لم ينس بيبرس لحظة عداوة الصليبيين وخطرهم على الشام ومصر، وهو الذي شارك في صدهم عن المنصورة ودمياط، ورأى محاولات لويس التاسع في تأجيج الصراع بين دولة المماليك الحديثة النشأة والملك الناصر ملك الشام، ثم تعاونهم مع الخطر الجديد القادم من الشرق، حيث رأوا فيه حليفا طبيعيا ساقه الله لنصرتهم، ألا وهو خطر المغول، فاتصلوا بهم، وعملوا أدلاء لجيوشهم وجواسيس يطلعونهم على عورات المسلمين، بل سمح بعضهم
[ ١٢٨ ]
لبعض الحاميات المغولية بالنزول في حصونهم، فوقعوا هم أنفسهم تحت سيطرة ورحمة تلك الجماعات١، وكذلك تآمر الصليبيين الدائم مع الحشيشيين٢ الذي كانوا خطرا دائما يهدد كل مجاهد مسلم من زعماء المسلمين.
لهذا قرر بيبرس كما قلده في ذلك خلفاؤه أمثال قلاوون والأشرف خليل، اجتثاث الخطر الصليبي نهائيا من بلاد الشام٣.
وكتمهيد لتحقيق هذا الهدف تحالف بيبرس مع الإمبراطور البيزنطي باليولوجس عدو الصليبين، حيث عقد معه معاهدة دفاعية عام ٦٦٠ هـ (١٢٦٢م) ٤ كما حالف مغول القفجاق المسلمين (القبيلة الذهبية) وهادن أعداء المسلمين مغول فارس الوثنيين٥.
بعد كل هذه الترتيبات توجه بيبرس نحو الشام عام ٦٦٣ هـ (١٢٦٥ م) قاصدا إعداد قواته وإعادة توزيعها، تمهيدا لتنفيذ غرضه، وعند ذلك أحس الصليبيون بالخطر الكائن في استعدادات بيبرس ونيته نحوهم، فأرسلوا إليه وفودهم تعرض عليه المسالمة، وتعبر عن حسن نيتها نحوه، ولكنه كان يردها قائلا: "ردوا ما أخذتموه من البلاد، وفكوا أسرى المسلمين جميعهم، فإني لا أقبل غير ذلك" ثم يطردهم من حضرته٦.
وكان من حماس بيبرس في جهاد الصليبين، أنه لم يخل عام من الأعوام العشرة ما بين ٦٥٩-٦٦٩ هـ (١٢٦١- ١٢٧١م) إلا وكان يشن فيه حربا، ويسترد أرضا من أرض إحدى الإمارات الباقية بأيديهم وهي: أنطاكية، وطرابلس، وبعض مملكة القدس.
فبادر عام ٦٦١ هـ (١٢٦٣م) بمهاجمة مدينة الناصرة، ثم هاجم بنفسه مدينة عكا الحصينة، ولكنه لم يتمكن أن فتحها بسبب ما أقامه فيها لويس التاسع من تحصينات٧.
_________________
(١) ١أحمد العباد، قيام دولة المماليك الأولى في مصر والشام، دار النهضة العربية، بيروت، ١٩٦٩م، ص: ٢٢٢ ٢الحشاشون والحشيشية يقصد بهم الفداوية، لاشتهارهم بتناول المخدرات المعروفة بالحشيش، وقيل إنه ربما أطلق عليهم هذا الاسم لكثرة اغتيالهم المراء، من الحش بمعنى القطع، وبذلك تكون التسمية بعيدة عن موضوع الحشيش المخدر. Ensyclopidia of religion، art. Assassins وبروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية ٣مفصل بن أبي الفضائل، النهج السديد، ص: ١٩٢. المقريزي، السلوك: ١/٥٨٤_ ٦٠٠. ٤بيبرس الدوادار، زبدة الفكر: ٩/٢٦٢/٩. Lane، Poole، of Egypt in the middle ages (London ١٩٢٥) . P. ٢٦٦ ٥المقريزي، السلوك: ١/ ٤٦٥. ٦المقريزي: السلوك: ١/٤٨٥_ ٤٨٦. ٧ابن كثير: ١٣/٢٤٤.
