى وردان مولى عمرو بن العاص خراج مصر٤، واستعمل مسلمة بن مخلد- والي مصر وأفريقيا في عهد معاوية بن أبي سفيان- استعمل مولاه أبا المهاجر دينار على أفريقية عام ٥٠ هـ٥. كما ولى أفريقية عام ٧٣ هـ تليد مولى عبد العزيز بن مروان٦. وكان موسى بن نصير القائد
_________________
(١) ١ المولى والولي: بمعنى واحد في كلام العرب، وهو يدل على عدة مسميات، فهو الرب، والمالك، والسيد، والمنعم، والمعتق، والناصر، والمحب، والتابع، والجار؟ وابن العم، والحليف، والعقيد، والصهر، والعبد، والمعتق. ابن منظور: لسان العرب: ٥/ ٤٠٩، القاموس المحيط: ٤/ ٢٩٤. انظر: د. جميل المصري، الموالي، موقف الدولة الأموية منهم، صر: ٢٣، دار أم القرى للنشر والتوزيع، عمان، ١٩٨٨م، الطبعة الأولى. ٢ ابن خلدون، عبد الرحمن بن أحمد (٨. ٨هـ - ٥ ١٤٠ هـ)، مقدمة ابن خلدون، ص: ٩٦، بيروت، ١٩٠٠ م. ٣ حض الإسلام على تحرير الأرقاء، وجعل ذلك من أعظم الصدفات وكفارة للظهار والأيمان، والقتل الخطأ وغير ذلك من الذنوب الكبيرة ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ سورة البلد، آية: ١١، ١٢. كما حض الرسول ﷺ على حسن معاملة الرقيق (إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم؟ فمن كان أخو تحت يده، فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفهم ما يثقلهم، فإن كلفتموهم فأعينهم عليه) صحيح البخاري جـ ١ باب ٢٢ الإيمان ٤ ابن عبد الحكم، ٢٥٧ هـ- ٨٧٤ م، أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن الحكم، فتوح مصر "والمغرب، ١٩٢٤ م. ٥ الطبري، ٠ ٣١ هـ- ٩٢٣ م، أبو جعفر محمد به جرير، تاريخ الرسل والملوك، ١٣ جزءا ٠ ١٨٩، ص ٦٧، وابن عبد الحكم ص:١٩٧. ٦ ابن عبد الحكم، ص: ٢٠٣.
[ ١٠٨ ]
المشهور، وفاتح أفريقيا، مولى لامرأة لخمية، وقيل بل مولى لبني أمية١.
كما كان طارق بن زياد وهو بربري من قبيلة نفرة٢ مولى لموسى بن نصير٣.
وكان العالم الجليل الحسن البصري مولى لزيد بن ثابت ﵁ من سبي ميسان٤.
هذا وقد حذا العباسيون حذو سابقيهم من الأمويين والراشدين في الاستعانة بالموالي ومعظمهم من مماليكهم، حيث روى عن أبي جعفر المنصور أنه سأل أحد الأمويين عمن وجد الأمويون عندهم الوفاء بعدما أصابهم فقال: الموالي، فقرر المنصور أن يعتمد على مواليه ويستعين بهم٥.
وكان الخليفة المأمون العباسي (١٩٨- ٨ ١ ٢ هـ) - (٨١٣ - ٨٣٣ م) أول من استكثر من المماليك، حيث ضم بلاطه عددا من هؤلاء المماليك المعتوقين٦، ثم تلاه أخوه المعتصم (٢١٨-٢٢٧ هـ) - (٨٣٣ هـ ٨٤٣ م) الذي أراد أن يحد منِ نفوذ جنوده من الفرس والعرب فكون جيشا أغلبه من التركمان٧، كان يشتريهم صغارًا ويربيهم حتى وصل عددهم إلى عشرين ألفا٨.
أما أحمد بن طولون والي مصر، فقد اعتمد على المماليك اعتمادا يكاد يكون كليا، حيث كان والده طولون مملوكا تركيا أهدي للمأمون عام ٢٠٠ هـ (٨١٥ م)، فقد أحضر أحمد هذه المماليك من بلاد جنوب بحر قزوين وبلاد الديلم، حتى زادوا عن الأربعة عشر ألف تركي وأربعين ألف مملوك أسود، بالإضافة لسبعة آلاف من المرتزقة٩.
