فاشار الى إن الخليفة متوج فادعوا في شعارهم لبس التاج لقوم لم يلبسوه ثم تجاوزوا الى وصف المعدوم الذي لم يكن له حقيقة بصفات الموجود المشاهد كدعوى الفرزدق إن تاج قومه يلتهب التهابا ودعوى الاخر إن تاج مالك بن عوف النصري يأتلق أئتلاقا. وكأنهم قالوا: إن غير شيء يلتهب لحسنه التهابا ويأتلق أئتلاقا ثم أدعوا ذلك للخلفاء الذين لا يستجيزون ولا يستحلونه بل يرونه في دينهم بدعة وعلى شرفهم منقصة ويرون أعاظم من كان يلبس التيجان على الحقيقة من ملوك العجم وغيرهم من سائر الامم غير مقارب لهم في شرفهم ولا لاحق
[ ٨٣ ]
بدرجتهم لما فضلهم الله تعالى به وشرفهم بمكانه من الاسلام الذي تضعضع شرف كل شريف خالفه وذل كل عزيز جانبه فلهم إن يأنفوا بان ينسب اليهم مثل ذلك ولذلك أنتهر عبد الملك بن مروان بن عبد الله بن قيس الرقيات حين أنشده في مديحه له:
يتألق التاج فوق مفرفه على جبين كأنه الذهب
وقال له أتقول في مصعب.
انما مصعب شهاب من الل هـ تجلت عن وجهه الظلماء
وتمدحني بما تمدح الاعاجم وهذا مشهور من مذهب الشعراء حتى إن البحتري بالامس مدح المعتز ﵁ بلبس التاج فقال:
كأنما التاج على رأسه قد حف بالياقوت والدر
كواكب الفضة في أفقها جاءت فحفت غرة البدر
[ ٨٤ ]
ومدح المهتدي ﵁ ينفي ذلك عنه فقال:
لسجادة السجاد أحسن منظرا من التاج في أحجاره وأيقادها
وأمثال ذلك من أقوال الشعراء لا تحصى لانهم أنما يتبعون أهوائهم غير أنهم أعينوا على ذلك باللغة العربية التي خصت بخلال أفضل كلها من الفصاحة والبلاغة والايضاح والابانة والعذوبة في الاسماع والحلاوة في القلوب والقبول في النفس التي ليس لغيرها من سائر اللغات مثله ولا ما يدانيه ونظموا فيه الشعر الفصيح بالوزن الصحيح وكلامهم رائق عذب يغتفر له كل ذنب.
وقال بعض العلماء للعرب توسع في لغاتهم وأشارة الى إرادتها وصنفوا في ذلك كتبا وأقاموا عليه أدله حسنة وأوردوا لهم فيه حججًا واضحة وأشارتهم فيما ذكروه من ذلك كله الى شرف الممدوحين وذلك مسلم اليهم ومطلق لهم ومرخص لهم فيه مع العلم بان أكثر ما ذكروه باطل ومعظمه ما حل ومذهب الشعراء معروف والكذب منهم مألوف وتجاوزهم الحد فيه المديح والهجاء والتشبيه والرثاء وغير ذلك من الصفات معلوم وقيل: أكذب من مادح أو نائح.
فقد تركوا ذلك كله يقولون منه ما شاءوا أو يتصرفوا فيه على ما أحبوا وعلينا أستحسان ذلك منهم والاعتراف لهم بالفضل في فصاحتهم وبلاغتهم والاقرار بأنا لا ندانيهم فيه وليس علينا أن نجعله حجة قاطعة ولا بينة قاهرة على ما أدعوه ولا نلتزمه لهم على الحقيقة ولا
[ ٨٥ ]