ينتمي ابن الجوزي إلى أسرة اشتغلت بالتجارة، فكان والده يتجر في النحاس، لأنه قد وجدت في بعض الأسماع لابن الجوزي لقب «الصفّار» نسبة إلى النحاس [٦] .
ويقول ابن الجوزي في «نصيحة الولد»: واعلم يا بني أننا من أولاد أبي بكر الصديق، ثم تشاغل سلفنا بالتجارة والبيع والشراء [٧] .
_________________
(١) مرآة الزمان ٨/ ٣١٠.
(٢) مرآة الزمان ٨/ ٣١٠. والنجوم الزاهرة ٦/ ١٧٥.
(٣) مرآة الزمان ٨/ ٣١٠.
(٤) المستفاد من ذيل تاريخ بغداد ص ٤١٨.
(٥) لفتة الكبد في نصيحة الولد، لابن الجوزي.
(٦) مرآة الزمان ٨/ ٣١٠.
(٧) لفتة الكبد في نصيحة الولد، ص ٤٧.
[ ١ / ١٤ ]
وقال أيضا: واعلم يا بني أن أبي كان موسرا، وخلف ألوفا من المال [١] .
ويوضح ابن الجوزي حاله منذ صغره فيقول: إن أبي مات وأنا لا أعقل، والأم لا تلتفت إليّ [٢] .
فقد كان والده قد توفي، وله من العمر ثلاث سنين، وبقيت والدته على قيد الحياة، حيث سبقها إلى الموت بأيام في عام ٥٩٧ هـ-.
ولما بلغ ابن الجوزي سن التمييز مضت به عمته [٣] إلى الشيخ أبي الفضل محمد بن ناصر، الفقيه اللغوي، الّذي تولى تعليم وتثقيف ابن الجوزي، فأحفظه القرآن والحديث. وساعده في الوصول إلى العلماء المتخصصين في شتى العلوم.
ويقول ابن الجوزي عن هذه الفترة من حياته: إن أكثر الإنعام عليّ لم يكن بكسبي، وإنما هو تدبير اللطيف بي، فإنّي أذكر نفسي ولي همة عالية وأنا في المكتب ابن ست سنين، وأنا قرين الصبيان الكبار، وقد رزقت عقلا وافرا في الصغر. فما أذكر أني لعبت في الطريق مع الصبيان قط، ولاضحكت ضحكا خارجا، حتى إني كنت ولي سبع سنين أو نحوها أحضر رحبة الجامع، فلا أتخير حلقة مشبعة، بل أطلب المحدث، فيتحدث بالسير فأحفظ جميع ما أسمعه، وأذهب إلى البيت فأكتبه، ولقد وفق لي شيخنا أبو الفضل بن ناصر ﵀، وكان يحملني إلى الشيوخ، فأسمعني المسند وغيره من الكتب الكبار، وأنا لا أعلم ما يراد مني، وضبط لي مسموعاتي إلى أن بلغت، فناولني ثبتها، ولازمته إلى أن توفي ﵀، فنلت به معرفة الحديث والنقل، ولقد كان الصبيان ينزلون إلى دجلة ويتفرجون على الجسر، وأنا في زمن الصغر آخذ جزءا من القرآن وأقعد حجزة من الناس، فأتشاغل بالعلم [٤] .
ولقد كان ابن الجوزي شغوفا محبا لطلب العلم مهما كلفه من عناء في طلبه، فهو يقول في ذلك: ولقد كنت في حلاوة طلبي للعلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى
_________________
(١) لفتة الكبد، ص ٣٨.
(٢) صيد الخاصر، لابن الجوزي، ص ١٩٢.
(٣) وقيل أن عمه هو حمله إلى الشيخ ابن ناصر. انظر: المستفاد من ذيل تاريخ بغداد، للدمياطي- ٤١٦- ٤١٧. وذيل طبقات الحنابلة ١/ ٤٠١ والبداية والنهاية ١٣/ ٢٩.
(٤) لفتة الكبد في نصيحة الولد، لابن الجوزي ص ٢٣- ٢٤.
