لم يكد السلطان قلاوون يعتلي عرش مصر، حتى تمرد عليه نائب الشام، الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، فأعلن نفسه ملكا باسم الملك الكامل، واستولى على عدة حصون من حصون الشام، منها قلعة صهيون، ثم اتصل بأعداء المسلمين من مغول وصليبيين٦ محاولا الاستعانة بهم ضد قلاوون، مما جعل أهل الشام ينفرون منه، وينفضون من حوله، ويتخلون عن نصرته، واستغل المغول هذه الفرصة، فاحتلوا بعض حصون الشام ٧٦٩ هـ (١٢٨٠م)، واستولوا بقيادة أبغا على مدينة حلب، التي أحرقوا مساجدها ومدارسها وقتلوا معظم أهلها٧، ولم يُضع الصليبيون هذه الفرصة، فقاموا بمحاولة لاسترداد حصن الأكراد، ولكنهم فشلوا٨. وعندما علم قلاوون بهذا التحالف وهذه
_________________
(١) ٦ أبو الفداء: المحتضر، حوادث سنة ٦٧٩. ٧ أبو المحاسن: النجوم الزاهرة: ٧/ ٢٩٩. king: the knights hospitalers in the holy land. (London ١٩٣١) p٢٨٢. ٨
[ ١٣٣ ]
الجرائم خرج من مصر متوجها إلى الشام للقضاء على هذا الخطر، ولكنه لم يكد يغادر أرض مصر، حتى تعرض لمؤامرة داخلية جاءت من قبل بعض المماليك الذين يدعون بالمماليك الظاهرية١. حيث تآمروا عليه بالاتفاق سرا مع الصليبيين. فواجه الموقف بسرعة وقبض عليهم فأعدم بعضهم وسجن البعض الآخر وأعاد النظام إلى صفوف جيشه٢.
فر المغول عندما علموا بوصول جيش الناصر قلاوون إلى غزة في طريقه لمحاربتهم، فأخلوا مدينة حلب والحصون التي كانوا قد احتلوها وأسرعوا عائدين نحو العراق٣ ولم يصمد الأمير سنقر بدوره أمام جيش قلاوون وفر هاربا إِلى المغول محاولا مرة أخرى حضهم على غزو مصر٤.
عندئذ رأى السلطان قلاوون أن أخطر هؤلاء الأطراف الثلاثة المتآمرين هم المغول، عقد صلحا مع الصليبيين من داوية واسبتاريه ومع بوهيمنند السابع أمير طرابلس، مدته عشر سنوات، وذلك عام ٦٨٠ هـ (١٢٨١م) . وعفا عن الأمير سنقر الأشقر وعينه حاكما على أقليم أنطاكية٥، واتفق مع الصليبيين في عكا بأن يكونوا على الحياد. وبهذا تفرغ لمقارعة المغول الذين عادوا التوجه نحو الشام بقيادة أبغا، يؤازرهم حليفهم ليو الثالث ملك أرمينيا الصغرى، فالتقى بهم قلاوون عام ٦٨٠ هـ (١٢٨١م) في حمص وهزمهم بعد أن (هلك منهم خلق كثير) ٦.