[ ١٢٩ ]
وفي عام ٦٦٣ هـ (١٢٦٥م) حاصر مدينة قيسارية وفتحها رغم حصانتها١، ثم غادرها جنوبا إلى قلعة أرسوف البحرية٢ التي كَانت تحت سيطرة شرسان الاسبتارية المشهورين ببسالتهم، فقاموا بالدفاع المستميت عنها، ولم يمكنوا بيبرس من فتحها فلجأ إلى الحيلة بأن اتفق معهم على أن يستسلموا مقابل تأملات حياتهم، ولكنه قام بنقلهم إلى القاهرة بعد أن أمرهم بهدم قلعتهم٣.
وبعد ذلك قام بفتح يافا وعتليت، ثم استولى في العام التالي على صفد٤ وهونين وتبنبن٥، والرملة٦ مما جعل الإمارات الصليبية في حالة احتضار يائسة دفعتها إلى معاودة استعطاف السلطان بيبرس طالبة مصالحته، أو على الأقل عقد هدنة معه، وفي هذه المرة رأى أس من المناسب إجابة طلبهم، فصالحهم عَلى أساس المناصفة أو المشاركة وذلك بأن تصبح له حصة في غلاتهم ومنتجاتهم٧. ومن أطرف هذه الاتفاقيات بين بيبرس والإمارات الصليبية تلك الاتفاقية التي عقدتها معه ازابيلا، ملكة بيروت عام ٦٦٧ هـ (١٢٦٨م) ومدتها عشر سنوات، فقد ذكر القلقشندي٨ أن هذه الملكة قد وثقت ببيبرس إلى درجة أنها كانت عندما ترغب حب السفر إلى جهة ما، تذهب بنفسها إلى بيبرس وتستودعه بلادها٩، وعندما خطفها الملك هيو الثالث ملك جزيرة قبرص قام بيبرس بتخليصها عن طريق توجيه
_________________
(١) ١ المقريزي: السلوك، حوادث سنة: ٦٦١، ٦٦٢. ٢ ارسوف مدينة ساحلية على بحر الروم، بها قلعة وعليها سور، كانت في زمن آبي الفداء خرابا (أبو الفداء: تقويم البلدان، ص: ٢٣٩) . ٣ المفريزي: السلوك: ١/٥٢٩ " ولا يعتبر هذا غدرا منه لأن هؤلاء الفرسان جبلوا على الخيانة والغدر وطالما غدروا بالمسلمين ". (ابن كثير: البداية: ١٣/٢٤٤) . ٤ ابن كثير: البداية: ١٣/٢٤٩، أمر بأن يكتب على أسوار قلعة صفد " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون". قيل إنها فتحت صلحا، ثم قتل بيبرس ألفين من أهلها وخرب قلعتها، ثم بناها ونقش عليها عبارة تدل على زهوه بالنصر جاء فيها:" عماد الدين الذي حول الكنائس إلى مساجد، ورنين النواقيس إلى أصوات المؤذنين، وقراءة الإنجيل إلى ترتيل القرآن". (علي إبراهيم حسن: ص١٨٠) . ٥ حصون تحيط بمدينة بانياس التي كان بها قلعة الصبيبة، ومن هذه المدن والحصون شقيف ارنون، وشقيف تيرون، والجليل وصفد والناصرة وصفورية. (أبو الفداء: تقويم البلدان: ٣٤٥) . ٦ الرملة مدينة بفلسطين بناها سليمان بن عبد الملك، بينها وبين القدس يوم واحد. (القلقشندي: صبح الأعشى: ٤/٩٩) . العيني، بدر الدين أبو محمد بن أحمد ٨٥٥هـ (١٤٥٢م): عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان، الجزء الخامس بحوادث سنة ٦٥٦_ ٦٧٣. مخطوطة بدار الكتب المصرية رقم: ١٥٨٤. المقريزي: السلوك: ١/٥٥٠، وذكر ص: ٥٤٤_ ٥٤٧ أن الاستيلاء على يافا كان سنة ٦٦٦هـ ٧ القلقشندي: صبح الأعشى: ٤/٤٤_ ٥١. أبو المحاسن: النجوم: ٧/١٥٠. ٨ القلقشندي: نفسه: ٤/٣٩. ٩ تاريخ ابن الفرات: ٧/٣٥.
