وأبو أحيحة هذا الذي حبسه أبن جفنه وهو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وكان من أشراف قريش. وقد روي في حبسه وجه غير هذا. قيل إنه ورد الشام في جماعة من قريش في تجارة وفيهم يوم أذ عمر بن الخطاب وكان زنباع بن روح الجذامي وهو أبو روح بن زنباعه بن روح صاحب عبد الملك بن مروان عاشرًا لابن جفنة بالشام وكان يأخذون شيئًا ممن يكون مع التجار ٢٣ من الذهب فأن أخفوه عنهم ثم علموا به أخذوه مستهلكًا فعهد القريشيون الى ما كان معهم من الذهب فجمعوه والقموه ناقة من أبلهم الا أبا أحيحه فانه دفن ما كان معه وقعد في الموضع. وطلب زمباع بن روح العاشر في متاعهم ذهباُ فلم يجده فقال: ركب من قريش يأتون الشام تجارًا ليس
[ ٦٧ ]
معهم ذهب! هذا ما لا يكون ثم نظر الى ناقة ملتوية من أبلهم فقال حقي في بطن هذه الناقة وأمر بنحرها فقالوا: أتنحر ناقتنا فقال: نعم فان لم أجد في بطنها شيئًا غرمتها لكم بناقة خير منها ونحرها وأخذ ما كان في بطنها وأحتفر الموضع الذي قعد فيه أبو أحيحه فأخذ ما وجد فيه وأخذ أبو أحيحة فحبسة فارسل الى قومه أن أفدوني فجمعوا مالًا ليفتدوه فقال أبو عمرو بن أمية أو أحد ولده أنكم زوجتم بهذا المال عدةً من فتيانكم بعدة من فتياتكم لاوشك أن تروا فيكم جماعة مثل أبي أحيحة فقبلوا رأيه وتركوه وإن نفرًا من قريش قدموا الشام فارس اليهم أبو أحيحة ليقوموا في أمره ففعلوا وكلموا أبن جفنة في أمره وقالوا ما تريد الى هذا الشيخ وأفتدوه منه بقلائص كانت معهم وعرف أبو أحيحة ما كان من قول أبي عمر بن أمية فقال يعاتب قومه:
أأطعتم لعبدَ أبن تز نا أذ يقول ذروا سعيدًا
فلامدحن الوافدين مديحة تنمي صعودا
خبرتها فتخالها حسنًا على قومي برودا
وهي لبيات وانما قال أبن تزنى الان أمية أبن عبد شمس بن عبد
[ ٦٨ ]
مناف كان قد شرف في قومه الى أن سام عمه هاشمًا أن ينافره فابا عليه وقال كيف أنافرك وأنت بعض ولدي فلزمه وأكله بلسانه فنافره على أن للنفار على صاحبه شروطا منها: إن ياخذ منه مائة من الابل وينفيه مدة عشرة سنين عن الحرم. فتنافروا الى كاهن غساني كان بعسفان قرابة سطيح فنفره هاشم فأخذ المائة من الابل فنحرها وأطعمها الناس في مكة وقال الشاعر في ذلك:
وبرَّزَ في فضله هاشم ففات الكرامَ أبو نضله
يكبّ العشار الاذقانها ويطعم في السنة المَحْله
فكان بالاردن فتزوج أمرأة بها يهودية أسمها تزان يقال أنها أم أبنه أبي عمرو.
هذا في رواية وفي رواية أخرى إن أم أبي عمرو أمية أمام بنت حميرى بن الحارث بن جابر بن الاسود بن عمرو ذي الطوق الملك بن عدي بن النصر اللخميني والله سبحانه أعلم.
[ ٦٩ ]
وروي إن حرب بن أمية أعجب بنفسه فسام عبد المطلب بن هاشم إن ينافره فابى عليه فوقع فيه فغاضة فنافره على خمسين من الابل تنحر للناس بمكة وعشر للحكم وتنافرا الى نفيل بن عبد العزى العدوي جد عمر بن الخطاب فنفره عبد المطلب فقال شاعر في حرب:
يا حرب قد جاريت غير مغمّرٍ سبوقًا الى الغايات طلاع أنجد
ومن قبل ما أردى أمية هاشم فاورده عمرو على شر موردِ
وكان هاشم يسمى عمرو العلي وأوعد حرب نفيلًا وكاد إن يقع بين بني عبد شمس وبني عدي في ذلك شر.
رجعنا الى الحديث وروي إن أمير المؤمنين عمر لقي زمباع الجذامي في أيام أمارته لمكة فوضع يده على كتفه وقال: اليس أبوك فعل بنا في الشام ما فعل. أما والله يا عدي نفسه لولا الاسلام فقال له والله يا أمير المؤمنين لولى الاسلام ما وضعت يدك مني بحيث وضعتها. وكان أبو أحيحة هذا الذي ذكرناه حديثه ُ يتعمم فسمته قريش ذا التاج. قال خالد بن زيد بن معاوية في أبنته أمامة بنت أبي أحيحة وكانت بارعة الجمال وكانت أمها من بنات عثمان:
[ ٧٠ ]
حصان أبوها ذو العصابة وأبنه وعثمان ما أكفؤها بكثير
فأن حزتها ثم الخلافة بعدها تحز خير علقي منير وسرير
وكان خالد بن زيد قوي الطمع بالخلافة ولم يكن ينكح الا الى أشراف قريش ففيه يقول الشاعر مخاطبًا عبد الملك بن مروان كالمغري له به:
عليك أمير المؤمنين بخالدٍ ففي خالدٍ عما تريد صدود
اذا ما نظرنا في مناكح خالدٍ عرفنا الذي ينوي وأين يريد
فهذا الرجل من أشراف قومه كان يتعمم فسموه ذا التاج وذا العصابة وذكروه في أشعارهم فاذا سمع ذاك من لا يعلم الحقيقة ضنه من ذوي التيجان.