اختلف الْعُلَمَاء، هل كَانَ من الجن أَوْ من الْمَلائِكَة عَلَى قولين [٢] .
أحدهما: أَنَّهُ كَانَ من الْمَلائِكَة وأعظمهم قبيلة. وإن من الْمَلائِكَة قبيلة يقال لَهُمْ الجن، وكَانَ مِنْهُم، وَكَانَ [لَهُ] [٣] سلطان سماء الدنيا، وَكَانَ لَهُ سلطان الأَرْض يسوس مَا بَيْنَ السماء وَالأَرْض، فعصى فمسخه اللَّه شيطانا رجيما [٤] .
وَرَوَى الضَّحَّاك، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ إِبْلِيسُ من حي من أحياء الْمَلائِكَة يقال لَهُ الجن خلق من نار السموم من بَيْنَ الْمَلائِكَة، وخلق الْمَلائِكَة كلهم من نور غَيْر هَذَا الحي، وخلق الجن الَّذِين ذكروا فِي الْقُرْآن من مارج من نار، وأول من سكن الأَرْض الجن فأفسدوا فِيهَا وسفكوا الدماء، وقتل بَعْضهم بَعْضًا، فبعث اللَّه ﷿ إليهم إِبْلِيس فِي جند من الْمَلائِكَة يقال لَهُمْ الجن، فقتلهم إِبْلِيس ومن مَعَهُ حَتَّى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلما فعل ذَلِكَ اغتر فِي نَفْسه، فَقَالَ: لَقَدْ صنعت شَيْئًا لَمْ يصنعه أحد [٥] .
وَقَالَ السدي، عَن أشياخه: كَانَ إِبْلِيسُ عَلَى ملك السماء الدنيا، وَكَانَ [مَعَ] ملكه خازنا، فوقع فِي صدره كبر، وَقَالَ: مَا أعطانا الله هذا إلا لمزية على الملائكة [٦] .
_________________
(١) مرآة الزمان ١/ ١٣٠، وكنز الدرر ١/ ٢١٧.
(٢) انظر: تفسير الطبري ١/ ٥٠٢- ٥٠٧.
(٣) ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.
(٤) راجع تاريخ الطبري ١/ ٨١، ومرآة الزمان ١/ ١٣١.
(٥) الخبر في تاريخ الطبري ١/ ٨٤، وتفسير الطبري ١/ ٤٥٥، طبقة المعارف وراجع حواشيه.
(٦) الخبر في تاريخ الطبري ١/ ٨٥، والبداية والنهاية ١/ ٥٥.
[ ١ / ١٧٦ ]
وحكى أَبُو جَعْفَر الطبري أَن إِبْلِيس بعث حكما يقضي بَيْنَ الجن فِي الأَرْض فقضى بينهم بالحق ألف سَنَة فسمي حكما، فدخله الكبر فألقى بَيْنَ الَّذِينَ كَانَ حكم بينهم العداوة والبغضاء حَتَّى اقتتلوا، فبعث اللَّه ﷿ عَلَيْهِم [نارا] فأحرقتهم، فعرج السماء، وأقام عِنْدَ الْمَلائِكَة يعَبْد اللَّهِ إِلَى أَن خلق آدَم. [١] والقول الثَّانِي: إنه كَانَ من الجن. قَالَ الْحَسَن: لَمْ يكن إِبْلِيس من الْمَلائِكَة قط.
وَقَالَ شَهْر بْن حوشب: كَانَ إِبْلِيسُ من الجن الَّذِينَ طردتهم الْمَلائِكَة، فأسره بَعْض الْمَلائِكَة فَذَهَبَ بِهِ إِلَى السماء [٢] .
وَقَالَ سَعْد بْن مَسْعُود: كانت الْمَلائِكَة تقاتل الجن فسبي إِبْلِيس، وَكَانَ صغيرا، وَكَانَ مَعَ الْمَلائِكَة يتعبد معها، فلما أمروا أَن يسجدوا سجدوا وأبى إِبْلِيس [٣] .
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ إِبْلِيسُ اسْمُهُ عَزَازِيلَ، ثُمَّ إِبْلِيسُ بَعْدُ.
وَقَالَ ابْن جريج: كَانَ اسم إِبْلِيس فِي السماء الْحَارِث.
وَقَدْ رَوَى ثور بْن يَزِيد، عَن خَالِد بْن معدان، قَالَ: خلق اللَّه إِبْلِيس من مارج من نار، فلما خلق علق فِي الهواء، فَقَالَ: يا هواء إِن كنت فوقي فارفعني إليك، وإن كنت أسفل مني فأهبطني إليك. فنودي: إِن اللَّه بكل مكان ومع كُل إنس وجان، فاصطكت أسنانه، وخرج من فِيهِ شرر خلق من كُل شررة شَيْطَان مخلد.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَان، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ الحداد، قال: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى ﵇ إِنَّ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ إِبْلِيسَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ عَصَانِي، وَأَنَا أُعِدُّ مَنْ عَصَانِي من الموتى.
_________________
(١) تاريخ الطبري ١/ ٨٨.
(٢) الخبر في تاريخ الطبري ١/ ٨٧، في شرح قوله تعالى: كانَ من الْجِنِّ ١٨: ٥٠ [الكهف ٥٠] .