[ ١٣٠ ]
تهديدات لهيو. لهذا اتخذت لنفسها حرسا من المماليك حتى ماتت عام ٦٧٢ هـ (١٢٧٤م)، وقلدتها في هذه السياسة أختها وخليفتها حتى استولى المسلمون على بيروت١.
أما عن موقف السلطان الظاهر بيبرس تجاه العدو الآخر والحليف الدائم لكل من الصليبين والمغول، وأعني به مملكة أرمينيا الصغرى٢ فقد وجه إليها في عام ٦٦٥ هـ (١٢٦٦ ا) القائد قلاوون. بقصد تأديب ملكها على تحالفه مع التتار زمن هولاكو وأبقاخان، وتشجيعه لهما على مهاجمة الشام ومصر، والمساهمة في دعمهما بفرض حصار اقتصادي على دولة المماليك، حيث منع عنها مادتي الخشب والحديد٣. وقامت قوات قلاوون بهزيمة الأرمن قرب دراساك، ودمرت مدن سيس وأضنه وطرسوس والمصيصة، وألحقت بها دمارا هائلا في هجومها الذي استغرق عشرون يوما فقط، وقتل قلاوون أحد أبناء ملك أرمينيا وأسر الابن الثاني، في حين كان الملك نفسه- هيثوم الأول- في زيارة للمغول في بلاد فارس. ولم يوافق بيبرس على إطلاق أسيره إلا مقابل تنازل والده عن عدة مواقع استراتيجية ودفع جزية سنوية٤.
ومنذ ذلك الحين أصبحت أرمينية الصغرى ضعيفة لم تسبب للمسلمين أي مشكلة، إلا مرة واحدة في عهد السلطان محمد قلاوون حيث أخضعها نهائيا٥. وفي عام ٦٦٦ هـ قام بأخذ يافا عنة وأجلي أهلها إلى عكا ثم استولى على حصن الشقيف وأجلي أهله إلى صور، ثم هاجم صور فنهب وأرعب، ثم هاجم حصن الأكراد ثم سار عنوة إلى حمص ومنها إلى حماه ثم إلى فامية٦.
_________________
(١) ١يذكر رنسيمان runciman، a history of the crusades. (Cambridge ١٩٥٧) p. ٣٤٢_ ٣٤٣ أن بيروت سقطت بيد الأشرف خليل عام ١٢٩١م (٦٩٠هـ)، بينما يذكر المقريزي أنها سقطت بيد الناصر قلاوون سنة ٦٨٨هـ (١٢٨٩م) (المقريزي: السلوك: ١/٦٤٦_ ٦٤٧) . ٢ سميت أرمنية الصغرى تمييزا عن أرمنية القديمة الممتدة جنوب القوقاز والبحر الأسود، أي ما بين بلاد فارس والعراق شرقا وبلاد الروم غربا، وتقع أرمينيا الصغرى في جنوب الأناضول وقيليقية من الرها شرقا إلى أضنه غربا وعاصمتها سيس. (أرشيبالد لويس: القوى البحرية والتجارية ص: ٣٣٤) وهي اليوم مقسمة إلى منطقتين، إحداهما مع روسيا باسم جمهورية أرمينيا الاشتراكية والأخرى تركية مكونة من عدة ولايات أهمها ولاية أرضروم. (سعيد عاشور: الحركة الصليبية: ٢/١١٤٨) . ٣ سعيد عاشور: قبرص والحروب الصليبية: ٢/١١٤٧، القاهرة، مكتبة النهضة، ١٩٥٧م. ٤ أبو المحاسن: النجوم: ٧/١٤. المقريزي: السلوك: ١/٥٥٢. ٥ المقريزي: السلوك: ٣/٥٥٢. ٦ ابن كثير ١٣/٢٥١.
[ ١٣١ ]