وقيل إن النابغة كان رجلا عفيفا فبلغه عن النعمان ما زال معه خوفه،
[ ١٥٣ ]
فقدم الحيرة مستخفيا مع زيان ومنظور أبن سيار الفزاريين، وكان في رحلهما، ودخلا على النعمان وهو على شرابه في قبة له فجلسا معه، وكان بينهما وبينه خلة، فقربهما وأكرمهما، فذكرا اله النابغة، وأنشداه شيئًا من شعره في مديحه له، وأعتذاره اليه، ولم يعلماه إنه معهما، فلما رأيا منه بعض اللين أرسلا الى النابغة، فجاء فوقف ظاهر القبة يرجز. فروي عن حسان بن ثابت الأنصاري إنه قال: كنت في مجلس النعمان بن المنذر يومئذ، وهو على شرابه في قبته أذ رجز رجل من ظاهر القبة فقال: أنمت أم تسمع رب القبة
يا أوهب الناس لعنسٍ صلبه ذات نجاء في يديها حدبة
طارده بالمشفر الأذبه فقال النعمان: اليس بأبي أمامه؟! وكان النابغة يكنى بها، قيل بلى، فقال: أئذنوا له، فدخل وهو يقول:
اغيرك معقلًا أبغي وحصنأ فخانتني المعاقل والحصون
أتيتك عاريا خلقا ثيابي على خوف تظن بي الظنون
[ ١٥٤ ]
يخب بي الكميت قليل وفر افكر في الأمور وأستعين
ثم جلس فشرب معه وأنشده قصيدته التي أولها: أرسما جديدا من سعاد تجنب فأعتذر اليه بابيات وعرض بالمنخل فقال:
لئن كنت قد أبلغت عني خيانة لمبلغك الواشي أغش وأكذب
وكان يوم ورود الأبل السود، فوردت فوهب له مائة سودًا فيها فحلها وراعيها، فما حسدت أحدا حسدي له. وأستبانت للنعمان ريبة المنخل فقتله.
فروي أبوا رياش أحمد بن أبي هاشم في سبب قتله إن النعمان كان له يوم يركب فيه فيطيل ويعود في وقت لا يتعداه، فكان أذا ركب في ذلك
[ ١٥٥ ]
اليوم أرسلت المتجرد الى المنخل فجاءت به، فكان عندها فاذا خاف مجيء النعمان أنصرف. فركب النعمان على عادته في ذلك اليوم، وأرسلت المتجرد الى المنخل، فجاءت به ثم لاعبته بقيد جعلته في رجليه، ورجع النعمان قبل وقته المعتاد، فوجدهما على تلك الحال، فدفع المنخل الى عكب بن عكب اللخمي وقيل التغلبي، وكان صاحب سجنه، أمره بان يعذبه حتى يهلك، فكان يجره بقيوده ويعذبه، ففي ذلك يقول المنخل:
الامن مبلغ الحرين عني بان القوم قد قتلوا أبيًا
يدور بي أبن عكب في معد ويطعن بالصملة في قفيا
فان لم تثأروا بي من عكب فلا تشفون من ماء صديا
ويقول أيضًا:
طل بين العباد قتلي بلا جرم وقومي ينتجون السخالا
[ ١٥٦ ]