عن الحيرة فاشار عليه سفيان بن مجاشع بن دارم بأن يخطب الى الحارث أبنته ويصاهره ويستكفه، فقال: ليس بفاعل ومن لي بذاك؟ فقال سفيان: أنا فلحق بالحارث فخطب أبنته هند للمنذر فزوجه، وأنصرف عن بلاده وعاد المنذر الى الحيرة وأفتخر الفرزدق بذلك:
مّنا الذي جمع الملوك وبينهم حربٌ يشب سعيرها بضرام
فأبت الرواة أن تسمى الحارث في ملوك العراق وملوك العرب لما كان من تغلبه على الحيرة وعلى مملكة المنذر. وقالوا: أنما كان سيارًا في الارض غوارا على الاحياء لم يقطن بالحيرة، ولا دانت له العرب، وولدت هند للمنذر بنيه الثلاثة: عمرًا ملك بعد أبيه ولا يعرف الا بعمرو بن هند، وقابوس ملك بعد أخيه عمرو، والمنذر بن المنذر ملك بعد أخيه قابوس، وهو المنذر الاصغر أبن المنذر الاكبر، ثم إن المنذر أتى أمامه بنت فلان بن الحارث أخي هند فاعجبته فتزوجها على عمتها هند وقال في ذلك:
كبرت وأدركت بنات أخٍ لها فأزلن أمتها بركض معجل
وولدت له أمامه أبنًا فسماه عمرًا أيضًا، فكان يعرف بعمرو بن أمامة كما يعرف أخوه بعمرو بن هند ثم أن بكر بن وائل بعد أنصراف الحارث ملكوا عليهم حارثة بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وتوجوه وحيوه بتحية
[ ١٢٢ ]
الملوك، ولم تزل بينهم وبين المنذر الى أن ظهر عليهم بأوارة، فهزمهم وأسر منهم أسرى كثيرة فاقسم ليذبحهم برأس الجبل حتى يبلغ الدم الحضيض وكان ذلك في يوم شديد البرد، فذبح منهم رجالًا فجمدت دماؤهم، فقال مالك وكان ٣٨ بن عامر بن كعب بن سعد بن ضبيعة بن عجل، وكان رضيعه، أنك لو ذبحت الناس جميعًا في هذا اليوم لم يبلغ الدم الحضيض. قال: فما أصنع أصنع أفسد أهلي ومالي؟ قال: لا ولكن أهرق الماء على هذه الدماء ففعل فبلغ الدم الحضيض وسمي مالك بن عامر بهذا القول الوضاف، وسمي ذلك اليوم يوم الوضاف وأنهزم حارثة فدخل على هند بنت الحارث أمرأة المنذر، وكانت أمها من بكر بن وائل فكلمته فيه وقالت هو خالي فضرب عليه قبة فلما جنه الليل أمر بقتله، فسألها أن تستأحله ثلاثًا ليشتري أسرى قومه ففعل، فاشترى حارثة أسرى قومه، وأطلقهم وسباياهم فارسلهن. ثم إن المنذر دعا الكيس النمري فقال له أدخل على حارثة فاقتله، فقال: فلم سمتني أمي أنا الكيس أذًا إن حملت دماء بني شيبان، ولكن عليك بالانواك الشجاع قيس بن زهير بن عقبه بن هلال النمري، دعاه المنذر فأمره بقتل حارثة فقتله، وفي رواية أخرى إن الذي أمر بقتل حارثة عمرو بن المنذر الذي هو عمرو بن هند، وأستشهدوا على ذلك بقول
[ ١٢٣ ]
الكيس النمري:
دعا لخبائه عمرو بن هند لأضرب رأس حارث بن عمرو
فقاتُ له عليك بمرتقن ولوغ في دماء سراة بكر
فيكفينه قيس بني زهير ورحت ولم أبؤ منه بوترِ
وزعم آخرون إن الذي قتل حارثة، عمرو بن كلثوم بن عتاب بن سعد التغلبي وأستشهدوا على ذلك بقول رجل من تغلب:
واسأل بحارثة بن عمرو أذ ثوى بالقاع بين سنابك وحوامي
وضرب أبن عتاب بن سعد رأسه بأفل ماضي الشفرتين حسام
ثم إن المنذر غزا الحارث الاعرج بن أبي شمر الغساني ملك الشام،
[ ١٢٤ ]
وهو الذي يقال له الحارث الوهاب، وكان فيمن معه شمر بن عمرو الحنفي ثم السحيمي من رهط هوذه بن علي وكانت أم شمر غسانية فلما دنا المنذر من الشام خرج في عسكره فلحق بالحارث فانذر بالمنذر وقال له: قد أتاك في جمع كثير من طمعة الاعراب فضم اليهم مائة رجل ممن يثق به من أصحابه ذوي شجاعة وأقدام وأمر بنته حليمة فالبسته الاكفان وقلانس الاضريح فسمى ذلك اليوم يوم حليمة قال الحارث لشبر بن عمرو الحنفي: أعلمه أنا معطوه كل ما يريد منا فلينصرف عنا ثم أطلب غرته فافتك به فخرج ومعه القوم حتى أتى المنذر فقال له ما قاله الحارث فسكن الى قومه ثم إنه غفل بعض الغفلة فشد عليه فضربه على دماغه فمات مكانه وثار أصحابه المائة بمن كان حول المنذر فقتلوا منهم رجلًا ونهبوا ما كان في قبته وأنهزم عسكره ففي ذلك يقوا أوس بن حجر:
نبئت إن بني صحيمٍ أدخلوا ابياتهم تامور نفسل المنذرُ
[ ١٢٥ ]