(٣) الخبر في تاريخ الطبري ١/ ٨٧.
[ ١ / ١٧٧ ]
أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيل بْن أَحْمَد، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَاصِم بن الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن صفوان، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر القرشي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يحيى العبديّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَن قَتَادَة، قَالَ: لما أهبط إِبْلِيس، قَالَ: يا رب قَدْ لعنته فَمَا عمله؟ قَالَ: السحر، قَالَ: فَمَا قرآنه، قَالَ: الشعر، قَالَ: فَمَا كتابه؟ قَالَ: الوشم، قَالَ: فَمَا طعامه؟ قَالَ: كُل ميتة وَمَا لَمْ يذكر اسم اللَّه، قَالَ: فَمَا شرابه؟ قَالَ: كُل مسكر، قَالَ: فأين مسكنه؟ قَالَ: الحمام، قَالَ:
فأين مجلسه؟ قَالَ: الأسواق، قَالَ: فَمَا مؤذنه؟ قَالَ: المزمار، قَالَ: فَمَا مصائده؟ قَالَ:
النِّسَاء.
قَالَ القرشي: وحدثنا بشير بْن الْوَلِيد الكندي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن طَلْحَة، عَن زبيد، عَن مجاهد، قَالَ: لإبليس خمسة من ولده [١] قَدْ جعل كُل واحد مِنْهُم عَلَى شَيْء من أمره، ثُمَّ سماهم فذكر بترو [٢]، والأعور، ومسوط، وداسم [٣]، وزلنبور.
فأما بتر فَهُوَ صاحب المصيبات الَّذِي يأمر بشق الجيوب، ولطم الخدود، ودعوى الجاهلية.
وَأَمَّا الأعور فَهُوَ صاحب الزنا [٤]، يأمر بِهِ ويزينه.
وَأَمَّا مسوط فَهُوَ صاحب الكذب الَّذِي يسمع فيلقي فيخبره بالخبر فيذهب الرجل إِلَى الْقَوْم فَيَقُول لَهُمْ: قَدْ رأيت رجلا أعرف وجهه، وَمَا أدري مَا اسمه حَدَّثَنِي بكذا وكذا، وما هو الأمر.
وَأَمَّا داسم فَهُوَ الَّذِي يدخل إِلَى أهله يريه العيب فيهم ويبغضه عَلَيْهِم [٥] .
وَأَمَّا زلنبور فَهُوَ صاحب السرقي الَّذِي يركز رايته فِي السوق، ولا يزالون ملتطمين.
_________________
(١) راجع زاد المسير للمصنف ٥/ ١٥٤، والتبصرة ٢/ ١٩٠، ومرآة الزمان ١/ ١٣٣.
(٢) في المرآة ١/ ١٣٣: «ثبر» .
(٣) في الأصل: اضطراب في العبارة.
(٤) في زاد المسير: «صاحب الرياء» .
(٥) في المرآة: «فيري الرجل عيوب أهله فيبغضهم إليه» .
[ ١ / ١٧٨ ]
وَقَالَ حوشب بْن سَيْف، قَالَ: اسم الشَّيْطَان الَّذِي يفتن النَّاس فِي الأسواق فنحواص.
وَقَدْ رَوَى سَيْف، عَن مجاهد أَن إِبْلِيس نكح نَفْسه فباض خمس بيضات، فَهُمْ أولاده. وَهَذَا من أبعد الأقوال.
وَقَالَ عكرمة: من أولاد إِبْلِيس القعقاع.
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني محمد بن المثنى، قال: حدثنا أبو دَاوُدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ/ عَنْ يونس بن عبد، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ عَتَّى، عَنْ أُبَيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «لِلْوُضُوءِ شَيْطَانُ يُقَالُ لَهُ الْوَلْهَانُ، فَاتَّقُوهُ- أَوْ قَالَ: فَاحْذَرُوهُ» [١] .
قَالَ أَبُو الْحُسَيْن بْن المنادي: وَقَدْ قيل إِن أحد الشياطين يجيء فِي صورة طائر يقال لَهُ القرقصية يخفق بجناحه عَلَى عين الرجل الَّذِي يقرأ عَلَى أهله الفاحشة فلا ينكر بعد ذلك عليها.
_________________
(١) الحديث أخرجه أحمد بن حنبل في المسند ٥/ ١٣٦، والترمذي ١/ ٦١، وابن ماجة ٣٤، والطيالسي ٥٤٧، والحاكم في المستدرك ١/ ١٦٢، والبيهقي في السنن ١/ ١٩٧، وابن خزيمة في صحيحه ١٢٢. وأورده المصنف في العلل، وقال: «قال الترمذي: حديث أبي غريب وليس إسناده بالقوي عند أهل الحديث، لا يعلم أحد بسنده غير خارجة، وخارجة ليس بالقوي عند أصحابنا، ولا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء قلت: خارجة ضعفه ابن المبارك والدار الدّارقطنيّ، وقال يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال أحمد لابنه: لا تكتب عنه، وقال ابن حبان لا يحل الاحتجاج بغيره. وقال ابن أبي حاتم في العلل ١/ ٥٣: «رفعه إلى النبي ﷺ منكر» .
[ ١ / ١٧٩ ]