_________________
(١) ١ الذهبي ٧٤٨ هـ، شمس الدين محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء٤ /٤٩٧. ٢ ابن خلدون ٨٠٨ هـ، ١٤٠٥ م، العبر وديوان المبتدأ والخبر، ٨ أجزاء، ٤/ ٤٠٢، القاهرة، ١٢٨٤. ٣ الذهبي: ٤١٧. ٤ المرجع السابق ٥٦٤٠. ٥ ابن الأثير ٦٣٠ هـ (١٢٣٢ م) علي بن محمد الجزري، الكامل في التاريخ ١٢ جزءًا، بولاق،١٣٩٠م: ٥/٤٩. انظر: د. جميل المصري، الموالي: ٤٣. ٦ علي إبراهيم حسن، تاريخ المماليك الحرية، ص ٢٣، مكتبة الفضة المصرية، الطبعة الثالثة، ١٩٦٧ م. Hitti، p.k.، the history of the Arabs، (London ١٩٤٠) p.٤٦٦. ٧ ابن كثير، البداية والنهاية ١٠/ ٢٩٦. ٨ السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، تاريخ الخلفاء، أمراء المؤمنين القائمين بأمر الدولة، المطبعة الأميرية، ١٣٥١، ٩١١هـ (١٥٠٥ م) ٩ المقريزيَ، تقي الدين أحمد بن علي، ٨٤٥ هـ (١٤٤١م) المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار: ٩٤، جزءان، بولاق ١٢٧٠ هـ تحقيق مصطفى زياد.
[ ١٠٩ ]
وقام الأخشيديون بالسير على نفس السياسة، حتى أن محمد بن طغج الأخشيد مؤسس دولتهم في مصر ٣٢٣- ٣٥٨ هـ (٩٣٥-٩٦٩م) ١، جعل منهم جيشا يضم أربعمائة ألف من الديلم والترك، بالإضافة لحرسه الخاص الذيَ تجاوز الثمانية آلاف٢.
وأعتمد الفاطميون خلال حكمهم في أفريقيا على المغاربة المصامدة٣، وعندما استولوا على مصر عام ٣٥٨هـ (٩٦٩ م) استكثروا من الديلم والأتراك والغز والأكراد.
أما الأيوبيون، فإن استكثارهم من المماليك كان سببا في قيام الدولة المملوكية، حيث إنهم قاموا منذ وقت مبكرين دولتهم ٥٩٧ هـ (١٢٠٠م)، بجلب أعداد كبيرة من المماليك الصغار عن طريق النخاسين الذين كانوا يحضرونهم من شبه جزيرة القرم، وبلاد القوقاز والقفجاق٤، وما وراء النهر، وآسيا الصغرى، وفارس، وتركستان، وحتى من البلاد الأوربية٥ حيث ازدهرت حركة تجارة لنخاسة في أوربا قبل عصر المماليك، ومارسها البنادقة٦ والجنويون فكانوا يشترون المماليك من سواحل البحر االأسود ويبيعونهم في مصر، فبلغ من كانوا يبيعونهم في العام الواحد ألفين من المغول والشراكسة والروم والألبانيين والصقالية والعرب٧.
وكانت أشهر أسواق بيع هؤلاء المماليك، خان مسرور في القاهرة٨، وسوق الإسكندرية. والذي شجع الأيوبيين في مصر والشام على الاستكثار من هؤلاء المماليك هو ضعف شأنهم بعد وفاة صلاح الدين ﵀ ٥٨٩ هـ (١١٩٣م)، وانقسام الدولة بين الأيوبيين الذين لقبوا أنفسهم بالملوك في كل من مصر، ودمشق، وحلب، والكرك، وبعلبك، وحمص، وحماه، حيث قامت بينهم منافسات وحروب كثيرة، كما قامت بينهم من
_________________
(١) ١ أبو النحاس، جمال الدين يوسف بن تغري بردي ٨٧٤هـ - ١٤٩٦م، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ٩ أجزاء: ٣/٥٩، دار الكتب، ١٩٣٩م. ٢ علي إبراهيم حسن، تاريخ المماليك البحرية، ص: ٢٤. ٣ نسبة إلى قبيلة مصمودة المشهورة في شمال إفريقية. ٤ وتشمل حوض الفلجا والأراضي الواقعة حول بحر قزوين. ٥ عاشور، سعيد عبد الفتاح، الحركة الصليبية: ٢/١٠٧٥، الطبعة الأولى، مكتبة الأنجلو المصرية، ١٩٦٣م. ٦ انظر: علي إبراهيم حسن، تاريخ المماليك البحرية ص: ٢٥ حاشية: ٣،٢. Heyd، w.، histoire du commerce du Levant au moyen age. ٢ vols (Leipzig ١٨٩٩) p. ٤٤٢ heyd. Op. cit. p. ٤٤٣،٥٦٠. ٧ ٨ المقريزي ٨٤٥هـ (١٤٤٢م) تقي الدين بن أحمد بن علي: ٢/٩٢، المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار، جزءان، بولاق، ١٢٧٠هـ.