[ ١ / ١٥ ]
من العسل لأجل ما أطلب وأرجو. كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى، فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم. وأثمر ذلك عندي من المعاملة ما لا يدرك بالعلم، حتى انني أذكر في زمان الصبوة ووقت الغلمة والعزبة قدرتي على أشياء كانت النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال، ولم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي من العلم من خوف الله ﷿، ولولا خطايا لا يخلو منها البشر لكنت أخاف على نفسي من العجب [١] .
وكانت مدينة بغداد يومئذ شأنها في كل عهودها العربية الإسلامية زاخرة بالمعاهد والعلماء، ولم تفتر فيها الحركة العلمية إطلاقا، فساعد ذلك ابن الجوزي على الاختلاف إلى شيوخه في وقت مبكر في حياته حدده بعضهم بعام ٥١٦ هـ-، وآخرون بعام ٥٢٠ هـ-. بيد أن ابن الجوزي كان أكثر تطرفا في هذا الشأن إذ ذكر سماعه على محمد بن محمد الخزيمي (ت ٥١٤ هـ-) وقال: «ورأيت من مجالسه أشياء قد علقت عنه فيها كلمات ولكن أكثرها ليس بشيء فيها أحاديث موضوعة وهذيانات فارغة يطول ذكرها» وكان عمره يومئذ في أكثر تقدير خمسة أعوام إذا أخذنا بتحديد ميلاده عام ٥٠٨ هـ-، وإلا فإن عمره- في هذا النص لو صح- لا يتجاوز الثلاث سنين، وهو أمر مستبعد. ولكنه من الثابت أنه أقبل على الدرس منذ نعومة أظفاره يدفعه إلى ذلك تشجيع ذويه وميوله الذاتية. وقد أكسبه حب العلم والإقبال عليه ثقافة واسعة مستمدة من معاهد العلم في بغداد، لأنه لم يخرج منها طيلة حياته إلا لأداء فريضة الحج وأخيرا نفيه إلى واسط، ومن ثم فإن ثقافته بغدادية خالصة، ولا يقدح بثقافته كونها لم تتجاوز حدود بغداد إلى غيرها من الحواضر الإسلامية، ذلك أن بغداد كانت ملتقى رجال العلم والفكر من شتى أنحاء العالم الإسلامي، ومن هنا فهي تمثل عالم الإسلام كله من أقصاه إلى أقصاه بلا استثناء [٢] .
وليس أدلّ على أن ابن الجوزي يعد من أئمة عصره في شتى العلوم، من قول أئمة
_________________
(١) صيد الخاصر. لابن الجوزي ص ١٩١، ١٩٢.
(٢) كتاب المنتظم، دراسة في منهجه وموارده وأهميته، للدكتور حسن عيسى علي الحكيم. ص ٤٦، ٤٧. ط عالم الكتب بيروت.
[ ١ / ١٦ ]
النقد فيه فقد قال عنه الإمام الذهبي: وله في كل علم مشاركة، لكنه كان في التفسير من الأعيان، وفي الحديث من الحفاظ، وفي التاريخ من المتوسعين، ولديه فقه كاف، وأما السجع الوعظي فله فيه ملكة قوية [١] .
فلم يقتصر ابن الجوزي على فن واحد من فنون العلم، فهو نفسه يقول: «ولم أقنع بفن واحد، بل كنت أسمع الفقه والحديث، وأتبع الزهاد، ثم قرأت العربية، ولم أترك أحدا ممن يروي ويعظ، ولا غريبا يقدم، إلا وأحضره وأتخير الفضائل» [٢] .
ففي علم التفسير كان من الأعيان كما قال عنه الذهبي، فقد فسّر القرآن كله في مجلس الوعظ، كما قال: «ما عرفت واعظا فسر القرآن كله في مجلس الوعظ منذ نزل القرآن، فالحمد للَّه المنعم» [٣] وقد كان من أبرز ما ألّف ابن الجوزي في القرآن الكريم هو كتاب «زاد المسير في علم التفسير»، و«المغني» .
