كان هم القادة المماليك التخلص من السلطان تورانشاه قبل أن يتخلص منهم، ولذلك لم يفكروا فيمن سيولونه الملك من بعده، لهذا ففي اللحظة التي قتلوه فيها، وجدوا أنفسهم في حيرة من أمرهم، حيث إن المتطلعين لهذا المنصب، من قادة المماليك كثيرون، ولكن أهل مصر والملوك الأيوبيين في الشام لم يكن من السهل أن يتقبلوا جلوس مملوك علىَ عرش مصر، لهذا قرروا أن يولوا شجر الدر٧ (أم خليل) فنصبوها سلطانة على مصر في
_________________
(١) ٧ أبو شامة، الذيل على الروضتين، ص: ٩٦.
[ ١١٧ ]
الثالث من صفر عام ٦٤٨ هـ السابع من مايو آيار ١٢٥٠ هـ، في ذروة احتفال مصر بهزيمة لويس التاسع ملك فرنسا وحملته الصليبية السابعة، ومغادرتهم لدمياط، ولقبوها باسم "الملكة عصمة الدين شجر الدر والستر العالي والدة الملك خليل"١ ودعواها على المنابر، وكانت علامتها "والدة خليل" كما كان نص الدعاء لها على المنابر: "احفظ اللهم الجهة العالية الصالحية ملكة المسلمين، عصمة الدنيا والدين، أم خليل المستعصمية، صاحبة الملك الصالح" كما نقشوا على السكة "المستعصمية الصالحية، ملكة المسلمين، والدة خليل، أمير المؤمنين"٢.
وعينوا عز الدين أيبك٣ الجاشنكير الصالحي المعروف بالتركماني أحد أمراء البحرية من الصالحية أتابكا في ربيع الآخر سنة ٦٤٨هـ٤، ويبدو آن هذا التعيين لم يكن لأن أيبك كان أقوى الأمراء٥ وإنما لتجنب حلول أقطاي في هذا المركز لما كان الأمراء يخشونه من قوته وتسلطه٦.
لقد اشتهرت شجر الدر بالدهاء حتى وصفها ابن اياس بأنها "صعبة الخلق، قوية البأس، ذات شهامة زائدة، وحرمة وافرة، سكرانة من خمرة التيه والعجب"٧ وقد سبق وبينت مقدرتها الإدارية في إخفاء موت زوجها الملك الصالح بحجة مرضه، حتى لا ينخذل المسلمون أمام الصليبيين، وكيف قامت بنقله إلى القاهرة ودفنته سرا في قلعة الروضة، في حين أرسلت تستدعي أبنه تورانشاه من حصن كيفا، وحال حضوره سلمت إليه السلطة.
كان أول ما قامت به شجر الدر بعد تسلمها السلطة أن صفت الموقف مع الصليبيين، ففاوضت لويس التاسع ملك فرنسا، وقائد الحملة الفاشلة، واتفقت معه على رحيله من مصر وتسليم دمياط، وذلك في يوم الأحد الرابع من صفر ٦٤٨ هـ الثامن من مايو ١٢٥٠ م، ونص هذا الاتفاق على أن ينسحب لويس من دمياط ويردها إلى المصريين،
_________________
(١) ١ المقريزي، السلوك: ١/٣٦٢. ٢ وذكر د. أحمد العبادي في كتابه قيام دولة المماليك الأولى ص: ١١٩، أنه توجد بالمتحف البريطاني عملة ذهبية ضربت في القاهرة سنة ٦٤٨هـ تحمل ألقاب شجر المذكورة. ٣ لفظ أيبك من التركية بمعنى "الأمير القمر" وكان في الأصل مملوكا لأولاد التركماني، وهم بنو رسوم في اليمن فعرف بأيبك التركماني، ثم انتقل لخدمة الملك الصالح أيوب. (أبو المحاسن، النجوم:٧/ ١٩) . ٤ أبو الفداء، المختصر: ٦/ ٨٦. ٥ المرجع السابق: ٦/ ٨٦. ٦ أبو المحاسن، النجوم: ٤/٧. ٧ ابن إياس ٩٣٠هـ - ١٥٢٣م، بدائع الزهور في وقائع الدهور (كتاب تاريخ مصر): ١/٨٩_ ٩١.
[ ١١٨ ]
وأن يطلق جميع أسرى المسلمين، وأن يتعهد بألا يعود لمهاجمة سواحل بلاد الإسلام مرة أخرى، كما يدفع لها ثمانمائة ألفا دينار فدية لنفسه وللأسرى الصليبيين، وعوضا عما أتلفه في دمياط، ومقابل ذلك يتعهد المسلمون برعاية الجرحى من أسرى الصليبيين، وقيل أيضًا مقابل أن يحافظوا على بعض معدات الصليبين التي سيضطرون لإبقائها بمصر إلى أن يتمكنوا من نقلها، وجعلت مدة الاتفاقية عشر سنوات١.
ورغم كل ذلك فقد اضطربت الأمور في مصر عامة والقاهرة خاصة، وذلك احتجاجا وأنفة من حكم امرأة، وعمت الفوضى القاهرة، مما اضطر شجر الدر إلى الأمر بإغلاق أبوابها منعا لانتشار خبر هذه الاضطرابات٢.
وزاد من خطورة هذا الوضع انضمام علماء المسلمين إلى العامة في هذه المعارضة، وعلى رأسهم الشيخ عز الدين عبد السلام٣، الذي كتب كتابا حوله ما قد يبتلي به المسلمون بولاية امرأة٤. كما لم يوافق الخليفة العباسي على توليها السلطة، وعير أهل مصر بذلك قائلا في رده على رسالة من المماليك يطلبون فيه تأييده لحكمها "إن كانت الرجال قد عدمت عندكم فأعلمونا حتى نسير لكم رجلا"٥.
_________________
(١) ١ السيوطي ٩١١هـ - ١٥٠٥م جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر: حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، ٣ أجزاء، بولاق، ١٣١٢هـ: ٢/٣٥. المقريزي، السلوك: جـ ١قسم ٢ص: ٣٦٣. ٢ عبد الله بن أيبك، أبو بكر (القرن الثامن) كنز الدرر وجامع الغرر، أو الدرة الزكية في أخبار الدولة التركية، تسعة أجزاء في ٢٧ مجلدًا، مخطوطة بدار الكتب المصرية برقم ٥٧٨، قسم ١ من جـ ٨ لوحة ٢. ٣ ولد الشيخ عز الدين عبد السلام عام ٥٧٧هـ، ودرس في دمشق على يد ابن عساكر، وتولى إمامة وخطابة المسجد الأموي، ورحل عن دمشق احتجاجا على استعانة الملك الصالح إسماعيل بالفرنج سنة ٦٣٩هـ، فولاه الملك الصالح خطابة جامع عمرو بن العاص ثم عهد إليه بتدريس المذهب الشافعي في مدرسته بين القصرين بالقاهرة، وتفي سنة ٦٦٠هـ. أبو الفداء إسماعيل بن علي بن عماد الدين ٧٣٢هـ - ١٣٣١م، ١٢٨٦هـ، المختصر في أخبار البشر: ٣/٢٢٤، القسطنطينية، ١٢٨٦هـ. السيوطي، حسن المحاضرة: ٣٤. ٤ السيوطي، حسن المحاضرة، ص: ٣٤. ٥ المقريزي، السلوك: ١/٣٦٨_ ٣٦٩.
[ ١١٩ ]