وعند ذلك رأى المماليك البحرية الصالحية المؤيدين لشجر الدر أنه لابد لهم من حل لهذا الموقف وقالوا: "لا يمكننا حفظ البلاد والملك لامرأة، ولابد من إقامة رجل للمملكة تجتمع الكلمة عليه"٦.
_________________
(١) ٦ ابن واصل، مفرج الكروب: ٢/٣٧٦.
[ ١١٩ ]
وزاد من اقتناعهم بهذا الرأي، خوفهم من خطر الناصر يوسف الأيوبي صاحب حلب١، الذي استغل هذا الموضوع لصالحه ورأى فيه فرصة سانحة للاستيلاء على مصر، فقام بالاستيلاء على دمشق وبعض نواحي الشام، مما أخاف المماليك٢ فسارعوا إلى تزويجها من الأتابك عز الدين أيبك التركماني أتابك العسكر، وتنازلت له شجر الدر عن السلطة بعد ثمانين يوما من حكمها. فأصبح معز الدين أيبك سلطانا٣- ولو بالاسم- حيث إن شجر الدر "كانت هي المسئولة عنه في كل أحواله ليس له معها كلام٤.
وقد سبق أن ذكرت أن اختيار المماليك له لهذا المنصب كان لاعتقادهم بضعفه مقارنة بأقطاي وبيرس، وأنه سيكون من السهل عليهم عزله متى شاءوا٥.
وقد خاب ظنهم فيه، حيث أثبت أيبك أنه ليس بالحاكم الألعوبة، فمنذ بداية عهده بادر إلى اغتيال أكبر منافسيه وهو خوشداشة أقطايى الجمدار عام ٦٥٢ هـ (١٢٥٤م) وساعده في ذلك كل من قطز وبهادر وسنجر وعدد من المماليك المعزية، واضطر خشداشية أقطاي من المماليك إلى الفرار، ومنهم بيبرس البندقداري وقلاوون الألفي، حيث لم يستطيّعوا مغادرة القاهرة التي كانت موصدة الأبواب، إلا بحرق إحدى الأبواب التي ظلت تسمى بالباب المحروق، وتابعوا هربهم نحو الشام وتفرقوا ما بين دمشق وحلب والكرك ودولة السلاجقة٦.
وعند ذلك قام أيبك بمصادرة أموال المماليك الفارين، وتجريد من بقي منهم في مصر من سلطاتهم، ولم يفلح الملك الناصر يوسف صاحب حلب ودمشق والمنافس السابق لشجر الدر في مساعدتهم، فاضطروا للتوجه إلى المغيث عمر في الكرك٧. ولإبطال حجة الملوك
_________________
(١) ١ هو الملك الناصر صلاح الدين يوسف، بن العزيز محمد، بن الظاهر غازي، بن صلاح الدين يوسف بن أيوب ولد ٦٢٧ هـ_ ١٢٢٩ م، وحكم حلب ٦٣٤- ٦٥٨ هـ (١٢٣٦ -١٢٦٠ م) ودمشق ٦٤٨- ٦٥٨ هـ (.١٢٥- ١٢٦٠م) وقتل ٦٥٨ هـ ١٢٦٠م. أبو شامة، الذيل ٢/ ٢٣٦ ٢ امتنع الأمراء القيمرية بدمشق عن مبايعة شجر الدر وذلك بزعامة الأمير حمال الدين بن يغمور نائب السلطة بدمشق، وكتبوا يستعينون بالملك الناصر صلا الدين بن يوسف صاحب حلب فجاء ودخل دمشق ١٠ ربيع الثاني ٦٤٨ هـ ١٢٥٠م دون قتال. ٣ المقريزي، السلوك: ١/ ٣٦٧- ٣٦٩. ٤ أبو المحاسن، النجوم: ٦/ ٣٧٤. ٥ ابن إياس، بدائع الزهور: ١/ ٤٠. ٦ المقريزي، السلوك: ١/ ٣٦٦- ٣٦٨ ٠ ابن كثير البداية والنهاية جـ١٣ ص ١٨٥. ٧ هو الملك المغيث، فتح الدين عمر بن العادل سيف الدين أبي بكر بن الكامل بن العادل بن أيوب، كان بالقَاهرة عند عماته وذلك لدى موت الملك الصالح أيوب، فاعتقله الأمير حسام الدين نائب السلطنة حتى لا ينصبه فخر الدين ملكا، ولما جاء تورانشاه وتولى السلطنة، نفاه إلى الشوبك وسجنه، وهو آخر ملك أيوبي على الكرك، قبض عليه بيبرس وقتله عام ٦٦١ هـ (١٢٦٣م) . (القلقشندي، صبح الأعشى: ٤/ ١٧٦)
[ ١٢٠ ]
الأيوبيين في الشام، ومطالبتهم بعرش مصر، قام أيبك بتولية الطفل الأشرف، موسى الأيوبي١ السلطنة وهو في السادسة من عمره، وجعله شريكا له في الحكم، فخطب باسمهما على المنابر وسكت العملة باسمهما٢.
