نصره الله، ولا كان فيهم من يشق في الشرف غباره، ولا يقاربه في رتبة ولا يدانيه في منزلة، لان الله تعالى فضله علهم بدينه وحسبه ونيبه وعز جانبه وسعة ملكه وثروته، وشرف نفسه عن أفعال دنية أسفوا اليها وحلق عنها، وخلال ذميمة تباعد عن أمثالها ودنوا منها. وسيأتي من ذكر فضله عليهم في سائر أحواله، وجميع خلاله، بما يكون بينة واضحة على صحة ما ذكرناه، وشاهدا عدلًا على ما أوردناه، وتفصيلا لجملته ومفتاحًا
[ ١٦٠ ]
لرتاجه ودليلًا على منهاجه، وروضة تتنزه فيها عيون مواليه، وترتع فيها قلوب محبيه، وليعلم أنهم بالإضافة اليه كما قال التهامي:
أبواعهم في المجد مثل ذراعه وقيامهم في المجد مثل قعوده
على أننا لا ننكر شرفهم ولا نجحد ما نالوه من الملك والعز في أزمانهم، ولو لم يكونوا ذوي شرف وملك ومنعة وعز لما قلنا إنه أشرف منهم ولا أعلى قدرا، ولا أعز جانبا وأوسع ملكا، ولا قسنا بين أفعله وأفعالهم ليعلم أنها أحسن وأجمل، ولا نظرنا في سيرته وسيرتهم ليبين لنا أنها أبلغ عزا وأكمل، غير أننا نقول إن خلالهم في أنفسهم وإن شرفوا، وأقدارهم في ملكهم وعزهم وإن كانوا قد عزوا وملكوا مقصرة من خلاله الشريفة في نفسه، وما ناله من العز والبساطة في عصره كما قال زهير:
فضّله فوق أقوامٍ وشرفهُ ما لم ينالو وإن شادوا وإن أكرموا
وكما قال آخر:
فضلتهم مع قديم فضلهم ليس على من فضلته عارُ
ونعتذر عما نأتي به من كشف أحوالهم، ومعايبهم ومناقصهم ومثالبهم
[ ١٦١ ]
وسوء سيرة كانت منهم، أو وهنن في ملكهم، أو غميزة عليهم نورد ذكرها، أو خلة ذميمة نكشف أمرها، بأنه لا طريق لنا الى حصول الغرض الذي نحوناه من أيضاح لرد فضله عليهم إلاّ بذلك، لكون الأفعال دالة على قدر فاعلها، والآثار دالة على قدر مؤثرها، كما ٤٨ قال التهامي:
وعلى مقادير الرجال فعالهم قطع المهند تابع بحديده
وكما قال أبو الطيب المتنبي:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
وقال الرضي ﵁ " وتبين بالبنيان فضل الباني " فلا طريق لنا الى حصول الغرض الذي أردناه إلا بذاك، وليعلم من تقرر في نفسه أستعظام أفعاله وأقدارهم، وجرى على لسانه تفخيم أمورهم، وظن أنّ شأوهم لا يدرك، وأنّ غايتهم لا تبلغ أنّ الأمر بخلاف ما وقع له وظنه فإننا لو قصدنا الى ذكر فضله ومناقبه، وتعديد مآثره فأقتنعنا بنشرها، وأقتصرنا على شطرها، وأضربنا عن ذكر أحاديثهم وأخبارهم
[ ١٦٢ ]
وكشف أحوالهم التي سندل بها على أنهم لم يفترعوا من العز مثل درجته، ولم يوفوا من الشرف على مثل مرقبته، لضن المقلدون - وإن لم يمكنهم جحود فضله ولم يقدروا على الطعن في شرفه - إن الذي نالوه من أفضل أعظم، ومن الشرف والمجد أعلى وأضخم، فاقاموا في ذلك على ظنونهم، ولم يزل من قلوبهم، فلذلك لم نجد معدلا عن الإلمام بإظهاره بعض مثالبهم وذكر طرف من معاينهم ليصغر عندهم ما يستعظمونه من شأنهم، ويستهولونه من أقدارهم، إذا لم يكن من ذلك بد، فالضد لا يظهر حسنه إلا الضد، كما قال الشريف أبو الحسن محمد بن محمد العلوي النسابة، في معنى يشبه هذا المعنى في كتابه الذي سماه: تهذيب الاعقاب، فإنه قال: لما سطر من تقدمنا، ذكر
فرسان العرب في الجاهلية وبيوتاتهم ومنجباتهم، وأمثال هذا وعدوه شرفا باقيا وفخرا ناميا يسمر به عند الملوك ويستطرفه سامعوه، فيظن من لا بصيرة له ولا خبرة عنده، بما تقدم أن الذي ذكر لا نظير له وأنه معدوم المثل، وجب علينا إن نشرح ما في تضاعيف ذلك من الدخل والفساد اللائح، والقدح والعيب الفاضح، المنقول عمن نقل لهم المناقب فيكون طريقًا الى ثبوت المثالب، ثم نورد من فضلنا ما لا يغطيه الليل، ولا يكشفه النهار من الشرف الشهير والفخر الجهير.