وجه بيبرس همه إلى أنطاكية أقوى الإمارات الصليبية المتبقية والمتحالفة مع التتار، فبدأ
[ ١٣١ ]
بمهاجمة البلاد المحيطة بها، حيث استولى على عدة قلاع تقع إلى الشمال منها١ ثم وجه همه نحوها بجيشه المؤلف من ثلاث فرق، استولت الفرقة الأولى منها على ميناء السويدية، لتقطع اتصال انطاكيا بالبحر، ورابطت الفرقة الثانية في ممرات قيليقيه لتمنع وصول الإمدادات من أرمينية الصغرى، ثم هاجم المدينة بالفرقة الثالثة، واستمرت الهجمات، ودام الحصار. ثم جرت مفاوضات لتسليمها صلحا، ولكنه رفض، واستطاع أن يفتحها عنوة، في رمضان عام ٦٦٦ هـ (١٢٦٨م) فأحرقها٢، وقتل من أهلها خلقا كثيرا٣، وأسر أعدادا هائلة منهم، وغنم مالا يحصى من الأموال بلغ من كثرتها (أن قسمت الأموال بالطاسات) وبلغ الأسرى من الكثرة حتى أنه لم يبق غلام إلا وله غلام، وبيع الصغير باثني عشر درهمًا) ٤. فكان سقوطها معلما خطيرا على طريق نهاية الصليبين بالشام لأنها كانت بحكم موقعها الجغرافي سندا لهم منذ بداية الحروب الصليبية، وسبب سقوطها ذعرا شديدا في صفوف الصليبين، حتى أرسل ملك أرمينية الصغرى يعرض على بيبرس أن يسلمه بلاده مقابل الاستمرار في مهادنته٥.
ولم يكتف بيبرس بهذا النصر العظيم، فوجه همه نحو جزيرة قبرص ليؤدب ملكها هيو الثالث، الذي كان دائم التهديد للسفن الإسلاَمية في البحر الأبيض المتوسط، ودائم المساعدة للصليبين، فوجه نحوه حملة بحرية عام ٦٦٨ هـ (١٢٧٠م) ٦، ولكنها فشلت بسبب العواصف التي حطمت معظم سفنها٧ فنجي بذلك ملكها من عقاب بيبرس٨.
لم يثن هذا الفشل في فتح قبرص، بيبرس عن مواصلة الجهاد ضد الصليبيين، فاستولى في عام ٦٦٩ هـ (١٢٧٠م) على صافيتا وحصن الأكراد، وحصن عكار، والقرين، ثم واصل مهاجمة إمارة طرابلس، فاستولى على ما حولها من حصون وممرات وكاد أن يفتحها،
_________________
(١) ١ Stevenson: the crusades. P. ٣٣٩ ٢ المقريزي: السلوك: ١/٥٤٤_ ٥٤٧. ابن كثير: البداية والنهاية ١٣/٢٥١. ٣ قيل أنه قتل من أهلها مائة ألف، ومن جنود قلعتها ثمانية آلاف. Lane_ pode، Egypt in middle ages p. ٢٩٧. ٤ المقريزي: السلوك: ١/٥٦٨. Runciman، op. cit. p. ٣٢٤_ ٣٢٥ ٥ ونتبين استهانة بيبرس بالصليبين من الرسالة التي كتبها لأمير انطاكية بوهيمند السادس الذي كان لدى سقوط مدينته يقيم في إمارته طرابلس. (أبو المحاسن: النجوم: ٧/١٤٧) . lane_ Poole: the history of Egypt in the middle ages. P. ٢٩٧. ٦ سعيد عاشور: قبرص والحروب الصليبية ص: ٤٧_ ٤٨. ٧ العيني: عقد الجمان، حوادث سنة ٦٦٩هـ. ٨ ابن كثير ١٣/٢٥٩.
[ ١٣٢ ]
ولكنه عندما علم بخروج الحملة الصليبية الثامنة من فرنسا خشي أن تكون جهتها مصر، فسارع إليها للاستعداد لمواجهة هذا الخطر١، وعندما تيقن من توجه تلك الحملة إلى تونس عاد عام ٦٧٠ هـ (١٢٧١م) لمواصلة هجومه على طرابلس فطلب أميرها بوهيمند السادس الصلح، ووصلت الأخبار بوصول الأمير إدوارد٢ الأول إلى عكا، فظن أنها مقدمة لحملة صليبية كبرى، فاستجاب بيبرس لطلب بوهيمند وعقد معه صلحا مدته عشر سنوات٣، وتبعتها مملكة بيت المقدس فعقدت صلحا مماثلا، مما مكن بيبرس من التفرغ لقتال المغول والإسماعيلية، فوجه همه نحو الإسماعيلية، "الحشاشين" الذين كانوا يعادون المسلمين ويتآمرون مع الصليبين ضدهم، ويغتالون كبار المجاهدين من قادتهم كما تعاونوا مع المغول، ودفعوا لهم الأتاوات٤، فعزل مقدمهم نجم الدين الشعراني، وهدم حصونهم وقضي عليهم، بعد أن سلموها له وأشهرها الكهف والقدموس والمنطقة، وعوضهم عنها بإقطاعات٥.
_________________
(١) ١ السيد عبد العزيز سالم: طرابلس الشام في التاريخ الإسلامي، ص: ٢٦٩. ٢ أصبح ملك إنجلترا فيما بعد، كان معه حوالي ١٠٠٠ محارب، جاء البلاد بناء على اتفاق مع أبغاخان المغولي على غزو مصر والشام، ولكن انشغال ابغا بمحاربة مغول التركستان حال دون ذلك، فعاد إدوارد بعد أن طعنه أحدهم بسكين، وبعد أن عقد هدنة مع بيرس مدتها عشر سنوات (سعيد عاشور: الحروب الصليبية: ص ١١٥٩) . ٣ أثناء المفاوضات اندس بيبرس بين أعضاء وفده إلى بوهيميند كخادم ليتمكن من الاطلاع على حصون طرابلس. (المقريزي: السلوك: ١/ ٥٩٤) . ٤ السيد عبد العزيز سان: طرابلس الشام في التاريخ الإسلامي، ص: ٢٦٩. ٥ ابن كثير البداية والنهاية ١٣/ ٢٦٤.
[ ١٣٣ ]