ولما لم تنطِل حيلته هذه على الناس، التجأ أيبك إلى الاستعانة بالخليفة العباسي المستعصم بالله في بغداد، ونصب نفسه نائبا له على مصر٣، ثم أخذ في الاستعداد للتصدي للملك الناصر يوسف، الذي كان قد كاتب الملك لويس التاسع في عكا، عارضا عليه التعاون ضد أيبك مقابل تسليمه القدس للصليبين- وكانت تحت حكم الأيوبيين-. ولما علم أيبك بهذه المفاوضات أرسل إلى لويس التاسع مهددا بقتل أسرىَ الصليبيين الذين لديه، وواعدا إياه إن رفض عرض الناصر أن يقوم بتعديل اتفاقية دمياط لإعفائه من نصف الفدية المتفق عليها، وطلب منه بدوره أن ينضم إلى جانبه، فرد عليه لويس بأنه قرر الوقوف على الحياد بينه وبن الناصر٤.
وتقدم الملك الناصر حتى العباسية بين مدينتي بلبيس والصالحية ٦٤٩ هـ- ١٢٥١م فهزمه أيبك٥ بسبب انحياز مماليكه العزيزية إلى المماليك، ولاحقه حتى الشام، واتفق أيبك مع لويس التاسع على أن يساعده ضد الناصر يوسف مقابل تسليمه القدس، ولكن هذا الاتفاق لم ينفذ، حيث تدخل الخليفة العباسي بين الناصر وأيبك ٦٥١ هـ (١٢٥٣م) لمنع تسليم القدس للصليبيين حيث أرسل رسوله الشيخ نجم الدين البادورائي فأصلح بين صاحب مصر وصاحب الشام، وأيضا لإحساسه- أي الخليفة- ببداية الخطر المغولي الذي داهم الخلافة من الشرق٦. واتفق على أن تكون مصر وجنوب فلسطين بما فيها غزة والقدس للمماليك٧.
_________________
(١) ١ الملك الأشرف مصطفى الدين موسى بر الناصر يوسف بن الملك المسعود بن الملك الكامل، بن العادل بن أيوب، أقيم في السلطة سنة ٦٤٨ هـ، وخلعه أيبك سنة ٦٥٠هـ، وظل اسمه يذكر في الخطبة حتى سنة ٦٥٢هـ. (ابن واصل، مفرج الكروب جـ٢، لوحة ٣٧٦) . ٢ المقريزي، السلوك:١/ ٣٦٩ ٠ابن إياس، بدائع الزهور:١/٩٠. أفاد ابن كثير، البداية والنهاية ص١٧٩، إن عمره كان عشر سنين. ٣ أبو الفداء، المختصر: ٣/ ١٩٢. ٤ جوزيف نسيم، العدوان الصليبي على مصر ص ٢٧٤. ٥ ابن واصل، مفرج الكروب: ٣٨٢، ٣٨٣. ٦ المقريزي، الخطط: ٣٨٥ – ٣٨٦. وابن كثير، البداية والنهاية جـ١٣ ص ١٨٤. ٧ المقريزي، السلوك: ١/٣٨٥ _٣٨٦. انظر: تفصيل ذلك في ص ٢٢٣ من هذا الباب.
[ ١٢١ ]
ثم دب الخلاف بين أيبك وزوجته شجر الدر، بسبب تسلطها وشدة غيرتها عليه، فحاول أن يتزوج من ابنة بدر الدين لؤلؤ الأتابكي صاحب الموصل، نكاية بها خصوصا وقد شعر بتآمرها مع أنصارها من المماليك البحرية عليه وعلى مماليكه المعزية١.
وعندما علمت شجر الدر بخطة هذا الزواج، ازدادت معارضتها وتآمرها مع المماليك البحرية وضوحا وتحديا، مما دفعه لسجن من بقي من هؤلاء المماليك في القاهرة، متحديا بذلك شجر الدر، مما جعلها تقرر قتله، وتتصل سرا بالملك الناصر في دمشق تعرض عليه التعاون معها في ذلك، وأن يتزوجها ويشركها معه في السلطة مقابل تسليمه مصر، ولكن الناصر لم يتحمس لهذا العرض ظانا أنه خدعة منها٢. وعَلم بدر الدين لؤلؤ بأخبار هذا الاتصال بين شجر الدر والناصر يوسف، فقام بإعلام أيبك به، فاحتاط لنفسه من غدر شجر الدر، وقرر في طويته قتلها، ولم تلبث شجر الدر أن سبقته في تنفيذ عزمها بأن تحايلت عليه، فاستدعته إلى القلعة- بعد أن كان هجرها إلى مناظر اللوق- ودست إليه خمسة من غلمانها فقتلوه في الحمام، وذلك في ٢٣ ربيع الأول ٦٥٥هـ (١٢٥٧م) ٣.
_________________
(١) ١ المقريزي، السلوك:١/ ٣٩٥، والمعزية نسبةَ إليه (معز الدين أيبك) . ٢ المقريزي، السلوك:١/ ٤٠٢. ٣ أبو المحاسن، النجوم: ٦/٣٧٥- ٣٧٦. أبو الفداء، المختصر: ٦/٩٥، ٠٩٦ المقريزي، السلوك ١/٤٠٣.
[ ١٢٢ ]