في قمة الهجمية الصليبية- التي تمثلت في الحملة السابعة التي قادها لويس التاسع ملك فرنسا ضد مصر عن طريق دمياط٤- وخلال انشغال الملك الصالح نجم الدين أيوب
_________________
(١) ٤ دمياط: مدينة قديمة بين تنيس ومصر، وهي من ثغور الإسلام، عندها يصب نهر النيل (القزويني، آثار البلاد واجتهاد العباد، ص٢٤، دار صادر بيروت. ولا يعرف اليوم موقعها القديم بسبب هدم الصليبيين لها سنة ٦٤٨هـ ١٢٥٠م. (المقريزي، الخطط: ١/٢٢٣) .
[ ١١٤ ]
بالدفاع على المنصورة- التي وصل الصليبيون إليها إلى بعض أنحائها بعد أن فر أمام هجمتهم بنو كنانة وبعض المماليك١- وقع الملك الصالح مريضا٢ ولم يلبث أن توفى بعد مرض عضال.
وهنا ظهرت شخصية وعبقرية زوجته شجر الدر٣، التي أدركت مدى الخطر المحدد بالمسلمين، إذا أنّ علم الجيش والعامة بخبر موت السلطان، محل شأنه أن يوقع الوهن في العزائم، ويثير الأحقاد والمطامع الكامنة في نفوسهم وأن يطمع الصليبيين فيهم، فقامت بإخفاء خبر موته، وأرسلت سرا وعلى عجل تستدعي ابنه تورانشاه من حصن كيفا بأطراف العراق ليتولى عرش والده.
وخلال هذا الوقت تبدت بطولة الأمراء المماليك، فتصدىَ بيبرس البندقداريَ ومعه فرقة من المماليك البحريين الصالحين للصليبيين، فشن عَليهم هجوما من خارج المنصورة، وطردهم من بعض نواحيها ثم لاحقهم الأمير أقطاي- القائد العام للجيش- مستعملا النار الإغريقية حتى قرروا الهروب إلى دمياط.
وعندما وصل تورانشاه بن السلطان الملك إلى صالح إلى مصر عام ٦٤٧ هـ (.١٢٥م) ٤ ولي السلطة دون معارضة، فكان من أول أعماله أن حاصر الصليبيين وحاد بينهم وبين وصول المدد إليهم عن طريق دمياط، وقطع عليهم طريق العودة. وعندما اضطر الملك لويس التاسع بسبب حراجة موقفه إلى طلب الهدنة، ولكن المصريين رفضوا طلبه،
_________________
(١) ١ فرّ فخر الدين قائد بعض قوات السلطان من وجه الصليبيين دون قتال، وأخلا لهم مدينة دمياط التي فر منها أيضا بنو كنانة مما سهل وقوعها بأيديهم في الثاني والعشرين من صفر عام ٦٤٧هـ (١٢٤٩م)، مما أغضب الناصر فشنق أكثر من خمسين من بني كنانة، وكاد يقتل القائد فخر الدين. (المقريزي، الخطط: ١/٢٢٠) . ٢ "كان الملك الصالح نجم الدين أيوب وهو بأشموم طناج قد عرض له مرض في مخاصيه، ثم فتح وحصل له تعسر بول، وبعد ذلك حصلت له قرحة تيقنت الأطباء أنه لا خلاص له منها، لكنه لم يشعر بذلك " (ابن واصل ٦٩٧هـ - ١٢٩٧م) جمال الدين أبو عبد الله محمد بن مسلم، مفرج الكروب: ٢/٣٥٣أ، حول مرض الصالح صورة عنه بمكتبة الإسكندرية، تحقيق جمال الشيال.. والمقريزي: الخطط: ١/٢١٩) . وأشموم طناج بلدة قرب دمياط، وهي مدينة الدهقلية (معجم البلدان جـ١ص٣٠٠) . ٣ "شجر الدر أو شجرة الدر بنت عبد الله، أول سلطانة" لمصر من غبر الأيوبيين، كانت أرمينية الأصل وقيل تركية، ذكية، جميلة، أهداها الخليفة العباسي المستعصم إلى نجم الدين أيوب في عهد ابن السلطان الكامل، فأنجبت منه ابنه خليل، الذي كان جميلا ومات صغيرا، وأصبحت أم ولده فأحبها ورافقته في رحلته إلى المشرق وكذلك عندما حبسه الملك ناصر داود في الكرك ٦٣٧هـ". أبو المحاسن، النجوم الزاهرة: ٦/٩١. وقد أعتقها الملك الناصر وتزوجها عندما أصبح سلطانا. واختلف المؤرخون حول اسمها الصحيح وفيما إذا كان شجر الدر أم شجرة الدر، والأغلب أن الأول هو الصحيح لإجماع معظم المصادر عليه. انظر: جوزيف نسيم "العدوان الصليبي على مصر"ص ١٣٦ حاشية (١) . ٤ أبو الفداء ٧٣٢هـ، المختصر، مجلدان، ٩أجزاء، دار الكتب، بيروت: ٦/٨٤
[ ١١٥ ]
وعندئذ حاول التسلل ليلا والانسحاب تحت جنح الظلم، فلم تفلح حيلته، حيث إن المسلمين قد علموا بالأمر فاستعدوا لإفشاله وطاردوا الصليبيين حتى فارسكور١، وقتلوا منهم خلقا كثيرًا بلغ أكثر من ثلاثين ألفا٢، وسقط الملك نفسه أسيرا، فسجنه المسلمون في دار ابن لقمان بالمنصورة، وكلفوا الطواشي صبيح بحراسته.
وظل الملك لويس التاسع في أسره حتى أخلى المسلمون سبيله مقابل انسحاب الصليبيين من دمياط ودفع مبلغ طائل من المال فدية لنفسه وتعويضا للمسلمين عما خسروه في هذه الحرب، ومقابل إطلاق أسرى المسلمين في مصر والشام وإطلاق سراح أسر ى الصليبين وغير ذلك مما سنذكره في حينه٣.
وبذلك تم فشل هذه الحملة المسعورة وذلك بفضل الله، ثم فرسان المماليك كاقطاي وبيبرس الذين سماهم ابن واصل (داوية الإسلام) ٤ إعجابا منه بشجاعتهم.
_________________
(١) ١ قرية قرب دمياط من كور الدقهلية. (ياقوت/ معجم البلدان: ٦/٣٢٧) . ٢ المقريزي، السلوك، جـ١ ق٢ ص٣٥٧. أبو الفداء، المختصر: ٦/٨٥. ٣ انظر: د. جوزيف نسيم يوسف، العدوان الصليبي على مصر ص:٢١٦ حاشية، الطبعة الأولى، ١٩٨١م، دار النهضة العربية، بيروت. Davis. E.j.: invasion of Egypt in a.d. ١٢٤٩ (a.h.٦٤٧) . by Louis ix of France (st. Louis) (London ١٨٩٧) p.٥٨. ٤ ابن واصل، مفرج الكروب: ٢/٣٧٠، نسبة إلى فرقة فرسان الداوية الصليبية التي اشتهرت بشجاعتها في قتالها للمسلمين ويعرفون أيضا بفرسان المعبد، تأسست جماعتهم عام ١١١٨م، وهم من الرهبان المشهورين بالشجاعة. King: the knights of hospitallers. P. ٣٠٣.
[ ١١٦ ]