وما في يوم معركة أصيبوا ولكن في ديار بني مَرّينا
وبنو مَرّينا: أهل بيت من أهل الحيرة. وهذه أدلة واضحة على إن التسمية بالملك في سالف
الزمان كانت مطلقة للناس يتسمون بها على تباين ما بينهم في الرتب، وتباعدهم في درجات الشرف، وكون بعضهم لبعضهم عمالا وخدمًا وأتباعًا، كما تسمى في عصرنا هذا بالأمارة قوم بينهم في المنزلة تباين بعيد وفرق كبير.
وقد قيل إن التسمية بالأمارة لم تكن في الاسلام، ومن المعلوم أن رسول الله " ﷺ " كان أذا بعث جيشًا لقتال الكفار، بعث عليهم أميرًا. وقد دلّ كتاب الله تعالى على أن الملأ من بني أسرائيل " قالوا لنبي لهم أبعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله ". وليس وراء هذا دليل.
ولم يكن يقال في الجاهلية الا ملك القوم وسيدهم ورئيسهم للعرب، فأما غيره من الأمم فكان يقال لمن هو في منزلة الأمير من الفرس المرزبان، وفوقه الملك، ولمن هو في منزلة الأمير من البطارقة البطريق، فان علت درجته قيل الدمستق، وفوقه الملك وكان يقال لعظيم ملوك الفرس كسرى، ولعظيم ملوك الروم قيصر، ولعظيم ملوك الترك خاقان وطرخان، ولملك الحبشة الذي تجتمع طاعاتهم له النجاشي،
[ ٤١ ]
ولكل ملك من ملوك الهند والصين وغيرهم أسم يعرف بلسان قومه كقلايون، وفارسب في الهند وجوعونة في الصين، وأرتبيل ونقفهور والمهراج في غيرهم من ملوك، ولا يعلم حقيقة معاني ذلك. وكذلك ملوك النبط واليونانية١٦ والنوبة وأجناس السودان وأعاظم العرب العاربة كانوا يسمونهم أسماء.
وقد روي أن أول عربي سمي بالملك قحطان. وقيل إن كل جبار كان يملك مصر يسمى فرعون، وكل جبار كان بالشام وتهامة كان يسمى العمليق، والفراعنة والعمالقة وأعرب العاربة كلها وهي عاد وثمود وصحار ووبار وأميم وطسم وجديس وغيرهم من تلك الامم، يرجعون بأنسابهم إلى أرمو لاوذ أبني سام بن نوح ﵇.
وروي أن أول من تسمى بالعمليق: معاوية بن بكر عمليق بن
[ ٤٢ ]
لاوذ بن سام بن نوح وكان جبار بمكة، وهو صاحب القينتين المعروفتين بالجرادتين يضرب بهما المثل يقال: تغنت به الجرادتان. وعليه قدم وفد عاد، يستسقون وفيهم لقمان والله سبحانه أعلم. وقيل إن نمرود بن كنعان كان أسمه زرهي ونمرود كان يجري له في التسمية كما يجري لغيره من تلك الاسماء، ولعله وكل من كان يملك مملكته يسمون النماردة. كما تسمى من تقدم ذكره الأكاسرة والقياصرة والطرخنة والفراعنة والعمالقة، وكما تسمى عظماء ملوك اليمن تبع والتبابعة وإن كانت أسمائهم جميعًا الحقيقية غير هذه، وكانت هذه تقوم لهم مقام التسمية بالملك الا الأكاسرة ملوك الفرس فان التجبر حداهم على التسمية بملك الملوك.
وذكر الطبري أن أول من تسمى منهم بذلك أردشير بن بابك، فانه لما قهر ملوك زمانه من ملوك الطوائف وغيرهم وجاءته كتب ملوك الامم من الترك والروم والهند والصين وغيرهم بالطاعة، تسمى بشاهنشاه وتسمى به ولده من بعده وكتبوا به عن أنفسهم، وكتب به اليهم لطول مدة ملكهم وسعة ممالكهم، وأنبساط أيديهم، وأذعان ملوك الأمم بالطاعة لهم
[ ٤٣ ]
الى أن قتل آخرهم يَزدجرد بن شهريار أبعده الله تمَّ قتله في سنة أحدى وثلاثين من الهجرة، مقيمًا على كفره. وروي إن مدة ملكهم كانت من عهد جُيوموت بن يافث بن نوح علية السلام، الى أن قتل يزدجرد هذا أربعة آلاف سنة، لم يتخللها الا زمان ملوك الطوائف، وكانت مدة ملكهم على ما تقدم ذكره، خمس مائة وأحدى عشرة سنة. فان صحت هذه الرواية فقد ملكوا ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة أو نحوها والله سبحانه أعلم.
فما روي في سعة ملكهم، أن أنوشروان قدم عليه في يوم واحد نيف وعشرون ملكًا من الملوك الصغار طائعين له، وجاءه رسل الملوك الكبار، قيصر ملك الروم، وفارسب ملك الهند، وخاقان الكبير ملك الترك، وصاحب سرنديب، وصاحب قلايون الهند بالطاعة أيضًا، ومعهم الحمول والهدايا، وصالحه كبير ملك الهند على تسع ما يخرجه غواصوه من الدر، وعشرة ومائتي الف ساجة وإن ينقل اليه كتاب كلية ودمنه
[ ٤٤ ]