[ ١١٠ ]
جهة وبين أبناء البيوتات الأخرى مثل آل زنكي وأهل البلاد الآخرين حروب مشابهة١، مما اضطر كل منهم للبحث عن عصبية تحميه وقت الشدة، وتساعده في صد أعدائه، فكان الإكثار من الرقيق الأبيض (المماليك) خير وسيلة لتحقيق ذلك وللوقوف في وجه الصليبيين في الشام، ولذلك بني لهم الملك الصالح- نجم الدين أيوب ٦٣٧-٦٤٧ هـ (١٢٤٠-١٢٥٠م) المعسكرات في جزيرة الروضة ٦٣٨ هـ (١٢٤١م) وسماهم بالمماليك البحرية٢ الصالحية، وسكن في القلعة عندهم ورتب جماعة منهم حول دهليز، واعتمد عليهم في صد غزوة لويس التاسع بمصر.
ومما زاد من دالتهم عليه كونهم قد دبروا مؤامرة لخلع العادل الثاني وأحلوا الملك الصالح محله ٦٣٧ هـ (١٢٣٩م)، ثم زاد خطرهم حتى أنهم دبروا مؤامرة لقتله عندما غضب عليهم لإهمالهم في الدفاع عن دمياط أمام لويس التاسع٣ عام ٦٤٧ هـ، ولولا مرضه الذي توفى فيه لما نجا من شرهم٤.
_________________
(١) ١ عاشور: سعيد عبد الفتاح، العصر المملوكي في مصر والشام، ص: ٣. ٢ نسبة إلى بحر النيل الذي أحاط بثكناتهم في جزيرة الروضة، ولكن الدكتور أحمد مختار العبادي في كتابه "قيام دولة المماليك الأولى في مصر والشام " ص: ٩٧ يرى أن هده النسبة غير صحيحة، وكان أول من شك في صحتها هو الأستاذ محمد مصطفى زيادة في بحثه المنشور بمجلة كلية آداب القاهرة، المجلد الرابع، ١٩٣٦م، بعنوان: (بعصر ملاحظات جديدة في تاريخ دولة المماليك)، وان مما يؤيد عدم صحة هذه النسبة إلى بحر النيل أن المؤرخين المعاصرين للصالح أيوب أمثال ابن واصل، وأبي شامة، لم يشيروا إلى بحر النيل كأصل لكلمة بحرية، وان المتأخرين كالمقريزي وأبو المحاسن مم الذين أوردوا هذه التسمية. بالإضافة لأن الفاطميين قد استعملوا هذه التسمية قبل الملك الصالح، فكانوا يطلقون على قسم من جنسهم اسم (العمل البحرية) (أبو المحاسن ٨٧٤هـ (١٤٦٥م) جمال الدين يوسف بن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرةَ، ١٣جزءًا، القاهرة، ١٩٤٣: ٤/ ٩٠، كما أن جد الملك الصالح وهو السلطان العادل الأول كانت له فرقة مماليك سماها (البحرية العادلة) . د. محمد زيادة، المرجع السابق. وذكر الخررجي علي بن حسن (القرن الثامن الهجري) في العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية، جزءان ١/٨٢، أن سلطان اليمن نور الدين عمر بن رسول ٦٤٧ هـ (١٢٤٩م) كان له مماليك بحرية رغم بعد اليمن عن نهر النيل. والأغلب أن التسمية جاءت من أنهم جلبوا من وراء البحار، حيث ذكر جونفيل الذي حارب جند المماليك في حملة لويس التاسع وأسر- "إنهم سموا بحرية أو رجال ما وراء البحر". Joinville، jean sire de history of st. Louis. Tr. Joan Evans. P. ٨٤ ٣ انظر: حول سيرة لويس التاسع، العدوان الصليبي على مصر للدكتور جوزيف نسيم يوسف، دار النهضة العربية، ص:٣٣ وما بعدها. ٤ المقريزي ٨٤٥ هـ- ١٤٤٢، السلوك: ١/ ١٤٦-١٤٧، تحقيق محمد زيادة، القاهرة،١٩٣٠م.
[ ١١١ ]