وفي علم الحديث كان من الحفاظ، فقد كتب الحديث وله إحدى عشرة سنة، وسمع قبل ذلك على حدّ قوله [٤] . قال أبو محمد الدبيثي: إليه معرفة الحديث وعلومه والوقوف على صحيحه وسقيمه، وله فيه المصنفات من المسانيد والأبواب والرجال ومعرفة ما يحتج به. وقال ابن الساعي في «الجامع المختصر»: روى الحديث عن خلق كثير وسمع الناس منه وانتفعوا به وكتب بخطه ما لا يدخل تحت الحصر، وخرج التخاريج، وجمع شيوخه، وأفرد المسانيد، وبيّن الأحاديث الواهية والضعيفة [٥] . وقد كان من أبرز مؤلفاته في الحديث: «جامع المسانيد»، و«الحدائق»، و«الموضوعات» .
وفي الوعظ هو عالم العراق وواعظ الآفاق، فقد بدأ ابن الجوزي الوعظ في التاسعة من عمره، وهو سن مبكر يدل على ذاكرة واعية، وبديهة حاضرة، وذكاء حاد، ونبوغ مبكر، لأن وعظه في هذه السن كان له أثره، وكان يحضر مجلس وعظه الكثيرون، يسمعون له، ويتأثرون به، فيقول ابن الجوزي عن مدى تأثيره في الناس: «وضع الله لي
_________________
(١) تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/ ١٣٤٧.
(٢) صيد الخاصر ص ١٣٥. ولفتة الكبد ص ٢٤. كلاهما لابن الجوزي.
(٣) المنتظم ١٠/ ٢٥١ من طبعة الهند، الجزء الثامن عشر من هذه الطبعة.
(٤) المنتظم ٧/ ١٨٢ من طبعة الهند.
(٥) الجامع المختصر لابن الساعي ٩/ ٦٦.
[ ١ / ١٧ ]
القبول في قلوب الخلق فوق الحد، وأوقع كلامي في نفوسهم، فلا يرتابون بصحته، وقد أسلم على يدي نحو مائتين من أهل الذمة، ولقد تاب في مجالسي أكثر من مائة ألف، وقد قطعت أكثر من عشرين ألف سالف مما يتعاناه الجهال» [١] .
وفي حقيقة الأمر أن ابن الجوزي كواعظ يحتاج إلى دراسة متوسعة تتناول أسلوبه ومنهجه ونماذج من وعظه وأثر وعظه على المجتمع الّذي كان يعيش فيه، مما يجعلنا نقتصر في هذا المقام على مجرد الإشارة إلى ابن الجوزي الواعظ كجانب من جوانب نبوغه وعلمه فقط.
قال ابن رجب: «إن مجالسه الوعظية لم يكن لها نظير، ولم يسمع بمثلها، وكانت عظيمة النفع، يتذكر بها الغافلون، ويتعلم منها الجاهلون، ويتوب فيها المذنبون، ويسلم فيها المشركون» [٢] .
ولعل من أبرز ما كتبه في الوعظ: «التبصرة»، و«المنتخب»، و«المدهش»، و«بحر الدموع» .
أما في الفقه فلا بد وأن يكون فقيها، وكيف لا وهو الواعظ المفسر الحافظ، فهو حنبلي المذهب مجتهد في بعض الآراء، فمن أبرز ما ألّف في الفقه: «الإنصاف في مسائل الخلاف» و«عمدة الدلائل في مشهور المسائل» و«المذهب في المذهب» و«مسبوك الذهب» وغير ذلك.
وفي التاريخ هو من المتوسعين، وليس أدل على ذلك من كتاب «المنتظم» هذا الّذي نحن بصدد التقديم له. كما أن كتب المناقب التي كتبها تعد موسوعة تاريخية متخصصة كل في موضوعة، منها «مناقب أحمد بن حنبل»، و«مناقب بغداد»، و«مناقب الحسن البصري»، و«مناقب عمر بن الخطاب»، و«مناقب عمر بن عبد العزيز»، و«مناقب سفيان الثوري» وغيرها.
هذا بالإضافة إلى نبوغه في الأدب واللغة والشعر، فقد قال الذهبي: «ونظم الشعر المليح وكتب بخطه ما لا يوصف، ورأى من القبول والاحترام ما لا مزيد عليه» [٣] .
_________________
(١) لفتة الكبد، لابن الجوزي ص ٢٥١.
(٢) الذيل على طبقات الحنابلة، لابن رجب ٣/ ٤١.
(٣) العبر في خبر من غبر، للذهبي ٤/ ٢٩٧، ٢٩٨.
[ ١ / ١٨ ]