وهنا قرر الناصر أن ينتقم من الصليبين مستغلا، نصره على المغول وغير عابئ بصلحه معهم عام ٦٨٠ هـ الذي كانت مدته عشر سنوات ولما يمض عليه سوى أربع سنوات فهاجم عام ٦٨٤ هـ (١٢٨٥م) حصن المرقب٧، ففتح ذلك الحصن الهام الذي كان فتحه خسارة كبرى للصليبيين لأنه أن أهم حصونهم٨ ثم أتبع ذلك بالاستيلاء على
_________________
(١) ١ نسبه إلى الظاهر بيبرس. ٢ مفصل بن أبي الفضائل، النهج السديد: ٢/٣٢٢. وذكر ابن إياس ٩٣٠هـ (١٥٢٣م)، أبو البركات محمد بن أحمد، بدائع الزهور في وقائع الدهور، ثلاثة أجزاء، بولاق، ١٣١٢هـ، أن هذه الحادثة من قبل المماليك الظاهرية كانت سببا لإقدام الناصر قلاوون على إنشاء المماليك البرجية. ٣ أبو المحاسن: النجوم: ٧/٢٩٩. ٤ المقريزي: السلوك: ١/٦٧٦. ٥ النويري: نهاية الأرب: جـ٢٩ ورقة ٢٧٠. ٦ رشيد الدين الهمداني (١٣١٨هـ)، جامع التواريخ: ٢/٨٣. ٧ المُرَقَّب بالفتح ثم السكون وقاف وباء بلد وقلعة حصينة تشرف على ساحل بحر الشام. زكريا بن محمد بن محمود القزويني: آثار البلاد وأخبار العباد، ص ٢٤، دار صادر، بيروت. ٨ المقريزي: السلوك: ١/٦٢٨.
[ ١٣٤ ]
اللاذقية عام ٦٨٦ هـ (١٢٨٧م) التي كانت آخر أملاك إمارة أنطاكية المتبقية بين الصليبين. بعد ذلك جاء دور طرابلس، وكانت حصينة، وقد مات أميرها بوهيمند السابع دون وريث، فدب النزاع بث الطامعين في إمارتها، حتى استعان بعضهم بالسلطان قلاوون١، فاستغل هذه الفرصة وهاجمها في جيش لجب يضم أربعين ألفا من الفرسان وأكثر من مائة ألف من الرجال، وفتحها سنة ٦٨٦ هـ (١٢٨٩م) ٢. ثم استولى على بيروت وجبله وبهذا لم يبق بيد الصليبيين سوَى صور٣ وصيدا وعتليت وعكا التي كانت مركز مملكة بيت المقدس بعد سقوط القدس.
ورأى قلاوون أن يؤجل إلى حين الاستيلاء على بقية البلاد من أيدي الصليبيين، فوافق على تجديد الهدنة معهم لمدة عشر سنوات٤ وتوجه إلى دمشق ولكن جموعا صليبية متحمسة وصلت من إيطاليا ٦٨٩ هـ (١٢٩٠م) ونزلت في عكا، وأخذت في الاعتداء على المسلمين المتواجدين خارجها، مما أغضب السلطان قلاوون ودفعه لأن يقسم على الانتقام منهم، وأخذ في الاستعداد لهذا الغرض، ولكنه توفي فجأة وهو في الطريق لتحقيقه٥ عام ٦٨٩ هـ (١٢٩٠م) .
وقد وصف ابن العمري قلاوون ﵀ بقوله: "كان رجلا مهيبا شجاعا، فتح الفتوحات الجليلة، مثل المرقب وطرابلس، التي لم يجسر أحد من الملوك مثل صلاح الدين وغيره على التعرض لها لحصانتها، وكسر جيش التتار في حمص، وكانوا في ثمانين ألفا"٦.
وقد خلف الأشرف خليل بن قلاوون أباه في السلطنة، لأن أخاه الملك الصالح على بن قلاوون الذي أقامه أبوه ملحَا في حياته قد مات في سنة ٦٨٧ هـ (١٢٨٨م) بعد أن بقي ثماني سنوات سلطانا في حياة أبيه.
ولم يكن الأشرف خليل محبوبا من الأمراء: لأنه كان قاسيا وغير متمسك بحسن الخلق٧، حتى اتهم بدس السم لأخيه علي، وقد استلم الحكم فور وفاة أبيه، وقضى على
_________________
(١) ١ أبو المحاسن: النجوم: ٧/٣٢٠_ ٣٢١. ٢ المقريزي: السلوك: ١/٦٤٦_ ٦٤٧. ٣ مدينة ساحلية حصينة على بحر الروم (البحر المتوسط) على مرتفع من الأرض. أبو الفداء، تقويم البلدان ص٢٤٣. ٤ سعيد عاشور: الحركة الصليبية: ٢/١١٧٧. ٥ المقريزي: السلوك: ١/٧٥٤. Lane_ Poole: op. cit. p. ٢٨١_ ٢٨٢ ٦ علي إبراهيم: ص: ٦١. ٧المقريزي: السلوك: ١/٧٩٢_ ٧٩٣.
