ابنه عمرو بن المنذر بن أمرئ القيس بن عمرو بن أمرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر أمه هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر الكندي أكل المرار وبها كان يعرف أبدًا يقال عمر بن هند كما غلب على أبيه أسم أمه فقيل المنذر بن ماء السماء وقد عيره طرفة بن العبد البكري بذلك فقال:
انت أبن هند فخبر من أبوك أذا لا يصلح الملك الا كل بذاخ
وهي أبيات هجاه بها سيأتي ذكرها من بعد في هذا الكتاب وكان يكنى بابي المنذر وله يقول طرفة أيضًا:
ابا منذر جازيت بالود سخطةً فماذا جزاء المبغض المتبغض
[ ١٢٧ ]
ويكنا بابي هند أيضًا وله يقول عمرو بن كلثوم التغلبي:
ابا هند فلا تعجل علينا وأنضرنا نخبرك اليقينا
بانا نورد الرايات بيضًا ونصدرهن حمرًا قد روينا
وأيام لنا ولكم طوال عصينا أملك فيها إن ندينا
باي مشيئة عمرو بن هند نكون لخلفكم فيها قطينا
وفي رواية: " تطيع بنا الوشاة وتزدرينا " وقال بعض الرواة: إن هذه الابيات وأمثالها مما فيه غميزة وطعن على عمرو بن هند الحقها عمرو أبن كلثوم في القصيدة بعد قتله أياه وإنه كان أنشده القصيدة في حال حياته وملكه وهي مقتصرة على الافتخار لا غير حتى أنتهى الى قوله:
فكنا الأيمنين أذا التقينا وكان الايسرين بنو أبينا
فصالوا صولةً فيمن يليهم وصلنا صولهٌ في من يلينا
[ ١٢٨ ]
فآبوا بالنهاب وبالسبايا وأبانا بالملوك مصفدينا
فقال مازلت منصفا في شعرك حتى أستأثرت على بني أبيك باليمين دون الشمال وبأسار الملوك دون السبايا والنهاب ولعل الصحيح ما قالوا في هذا الوجه.
وكان عمرو بن هند شريرا حقودا وكانت العرب تسميه مضرط الحجارة لهيبته وتسميه محرقا أيضا وهو محرق الثاني وأنما سمي بذلك لأن أخاه أسعد بن المنذر كان مستعرضا في بني دارم عند زرارة بن عدس أستعرضه عنده أبوه وولاه تربيته وحضانته وفي ذلك يقول أبو نواس مفتخرا ببني قحطان على بني عدنان:
اذا ما تميمي أتاك مفاخرا فقل عد عن ذا كيف أكلك للضب
تفاخرنا جهلا بظئرِ بنينا ألا إنّما وجه التميميِّ من هضب
فلما أيقع أسعد قتله سويد بن ربيعة بن زيد بن عبد الله بن دارم، وسيأتي ذكر مقتله فأقسم عمرو بن هند - هذا الملك - لقيتلين به منهم مائة ولم يزل يطلبهم حتى ظفر بهم بأوارة فقتل منهم مائة ففي ذلك يقول جرير للفرزدق:
اين الذين بسيفِ عمرٍو قُتِلوا ام أيَنْ أسعدَ فيكمْ المُسْترضعُ
[ ١٢٩ ]
وقيل بل حرقهم تحريقا، وسيأتي ذكر ما روي في تحريقهم مستوفِيً في موضعه من هذا الكتاب. وعنده كانت حكومة بكر وتغلب يوم قام الحارث بن حلزة اليشكري مغضبا فارتجل قصيدته التي أولها:
آذنتنا ببينها أسماءُ رُبَّ ثاوٍ يَمَلُّ منه الثَّواءُ
ويقول فيها:
ايها النّاطق المُرقّشُ عنا عند عمرو وما بذاكَ خَفاءُ
ارتجالا في المجلس، وقيل إنه كان يومئذ شيخاَ كبير. فاعتمد على سيّة قوسه فنضمت كفه، وهو لا يحس بذلك لغضبه، وشدة حميته، وروي إنه كان أبرص، وكان عمرو بن هند يكره النظر الى الأبرص، فبسط دونه ملاءة الى إن فرغ من أنشاده.
وقيل إن هذه الحكومة كانت يومئذ بين الحيين في غلام أسمه مريء، أدعاه رجل من بكر يقال له النعمان بن شريك، وقال إن أمه أخذت مني وهي حامل به. وأدعاه رجل من تغلب يقال له معد، وقال هو أبني ولد على فراشي.
