عانه، فيفسد مجالسنا بظهر الحيرة، فلو ركبت فرسي اليحموم فطردته رجوت إن تصرعه. وكان اليحموم قل ما أستحضره أحد الا صرعه، وأنما أراد بذلك قتله، فحمله عليه وأعطاه حربة، فخرج يطرد العير، فجمع به الفرس، فاحس بما أريد به، فالقى الحربة وأمسك عنان الفرس وناصيته بيديه جميعًا، وعاد وهو يقول:
نحن بفرسي الودي أعلمنا منا بركض الجياد في السلف
أدركني بعد ما دنا فرسي للصيد أنا من معشر عنف
وأختلط السوط بالعنان وأمسك؟ ؟ ت بكلتا يدي بالعرف
ثم قال للنعمان: أيها الملك أنا أصحاب زرع ونخل ولسنا باصحاب صيد فلم يجد النعمان عن المتجرد صبرًا، فجعل يدعو جلما، وينادمه ويسقيه حتى يسكر، ويضع عليه من يخدعه عن المتجردة ليطلقها، فلم يزل كذلك حتى ظفر منه ببعض القول، فتزوجها وأفتتن بها.
وكان المنخل بن مسعود اليشكري نديمًا له، وكان جميلًا ظريفًا، وكانت المتجردة ٤٤ ترمى به وبغير واحد من الناس فيما ذكر والله أعلم. وولدت للنعمان غلامين، فكان يقال أنهما للمنخل والله سبحانه أعلم.
وذكر أبن قتيبة إن المنخل كان يرمى قبل المتجردة بامرأة عمرو بن
[ ١٤٨ ]
هند الملك عم النعمان، وبامرأة أخرى من ال المنذر يقال لها هند، وفيها يقول أبياته التي منها:
يا هند من لمتيم يا هند للعاني الاسير
وكان النابغة أنيسًا بالنعمان، فدخل عليه يومًا، فوافق المتجردة عنده متبذله قد سقط خمارها، فلما رأته سترت وجهها بيدها، فقال له النعمان: صفها في شعرك، فوصفها في قصيدته التي أولها: " من آل أميه رائح أو مغتدي " فاسرف في الوصف وتجاوز الحد ولم يقتصر على ما ذكره من جمالها وخرج الى الفحش في شعره فقال:
وأذا المست لمست أخثم جاثمًا متحيزًا بمكانه ملء اليد
وأذا نظرت نظرت أقمر مشرقًا ومركنا ذا زرنب كالجلمدي
وأذا طعنت طعنت في مستهدف رابي المجسة بالعبير مقرمد
وأذا نزعت نزعت من مستحصف نزع الحزور بالرشاء المحصد
ويكاد ينزع جلده من ملةٍ فيها لوافح كالحريق الموقد
[ ١٤٩ ]
لا زاد منه يحور أذا أستقى صدر ولا صدرا يحور لمورد
فغاظ ذلك النعمان، وأضطغنه عليه، وسمع المنخل هذا الشعر، فقال بحيث يعلم إن النعمان يسمعه: لا يستطع إن يصف هذا الا من جرب.
وكان بين النابغة وبين مرة بن ربيعة بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيدة مناة بن تميم ورهطه حقد وعداوة بسبب سيف كان لمرة يقال له ذو الريقة، وشى به النبغة الى النعمان، ووصفه له فأخذه منه. وكان مرة يتطلب العثرات على النابغة، فلما سمع هذا الشعر قام فيه وقعد، ورقى هو ورهطة الى النعمان عن النابغة إنه ذكر المتجرد في شعر قاله أيضًا غير هذا. فعزم على قتله، وعرف ذلك بواب كان للنعمان يقال له عصام بن شبير الجرمي. وكان صديقًا للنابغة. فلما قدم النابغة الحيرة أتى من فوره باب النعمان يطلب الاذن فانذره عصام وقال له: أنج فانه قاتلك، فخرج الى الشام فنزل على ملوك غسان، ومدحهم بقصائد منها: " كليني همّ يا أميمة ناصب "
[ ١٥٠ ]
وغيرها.
وقيل إنه هجا النعمان عندهم، وبلغ النعمان كونه عندهم فشق عليه، وأرسل اليه أنك لم تعتذر من سخطه إن كانت بلغتك عنا، وإن كنا قد تغيرك عليك أو تنكرنا لك، فقد كان لك في قومك ممنع وحصن، فتركته وأنطلقت الى قوم قتلوا أبي، وبيننا وبينهم ما قد علمت، وعرف النابغة إن المنخل كاده عند النعمان فجعل يعرض به في أشعاره وأعتذاره اليه. فقال في قصيدته التي أولها: عفا راكس من فرتني فالضواجع
اتوعد عبدًا لم يخنك أمانته وتترك عبدا ظالما وهو ظالع
حملت علي ذنبه وتركته كذي العرِّ يكوي غيره وهو راتع
وذكر سعدية القريعيين به فقال فيها:
لعمري وما عمري علي بهين لقد نطقت بطلًا علي الأقارع
اقارع عوف لا أقارع غيرها وجوه كلاب تبتغي من تخادع
وقال معتذرًا في قصيدته التي أولها: يا دار مية بالعلياء فالسند
[ ١٥١ ]
فلا لعمرو الذي مست كعبته وأما ريق على الأنصاب من جسد
والمؤمن العائذات الطير تمسه ركبان مكة بين الغيل فالسند
ما إن بديت بشيء أنت تكرهه اذًا فلا رفعت سوطي الى يدي
اذًا فعاقبني ربي معاقبةً قرت بها عين من يأتيك بالحسد
هذا لأبرأ من قول قرفت به طارت نوافذه حرا على كبد
[ ١٥٢ ]
وقال في التي أولها: أمن ظلامة الدمن البوالي
فان كنت أمرأ قد سؤت ظنًا بعبدك والأمور الى تبالِ
فارسل في بني ذبيان فاسأل ولا تعجل علي من السؤال
فلا عمرو الذي أثنا عليه ومن دفع الحجيج الى إلال
ولو كفي اليمين بغتك خوفًا لافردت اليمين من الشمال