[ ١٣٥ ]
الأمير حسام الدين طرنطاي نائب السلطنة الذي تآمر عليه، ثم استعد للخروج إلى الشام، ورغم محاولة الصليبيين ثنيه عن ذلك بأن أرسلوا إليه (يسألونه العفو) فإنه (لم يقبل منهم ما اعتذروا به) ١.
توجه نحو عكا، واجتمعت إليه جيوش مصر والشام سنة ٦٩٠ هـ (١٢٩١م) فقام بمحاصرتها مدة أربعة وأربعين يوما، ورماها بالمنجنيق، حتى فتحها في جمادى الأول من عام ٦٩٠ هـ (١٢٩١م)، رغم المقاومة العنيدة التي أبدتها حاميتها، وإمدادات قبرص لها٢ - حيت أن الصليبين كانوا يعلمون أنها آخر أمل لهم في البقاء في الشام- وقد فر بعض سكانها إلى عرض البحر المتوسط وتكدسوا في السفن التي غرق بعضها لكثرة من كانوا على ظهرها٣.
وبعد ذلك قام الأشرف خليل بالاستيلاء بسهولة على بقية ما تبقى بأيدي الصليبين مثل صور وحيفا اللتين قاومتا مقاومة كبيرة، ثم اضطرتا للتسليم فنجتا بذلك من التخريب٤، ثم استولى الأشرف خليل على عتليت وصيدا وانطرسوس٥، وبهذا تم القضاء نهائيا على الوجود الصليبي في الشام، وإن كان الصليبيون في جزيرة إرواد٦ المقابلة للساحل الشرقي قد ظلوا يغيرون على السواحل بين الفينة والأخرى ويقطعون الطرق، مما أزعج نائب السلطنة المملوكية على الشام، وجعله يطلب معونة السلطان الناصر محمد بن قلاوون، فجهز أسطولا ووجهه نحو هذه الجزيرة بعد أن ضم إليه جيش طرابلس ففتحها وملكها وقتل من أهلها خمسمائة٧ وذلك عام ٧٠٢ هـ (١٣٠٢م) .
وهكذا بالقضاء على الصليبين في عام ٦٩٠ هـ (١٢٩١م) وبزوال الخطر المغولي عن الشام ومصر، أصبح لدولة المماليك شأن عظيم في السياسة الدولية خصوصًا في عهد سلطانها الناصر محمد ابن قلاوون في سلطنته الثالثة.
أدرك الصليبيون في أوربا فشل محاولاتهم المتلاحقة للعدوان على بلاد الإسلام في الشام ومصر، ورأوا زوال آخر إماراتهم بعد قرنين من تأسيسها، رغم ما بذل في سبيل إقامتها
_________________
(١) ١ المقريزي: السلوك: ١/ ٧٦٢. lane_ Poole: op. cit. p. ٢٨٩٢. ٣ أبو المحاسن. النجوم: ٨/ ٦- ٧. ٤ المقريزي: السلوك: ١/ ٧٦٥. ٥ سعيد عاشور: الحركة الصليبية: ٢/ ١١٨٣، ١١٨٤. ٦ جزيرة على ساحل بلاد الشام، فتحها المسلمون سنة ٥٤هـ (انظر: لفظ إرواد في معجم البلدان) . ٧ أبو الفداء: المختصر: ٣/٤٣.
[ ١٣٦ ]
من جهود مادية ومعنوية، ومن سفك في سبيلها من دماء، كما لمسوا فتور الحماس الصليبي، بعد فشل حملتي لويس التاسع السابعة والثامنة على مصر وتونس، لذلك اضطروا إلى تقبيل اليد التي حاولوا قطعها فلجأوا إلى الدبلوماسية والمراسلات والسفراء والهدايا، علهم يحققون عن طريقها ما فشلوا في تحقيقه بالتعصب والسيف.
