فحالف لا أكل الملتمس من حب العراق مدة حياته، فقال، الملتمس:
آليت حب العراق الدهر أطعمه والحب يأكله بالقرية السوس
لم تدر بصرى بما آليت من قسم ولا دمشق أذا ديس الكداديس
حنت الى النخلة القصوى فقلت لها بسل عليك إلا تلك الدهاريس
إن تسلكي سبل البوباة منجدة ما عاش عمرو وما عمرت قابوس
وقيل إن نذهب الملتمس كان إليه إنه بلغته عنه أنه هجاه فلما هرب منه إلى الشام جعل يهجوه بهجاء كثير موجود في شعره منه يقول:
٤١
- اطردتني حذر الهجاء ولا واللات والانصاب لا تئل
[ ١٣٥ ]
ورهنتني هندًا وعرضُكَ في صُحف تلوحُ كأنها خَلَلُ
شر الملوك وشرهم حسبًا في الناس من علموا وومن جهلوا
الغدر والآفات شيمته فاقهم فعرقوبُ له مثل
بئس الفحولة حين حدثهم عرك الهجان وبئس ما بخلوا
أعني الخؤولة والعمومة فهم كالطين ليس لبيته حول
الطين ما جاء به السيل من حضب ضعيف أذا عمل سترة البيت لم يكن لها قوة ولا بقاء.
اما طرفة فاختلف في سبب موجدته عليه.
فقيل إنه كان فيمن خرج عليه مع أخيه عمرو المعروف بعمرو بن أمامه، وقيل بل كان هجاه بهجاءٍ منه قوله:
ابا الجرامق ترجو أن تدين لكم يا أبن الشديخ ضباعًا بين أجباخِ
الجبخ الموضع الذي يعمل فيه النحل العسل من الجبل.
انت أبن هند فاخبر من أبوك أذا لا يصلح الملك الا كل بذاخ
[ ١٣٦ ]
ان قلت نصر فنصر كان شرهم قدماص وأبيضهم سربال طباخ
ما في المعالي لكم ظل ولا ورق وفي المخازي لكم أسناخ أسناخِ
إن ذكر المجد لم يذكر قديمكم او ذكر اللؤم فضلتم باشياخ
ومنه قوله أيضًا
ابى القلب أن يهوى السدير وأهله وإن قيل عيش بالسدير غزيرُ
[ ١٣٧ ]
به البَقُ والحُمى وأسدٌ خفيةٌ وعمرو بن هندٍ يعتدي ويجور
وزعم أبن قتيبة إن هذين البيتين لسويد بن حذاق العبدي وليس ذلك بشيء، والصحيح إنهما لطرفة لان عمرو بن هند كان قد ضمه الى أخيه قابوس فكان يركب لركوبه، وينزل لنزوله، وكان قابوس يتصيد يومًا ويشرب يومًا، فكان يكد طرفة يوم صيده نهاره أجمع في الركض وطلب الصيد، فإذا كان يوم شربه أتى به، فلم يأذن له فيقف ببابه عامة نهاره لا يحضر له طعامًا، ولا شرابًا، فهجاهما معًا فقال:
ليت لنا مكان الملك عمرو رغوثًا حول قبتنا تدور
من الزّمرات أسبل قادامها وضرتها مركنةٌ درور
يشاركنا لنا رخلان فيها وتعلوها الكباش فلا تثور
[ ١٣٨ ]
لعمرك إن قابوس بن هندٍ يخالط ملكه نوك كثير
قسمت الدهر في زمن رخي كذاك الدهر يقصد أو يجور
لنا يوم وللكروان يوم تطير البائسات ولا نطير
فأما يومهن فيوم بؤسٍ تطاردهن بالجدب الصقور
وأما يومنا فنظل ركبًا وفوقًا لا نحل ولا نسير
وهجاهما بغير ذلك من الشعر، فخرج عمرو بن هند يوما يتصيد في نفر من أصحابه فيهم عبد عمرو بن بشر بن مرثد بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة البكري، فأصابوا طريدة، فنزلوا يجمعون ليشتووا منها، فنظر الملك الى كشح عبد عمرو بن بشر من خرق كان بقميصه، فقال ما كذب عليك طرفة حيث يقول:
ولا خير فيه غير أنّ له غنىً وإن له كشحًا إذا قام أهضما
[ ١٣٩ ]