وقيل بل كنت الحكومة ٤٠ بين الحيين في الرهائن لأن الملك كان أصلح
[ ١٣٠ ]
بين الحيين على أن لا يغزو بعضهم بعضًا، وأخذ من هؤلاء أربعين غلامًا، ومن هؤلاء أربعين غلامًا رهائن على ذلك، فكانوا عنده يصحبونه في أسفاره وحروبه، فأصابهم في بعض الطرقات سموم، فمات التغلبيون جميعًا، فطالبت تغلب بكرًا بَعَقلِهم، وقالوا: إنما رهناّهم على صلحكم، وقيل بل نزل الملك بحيٍّ من بكر فضافهم، والغلمان معه، فقروهم فمات التغلبيون، فاتهمت تغلب بكرًا أنهم سموهم، فطالبوهم بعقلهم، ففي ذلك كانت الحكومة بين الحيين عنده، ويومئذ أنشده المرقش قوله:
فنحن أخوالك عمرك الله والخال له معاظمٌو حُرَمُ
يعني أن ماء السماء أبنة عوف جدته لأبيه منهم.
وخالف بعض الروات في ذلك، وذكر أن المرقشين معًا كانا قبل عصر عمرو بن هند بدهر طويل، وأنهما ممن شهد حرب الناب بين أبني وائل، وهو صاحب طرفه بن العبد البكري والمتلمس الضبعي، وأسمه جرير بن عبد المسيح، كتب أهما كتابين يأمر فيهما بقتلهما وأوهمهما إنه كتب لهما
[ ١٣١ ]
بصلة، وكان كتاب طرفه الى الربيع بن حوثرة العبدي عامله بالبحرين، وكتاب المتلمس الى المعكبر مرزبان من الفرس كان يكتف جنات العرب، فيجعل أيديهم تحت أرجلهم، ويضم أرجلهم إلى صدورهم، وكانوا يسمون ذلك العكبرة فسموه المعكبر.
فروى عن المتلمس أنه قال: خرجت أنا وطرفه من الحيرة من عند الملك فلما هبطت أيدي ركابنا النَّجَف، إذا أنا بشيخ قاعد يتبرز ويقصع القمل، وبيده كسرة يأكل منها، فقلت له: ما رأيت قط شيخًا أحمق منك! أتفعل هذا؟ فقال: وما الذي أنكرت من فعلي؟ أُدخل طيبًا وأخرج خبيثًا، وأقتل عدوًا، وإنما الآحمق حامل حتفه بيمينه وهو لا يدري ما فيه. فكأنني كنت نائمًا فأيقظني، وإذا أنا بغلام من أهل الحيرة من العباد يسقي حرثًا له فقلت له: يا فتى أتقرأ؟ فقال نعم، فناولته الكتاب فقرأه، فإذا فيه: باسمك اللهم، من عمرو بن المنذر الملك الى المكعبر إذا أتاك كتابي هذا مع المتلمس، فاقطع يديه ورجليه وأفنه حيًا، فألقى المتلمس الكتاب في النهر وقال:
قَذًفُت بها في الثنى من كفِّكافرٍ كذلك أقنو كِّل قَطٍّ مٌضَللِ
[ ١٣٢ ]
رضيت لها رأيت مدارها يجول به التيار في كل جدول
وهي أبيات وعاد إلى طرفة فأخبره وحذره وقال له: ويحك أنظر ما في صحيفتك. فقال ما كان يجترئ على قومي. وتم إلى الربيع بن حوثرة وكان له صديقا، فلما نظر في الصحيفة قال: إن فيها قتلك فلا تصبح عندي، فانك إن أصبحت عندي لم يمكني إلا قتلك، فاتهمه وقال: إنما تريد أن تغلني صلة الملك، وأبى أن يذهب، فلما قدمه للقتل، قال له: إن كنت فاعلًا فاسقني الخمرة حتى تغلب علي، وأفصد أكحلي ففعل ذلك به فهلك وبلغ الملتمس أمره فقال:
من مبلغ الشعراء عن أخويهم خبرًا فتصدقهم بذلك الانفس
أودي الذي علق الصحيفة منهما ونجا حذار حياته الملتمس
[ ١٣٣ ]
ألتقى صحيفته ونجت كورة عنس مداخله الفقارة عرمس
الق الصحيفة لا أبالك إنه يخشى عليك من الحباء النقرس
ثم إن الربيع بن جوثرة ساق عقل طرفه إلى رهطه، وكانوا يعرفون ببني قلابة مع صاحب له، يقال له: معضد، فسلمها الى معبد أخي طرفة فقال الملتمس في ذلك:
أبني قلابة لم تكن عاداتكم أخذ الدنية قبل خطة معضد
لن تغسل السؤات عن أحسابكم نعم الخواثر إذ تساق لمعبد
وبلغ الملك سلامة الملتمس فغاظه ذلك، وطلبه فهرب الى الشام،
[ ١٣٤ ]