انهال سفراء الدول الأوربية على بلاط الملك الناصر محمد بن قلاوون في القاهرة، محملين بالهدايا والرسائل التي تلح في طلب الصداقة والموادعة، وتوثيق عرى الصداقة، في حين كان غرضها الأساسي هو استدرار عطف الناصر على النصارى في دولته، سواء من كان منهم من الأقباط في مصر أو من أهل الشام، فأرسل البابا يوحنا الثاني والعشرين في عام ٧٢٧ هـ (١٣٢٦م) رسالة إلى الناصر طالبا منه أن يعامل نصارى الشرق معاملة عادلة، مقابل معاملة مماثلة للمسلمين، فرد عليه الناصر مجيبا طلبه١.
وفي نفس السنة أرسل شارل الرابع ملك فرنسا رسالة مماثلة لنفس الغرض فرد عليه الناصر أيضا مجيبا طلبه٢، كما أرسل إليه إمبراطور بيزنطة سفراء محملين بالهدايا راجيا إياه معاملة النصارى الملكانيين لديه بالرعاية والعدل٣، فقبل الناصر طلبه، وعقد معه حلفا لصد الأتراك العثمانيين٤.
وبلغت العلاقات بين الناصر ويعقوب ملك ارغونة شأوا كبيرا بسبب المراسلات بينهما ما بين سنتي ٠٣ ٧- ٧٢٨هـ (١٣٠٣_١٣٢٧م)، التي كان هدفها إيجاد علاقة صداقة بينهما، والحصول على ميزات تجارية لأرغونة في مصر، وتسهيل الحج للأراضي المقدسة، وإطلاق سراح النصارى المسجونين في مصر، وضمان حسن معاملة الأقباط والنصارى عامة في الشرق٥.
وقد رأى الناصر محمد- الذي كان ملكا مستنيرا محنكا، يميل إلى المسالمة- رأى ذلك فرصة لتوثيق العلاقات بين دولته والآخرين في الشرق والغرب٦، يحقق بها مصالح مشتركة وخاصة حماية المسلمين في أسبانيا التي كانت خاضعة لحاكم أرغونة، بالإضافة إلى المصالح التجارية والعسكرية في الوقوف أمام الخطر التركي العثماني.
_________________
(١) ١ atiya: Egypt and Aragon. Pp. ٥٤_ ٥٥. ٢ lbid ٣ atiya: the crusades in the later middle ages. (London، ١٩٣٨) . P. ٣ ٣٧٢ ٤ lane_ Poole: Egypt in the middle ages. P. ٨٠١ ٥ انظر: إبراهيم حسن: ١٨٥. ٦ علي إبراهيم: ١٨٤_ ١٨٥.
[ ١٣٧ ]
ولا أدل عام أهمية دولة المماليك الإسلامية في هذا العصر من أن يصبح سلاطينها محط أنظار السفراء والرسل من مغول ويمنيين وأرمن ونوبيين، حتى وصفهم المقريزي بقوله١: "وفيه (٢٥ محرم ٥ ٧٢ هـ) اجتمع بمصر من رسل الملوك ما لم يجتمع منهم في الدولة التركية، وهم رسل اليمن ورسل صاحب اسطنبول! ورسل الأشكري٢ ورسل متملك سيس، ورسل أبي سعيد (ملك التتار)، ورسل ماردين ورسا ابن قرمان ورسل متملك النوبة وكلهم يبذلون الطاعة".
إلا أن هذه المكانة قد ضعفت بموت السلطان الناصر محمد فسبحان مغير الأحوال٣
_________________
(١) ١ المقريزي: السلوك: ٢/١٦٣_ ١٦٤و ١٥٩. ٢ هو نفسه صاحب اسطنبول إمبراطور الدولة البيزنطية. ٣ أبو المحاسن: المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي، ٣ أجزاء، مخطوطة بدار الكتب المصرية، رقم ١١١٣: ٣/ ٢٥٢.
[ ١٣٨ ]