مالك بن فَهم بن غانم وقيل غنم بن دوس الأزدى، وهو أبو جذيمة الأبرش وفي نسبه خلف سيأتي ذكره من بعد. وروي في سبب ملكه أن قومه كانوا ممن خرج من أرض اليمن، لما خرجت الازد، وتفرقت في البلاد حين أرسل عليهم سيل العرم، والعرم سد كان لهم ببلاد مأرب وهي أرض سبأ بين جبلين تحصر عليهم الماء في أوان السيل، فيسقون به جنتين كانتا لهم، وقيل هو السكر وقيل كان مسناة، والمعنى في الجميع واحد، فكفروا بنعمة الله ﷿، فأرسل عليهم جرذا فاخربه، فروي أن الجرذ كان يقلب برجليه من أحجار السد، الحجر الذي لا يطيقه خمسون رجلا، وكان ملكهم عمرو بن عامر بن حارثة بن أمرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الازد. وكان أخوه عمران كاهنا فعاش فيما قيل أربع مائة وخمسين سنة، فلما حضرته الوفاة دعا أخاه عمرًا هذا الملك. وقد أتت عليه مائتان وخمس وسبعون سنة. فقال له: إني ميت،
[ ٨٨ ]
وان بلادك ستخرب ويتمزق أهلها، وأني رأيت أمرأة من قومك من حجور - وهو بطن من حضرموت - تتعرض للكهانة، وسينفذ قولها من بعدي، فتزوجها وأحذر أن تفوتك. ففعل عمرو ذلك وتزوجها وكان أسمها طريفة بنت الخير، وقيل إنها التي حنكت سطحيا الكاهن الديني، فكانت أحيانا تخرج الى الحدائق متنزهة، فخرجت ومعها وصائف لها، فرأت ثلاث مناجد، والمناجد دواب كاليرابيعلا عيون لهن، منتصبات وأيديهن على مواضع عيونهن، ثم ولّين وجعلن يشخبن بأبوالهن، ثم مرت بخليج يسقي حديقة، وقد وثبت منه سلحفاة، فوقعت على التراب على ظهرها، وهي تريد الانقلاب ولا تقدر، وكلما أضطربت حثت التراب على رأسها وبطنها، ثم رأت شجر الحديقة يضطرب ويتكفأ في ساعة لا ريح فيها، فاتت بعلها عمرا الملك، فأخبرته بخراب السد وتفرق الأزد إشارة ولحنًا. فقال: بيني ما تقولين، وكان عنده قينات له، فقالت: الزهر ذو الوان، والصمت خير من البيان. فصرف القينات عنه، وقال: ما هذا يا بنت الخير؟ فقالت: أخبرتني الناجد بسنين الشدائد، يقطع فيها الولد حق الوالد، وبأمور جسيمة، ورزية عظيمة، الويل الويل من ذهاب السيل، وتفرق الاحباب والخيل والركاب، من أجل فيض منساب. قال: ومتى يكون ذلك؟ قالت: فيما بينك وبين سبع
[ ٨٩ ]
سنين، وإن كنت لا أبيت ليلة إلا وأنا أظن أن السد هالك فيها. فارسل عمرو إلى أهل مأرب ومن حولهم: إني متخذ وليمة يوم كذا، فاحضروني وسمى لهم يومًا، فحضروه لم يتخلف عنه أحد، ونحر مائة من الابل، وأتخذ طعامًا كثيرا، وقال لابنه ثعلبة " وكان أكبر ولده " كن قريبًا مني، ونازعني بعض القول، ومهما نالك اليوم مني من القول أو فعل فلينلني منك مثله، فلما أكل الناس وشربوا، نازعه قولا فزاد فيه، فشتمه، فرد عليه، فلطمه فوثب به ولطمه، فصاح واذلاه!! يوم فخري ومجدي يلطم وجهي! فوثب الناس الى ثعلبة فأخذوه ٢٩ وقالوا أقتله أيها الملك، قال: لا، ولكني سأحرمه كل خير مني، ثم حاف لا أقام بأرض لطم فيها، وليبيعن ماله بمأرب أجمع.
فقال بعض الناس إنه إن تم على قوله ظفرتم بما لا يملك أحد مثله، وإلا رددتم عليه، فكانت يدا لكم عنده، فأشتروا منه ماله عن آخره، وقبض ثمنه وخرب السد، وأصابته سنون مجدبة، يقال " والله أعلم " أنها السبع الشدائد التي كانت في عهد يوسف ﵇ فقالت طريفة اليوم أخصكم البيان من كان ذا هم بعيد، ومراد جديد، وحمل شديد، فليلحق بقصر عُمان المشيد، فسار فيهم قوم الى عمان منهم أزد عمان. ومن كان يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل، فسار إليها عمرو أبن عامر الملك، فولده بها
[ ٩٠ ]
الأوس الخزرج، ومن كان ذا جمل معن وحبل فين ورأي لا يكن، فليلحق بأرض شن فلحق بها قوم منهم، فهم أزد شنوءة، ومن كان ذا فاقة وضر وصبر على أزمات الدهر، فليلحق بالأراك من بطن مر، فاحقت به خزاعة، ومن كان يريد خمرًا وخميرًا، وذهبًا وتوفيرًا، فلينزل بصرى وعويرًا، فلحق بها قوم منهم آل جفنة، ومن كان معهم بالشام من الأزد. ومن كان يريد بلدًا عاليًا وعيشًا آنيًا، وملكًا دانيًا، فليلحق بالشرق معاليًا، فلحق قوم منهم بالعراق. ونهم مالك بن فهم وأهل بيته في جماعة من الأزد. فضرب بتفرقهم المثل فقيل تفرقوا أيدي سبأ وأيادي، فصارت مثلًا سائرًا. وقص الله قصتهم في كتابه فقال سبحانه: (لقد كان لسبأ في مسكنهم آيةٌ جنتانِ عن يمينٍ وشِمال) الآيات، وذكر الأعشى قصتهم فقال:
وللموت خير لمن ناله إذا المرء أمته لم تدم
وفي ذاك للمؤنسي أسوة بمأرب عفى عليها العرم
[ ٩١ ]